أخبارالاقتصاد الأخضر

كيف تستخدم الحكومات الأفريقية الاستثمارات الأجنبية ومشروعات البنية التحتية لتوسيع نفوذها على الأراضي؟

مشروعات الاستثمار الأجنبي والحفاظ على البيئة تعيد تشكيل حقوق ملكية الأراضي في أفريقيا

كشفت دراسة بحثية جديدة أن الحكومات الأفريقية تستخدم الاستثمارات الأجنبية ومشروعات البنية التحتية وبرامج الحفاظ على البيئة لتوسيع سيطرتها على الأراضي والمجتمعات المحلية، وذلك وفقًا لبحث شمل 14 دولة في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

وتتحدى الدراسة الاعتقاد السائد بأن الدول الأفريقية تعاني ضعفًا يجعلها عاجزة عن تنظيم أنشطة المستثمرين الأجانب ذوي النفوذ الاقتصادي الكبير، إذ يرى الباحثون أن الحكومات يمكنها توظيف الاستثمارات والشراكات مع المؤسسات الخارجية لتعزيز سلطتها ونفوذها، لكن ذلك قد يأتي أحيانًا على حساب حقوق المجتمعات المحلية القائمة في حيازة الأراضي واستخدامها.

وفي الوقت نفسه، يؤكد الباحثون أن هذه النتيجة لا تقلل من مسؤولية المستثمرين الأجانب والجهات المانحة ومنظمات الحفاظ على البيئة، إذ تؤدي مشاركتهم الفعلية دورًا في تشكيل هذه العمليات والنتائج المترتبة عليها.

وأعد الدراسة كارولين ديترل، الباحثة بجامعة مانشستر، ويويتشو يانج من جامعة أكسفورد، وركزت على كيفية توظيف الحكومات سياسات الأراضي ليس فقط لتشجيع التنمية الاقتصادية، وإنما أيضًا لتوسيع سلطتها وترسيخ نفوذها.
ونُشرت الدراسة في دورية «جيوفوروم» (Geoforum).

كيف تسهم الاستثمارات في توسيع سلطة الحكومات؟

حلل الباحثون 24 حالة في 14 دولة، بالاعتماد على أعمال ميدانية أُجريت خلال الفترة من 2018 إلى 2024 في أوغندا وجنوب أفريقيا وتنزانيا وزامبيا وكينيا، إلى جانب مراجعة الدراسات السابقة والوثائق والسياسات الحكومية ذات الصلة.

وحدد الباحثون استراتيجيتين مترابطتين تستخدمهما الحكومات لتعزيز سيطرتها على الأراضي، تتمثل الأولى في «التوسيع»، وتشمل مد نطاق سلطة الدولة إلى مناطق كانت تخضع تقليديًا لسيطرة محدودة للحكومة أو لإدارة مشتركة مع المجتمعات المحلية.

ويمكن تحقيق ذلك من خلال جذب استثمارات واسعة النطاق في الأراضي، وإنشاء ممرات للنقل والبنية التحتية، أو تخصيص مساحات من الأراضي لأغراض الحفاظ على البيئة.

أما الاستراتيجية الثانية، التي أطلق عليها الباحثون «التعميق»، فتتعلق بتعزيز هذه السلطة وترسيخها بمرور الوقت من خلال القوانين والأنظمة الإدارية وتسجيل الأراضي، إلى جانب الأدوات التقنية، مثل الخرائط الرقمية.

وأشار الباحثون إلى أن بعض الحكومات وصفت أراضي معينة بأنها خالية من السكان أو غير خاضعة للإدارة أو غير مستغلة بالشكل الكافي، بهدف إظهارها باعتبارها متاحة للتنمية والاستثمار.

لكن هذه التصنيفات قد تتجاهل أنشطة قائمة بالفعل، مثل الزراعة والرعي، فضلًا عن حقوق الملكية العرفية وأنظمة الإدارة المحلية التي تنظم استخدام الأراضي داخل المجتمعات.

من الاستثمارات الزراعية إلى مشروعات الحفاظ على البيئة

استعرضت الدراسة نماذج من عدة دول أفريقية توضح كيفية استخدام السياسات الاستثمارية ومشروعات التنمية لتوسيع سلطة الحكومات على الأراضي.

ففي إثيوبيا، تضمنت جهود الحكومة لجذب الاستثمارات الزراعية واسعة النطاق تحديد أراضٍ لإدراجها ضمن بنك أراضٍ اتحادي، والترويج لها باعتبارها متاحة للاستخدام الإنتاجي.

وفي شمال أوغندا، أسهمت الادعاءات بأن بعض الأراضي غير مأهولة أو غير خاضعة للإدارة في تبرير إعادة تصنيف الأراضي الخاضعة للملكية العرفية وتخصيصها لمشروعات استثمارية.

كما يمكن لمشروعات البنية التحتية أن تؤدي دورًا مشابهًا؛ ففي كينيا، استُخدم مشروع ممر لامو–جنوب السودان–إثيوبيا للنقل (LAPSSET) لتوسيع سلطة الدولة داخل مناطق اعتمدت لفترات طويلة على أنظمة الحيازة الجماعية للأراضي.

وفي تنزانيا، تضمنت خطط التنمية الزراعية إعادة تصنيف أراضٍ تابعة للقرى بهدف إتاحتها أمام الاستثمارات.

ولا تقتصر هذه التأثيرات على المشروعات الزراعية والبنية التحتية، إذ يمكن أن تمثل مشروعات الحفاظ على البيئة وسيلة أخرى لتوسيع سيطرة الدولة على الأراضي.

فتصنيف الأراضي باعتبارها متنزهات وطنية أو محميات أو مناطق محمية قد يؤدي إلى إخضاعها لسلطة الحكومة المركزية، مع فرض قيود على طرق استخدام السكان المحليين لها.

وتناقش الدراسة حالات أسهمت فيها هذه العمليات في التهجير والإخلاء القسري واندلاع النزاعات حول الأراضي.

 

فهم مختلف للعلاقة بين الأراضي والسلطة

يرى الباحثون أن الاستثمارات الأجنبية لا تعني بالضرورة فقدان الحكومات سيطرتها على الأراضي لصالح المصالح الخارجية، إذ تستطيع الدول توظيف علاقاتها مع المستثمرين والجهات المانحة والمؤسسات الأخرى لتحقيق أهدافها السياسية وتوسيع نفوذها الجغرافي والإداري.

لكن الدراسة لا تفترض أن تعزيز سيطرة الدولة يمثل أمرًا إيجابيًا في جميع الحالات، إذ يؤكد الباحثون أن العمليات التي رصدوها قد تتسم بالإقصاء أو الإكراه، كما أن محاولات فرض ترتيبات جديدة لإدارة الأراضي كثيرًا ما تواجه اعتراضات من المجتمعات المتضررة.

وتقدم النتائج إطارًا لفهم الكيفية التي يمكن من خلالها للاستثمارات في الأراضي والتخطيط التنموي والسياسات البيئية إعادة تشكيل العلاقة بين الحكومات والسكان الذين يعيشون على هذه الأراضي، فضلًا عن التأثير في الجهات التي تمتلك حق الوصول إليها واستخدامها واتخاذ القرارات المتعلقة بها.

وفي هذا السياق، قالت كارولين ديترل، الباحثة بجامعة مانشستر، إن الاستثمارات الأجنبية في الأراضي غالبًا ما تُناقش باعتبارها عملية تفقد الحكومات الأفريقية من خلالها السيطرة لصالح المصالح الخارجية القوية.

وأضافت أن نتائج البحث تظهر قدرة الحكومات على توظيف الاستثمارات ومشروعات البنية التحتية والحفاظ على البيئة لتوسيع سلطتها على الأراضي، بما في ذلك المناطق التي أدارتها المجتمعات المحلية لفترات طويلة وفقًا لأنظمة الملكية العرفية.

وأكدت أن فهم هذه العملية مهم، لأن هذه المشروعات لا تتعلق بالتنمية الاقتصادية فقط، بل يمكنها أيضًا تغيير الجهات التي تمتلك سلطة الوصول إلى الأراضي واستخدامها واتخاذ القرارات بشأنها.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى