تصدير اللحوم بدلًا من الأعلاف قد يخفض تلوث النيتروجين عالميًا 38%
من فول الصويا إلى اللحوم.. نموذج تجريبي يكشف مسارًا لخفض انبعاثات الزراعة
تصدّر الولايات المتحدة ملايين الأطنان من فول الصويا والذرة وغيرها من محاصيل الأعلاف إلى الصين كل عام، لكن دراسة جديدة طرحت سؤالًا غير تقليدي: ماذا لو صدّرت الولايات المتحدة اللحوم ومنتجات الألبان بدلًا من الأعلاف التي تستخدمها الصين في تربية الحيوانات؟
ووفقًا لنموذج الدراسة، يمكن لمثل هذا التحول الافتراضي في نمط التجارة أن يخفض فقد النيتروجين عالميًا بنحو 38%، وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 17% مقارنة بالنمط الحالي للتجارة، إلى جانب زيادة إيرادات التجارة الزراعية الأمريكية بنحو 10.5 مليار دولار.
وأجرى الدراسة فريق بقيادة شين تشانج من مركز علوم البيئة بجامعة ماريلاند، باستخدام بيانات التجارة لعام 2022 لمقارنة أنماط مختلفة لإنتاج وتبادل الأعلاف والمنتجات الغذائية بين الولايات المتحدة والصين.
وقد نُشرت الدراسة في مجلة Nitrogen Cycling.

مشكلة تصدير الأعلاف
يعتمد النظام الحالي على تصدير كميات كبيرة من محاصيل الأعلاف الأمريكية إلى الصين، وهو ترتيب يتمتع بميزة بيئية من ناحية كفاءة استخدام النيتروجين.
فإنتاج محاصيل الأعلاف في الولايات المتحدة أكثر كفاءة في استخدام النيتروجين مقارنة بإنتاج المحاصيل نفسها في الصين، ولذلك ساهمت التجارة الحالية بالفعل في خفض فقد النيتروجين عالميًا بنحو 32% مقارنة بسيناريو تنتج فيه الصين احتياجاتها من الأعلاف محليًا.
لكن الباحثين يشيرون إلى مشكلة أخرى مرتبطة بهذا النظام.
فعندما تُزرع محاصيل الأعلاف في دولة وتُستخدم لإطعام الحيوانات في دولة أخرى، فإن جزءًا كبيرًا من العناصر الغذائية الموجودة في هذه المحاصيل ينتقل في صورة مخلفات حيوانية إلى مكان بعيد عن الأراضي التي أنتجت المحاصيل.
وتشير الدراسة إلى أن أكثر من 40% من النيتروجين الموجود في الأعلاف التي تستوردها الصين ينتهي به المطاف في صورة فاقد مرتبط بالسماد الحيواني.
وبمجرد انتقال هذا النيتروجين إلى مناطق تربية الحيوانات، لا توجد آلية تعيده إلى الأراضي التي زُرعت فيها المحاصيل المصدرة، ما يؤدي إلى فقد جزء من العناصر الغذائية وتسربها إلى البيئة.
ويمكن أن يصل النيتروجين المفقود إلى المجاري المائية أو ينتقل إلى الغلاف الجوي، بما يفاقم التلوث ويؤثر في النظم البيئية وصحة الإنسان.

ماذا يحدث إذا صُدّرت اللحوم بدلًا من الأعلاف؟
اختبر الباحثون ثلاثة سيناريوهات رئيسية.
الأول يفترض عدم وجود تجارة ثنائية في الأعلاف أو المنتجات الغذائية بين البلدين، بينما يمثل الثاني نمط التجارة القائم حاليًا، والذي يعتمد بصورة كبيرة على تصدير الأعلاف الأمريكية إلى الصين.
أما السيناريو الثالث، فيفترض أن تقوم الولايات المتحدة بتربية الحيوانات التي كانت ستستهلك الأعلاف المصدرة إلى الصين، ثم تصدّر المنتجات الغذائية الناتجة، مثل اللحوم ومنتجات الألبان، إلى السوق الصينية بدلًا من تصدير الأعلاف.
وبحسب النموذج، أدى نمط التجارة الحالي المرتبط بهذه السلع إلى فقد يقدر بنحو 1.3 مليون طن متري من النيتروجين سنويًا، إضافة إلى نحو 57 مليون طن متري من مكافئ ثاني أكسيد الكربون من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
أما في سيناريو التحول إلى تصدير المنتجات الغذائية، فانخفض فقد النيتروجين عالميًا بنسبة 38% مقارنة بنمط التجارة الحالي.
كما تراجعت انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من 57 مليونًا إلى نحو 48 مليون طن متري من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنويًا، بانخفاض قدره 17%.
وقدّر النموذج أيضًا انخفاض تكاليف الأضرار البيئية بنحو 32%، في حين ارتفعت إيرادات التجارة الزراعية الأمريكية المقدرة بنحو 10.5 مليار دولار، مع هامش عدم يقين يقدر بنحو 2.4 مليار دولار.

لماذا يمكن أن يؤدي إنتاج اللحوم في الولايات المتحدة إلى خفض الأثر البيئي؟
يرتبط جزء من التفسير بكفاءة تحويل الأعلاف إلى منتجات حيوانية.
وتشير الدراسة إلى أن الإنتاج الحيواني في الولايات المتحدة يحول الأعلاف إلى منتجات حيوانية بكفاءة أعلى من الإنتاج في الصين في السيناريوهات التي جرى تحليلها.
وعندما تتم تربية الحيوانات بالقرب من المناطق التي تُزرع فيها الأعلاف، يمكن تقليل بعض أوجه الفقد المرتبطة بنقل العناصر الغذائية بين الدول.
كما أن السماد الحيواني الناتج عن تربية الحيوانات في الولايات المتحدة يمكن استخدامه في الأراضي الزراعية القريبة، بما يساعد على إعادة جزء من العناصر الغذائية إلى دورة الإنتاج الزراعي.
وبذلك، فإن الفكرة الأساسية لا تتعلق بمجرد نقل سلعة من دولة إلى أخرى، وإنما بمكان حدوث مراحل الإنتاج الزراعي والحيواني، ومكان تراكم المخلفات الناتجة عنها.

مكاسب عالمية مقابل أعباء محلية
لكن خفض الأثر البيئي عالميًا لا يعني أن جميع المناطق ستستفيد بالقدر نفسه.
فنقل جزء أكبر من الإنتاج الحيواني إلى الولايات المتحدة يعني وجود أعداد أكبر من الحيوانات في مناطق أمريكية معينة، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى زيادة التلوث بالنيتروجين والانبعاثات في بعض المقاطعات القريبة من منشآت الإنتاج الحيواني.
وبالتالي، قد تحقق الاستراتيجية مكاسب على المستوى العالمي، لكنها في الوقت نفسه تفرض أعباء بيئية إضافية على مجتمعات محلية تستضيف عمليات تربية الحيوانات.
واختبر الباحثون سيناريوهات إضافية تجمع بين استرداد مخلفات الطعام وتحسين إعادة تدوير السماد الحيواني، ووجدوا أن الجمع بين هذه الإجراءات يمكن أن يؤدي إلى خفض أكبر لفقد النيتروجين، كما يساعد في الحد من الأعباء الإضافية على المجتمعات الأمريكية المتضررة.

نموذج للمقارنة وليس توقعًا للمستقبل
ويؤكد الباحثون أن النتائج التي توصلوا إليها تمثل سيناريوهات نموذجية وليست توقعات مؤكدة أو مقترحات سياسية ملزمة.
فالدراسة لا تتنبأ بأن الولايات المتحدة والصين ستغيران نمط تجارتهما الزراعية، ولا تدعو بشكل مباشر إلى التحول من تصدير الأعلاف إلى تصدير اللحوم.
لكنها تلفت الانتباه إلى جانب غالبًا ما يغيب عن تقييم تجارة المنتجات الزراعية: ليس المهم فقط أين تُزرع المحاصيل، وإنما أيضًا أين تُربى الحيوانات التي تستهلكها، وأين ينتهي المطاف بالمخلفات الناتجة عن هذه العملية.
وتشير النتائج إلى أن تقييم الأثر البيئي للتجارة الزراعية يحتاج إلى النظر إلى سلسلة الإنتاج بأكملها، من زراعة الأعلاف إلى تربية الحيوانات وإدارة السماد، بدلًا من الاقتصار على حساب الانبعاثات أو التلوث المرتبط بزراعة المحاصيل وتصديرها.





