أخبارالتنمية المستدامة

تحلية المياه خيار باهظ لكنه حتمي.. التكنولوجيا تتقدم والبيئة تدفع الثمن

150 مليون متر مكعب من المحلول السام يوميًا.. الوجه الآخر لتحلية المياه

نشرت صحيفة فايننشال تايمز مؤخرًا تقريرًا تناول اتساع أزمة ندرة المياه عالميًا، في وقتٍ باتت فيه تحلية مياه البحر حلاً طارئًا تلجأ إليه الدول، رغم كلفته البيئية والمالية المرتفعة.

وباتت تحلية المياه ضرورةً حتمية بسبب تقلبات المناخ ونضوب مصادر المياه الجوفية، مما دفع الحكومات إلى استثمار مليارات الدولارات في تطوير محطات التحلية.

قبرص مثالًا على الندرة

أوضح التقرير أن قبرص، على سبيل المثال، ستضطر هذا الصيف إلى استيراد الطماطم والبطيخ ومنتجات أخرى كانت تُزرع محليًا منذ زمن بعيد، بعد أن أصبح ري المحاصيل مستحيلاً. فقد خفضت الحكومة تخصيصات المياه الزراعية إلى النصف، مما أدى إلى انقطاع المياه عن المحاصيل الموسمية تمامًا.

ومع تراجع المياه الجوفية وتغيّر المناخ، تتسابق الحكومات عالميًا للبحث عن حلول لضمان استمرار تدفّق المياه، مما ينعش صناعة التحلية التي يُتوقّع أن تتجاوز قيمتها 20 مليار دولار بحلول عام 2027، مقارنةً بأقل من 15 مليارًا في عام 2024، وفقًا للتقرير.

وأدّى ضعف الاستثمارات وتشتت السياسات والاعتماد على الأمطار في قبرص إلى اقتراب نظامها المائي من حافة الانهيار؛ إذ لم تكن الخزانات الرئيسية الـ18 مملوءة سوى بنسبة 21.7% في يونيو الماضي، مقارنةً بـ97% قبل خمس سنوات.

ووفقًا للتقرير، بات الاعتماد على التحلية كثيفة الطاقة هو الخيار الوحيد المطروح، حيث تمتلك قبرص أربع محطات كبرى للتحلية تُشغَّل خلال فترات الأزمات. وتطمح وزيرة الزراعة، ماريا باناجيوتوبو، إلى تلبية كافة احتياجات مياه الشرب من خلال تشغيل دائم لتلك المحطات خلال عامين إلى ثلاثة أعوام.

تحلية المياه كحلّ طارئ رغم تكلفته البيئية والمالية

الإجهاد المائي العالمي

ليست قبرص وحدها، فهي واحدة من عدة دول تقع في منطقة واسعة تعاني من “الإجهاد المائي” تمتد من الهند إلى أميركا الشمالية وتشمل أجزاء من المحيط الهادئ وجنوب أفريقيا؛ إذ يعيش شخص من كل عشرة على هذا الكوكب في بلد يعاني من “إجهاد مائي مرتفع أو حرج”، بحسب الأمم المتحدة.

وقد تطورت تقنيات التحلية كثيرًا خلال العقود الأخيرة، وانتقلت من الغلي الحراري لمياه البحر إلى تقنية التناضح العكسي، التي تعتمد على أغشية دقيقة لفصل الأملاح.

ويُقدّر البروفيسور نضال هلال، مدير مركز أبحاث المياه بجامعة نيويورك أبو ظبي، أن قدرة التحلية العالمية تنمو سنويًا بمعدل يتراوح بين 6 و12%.

لكن، سواء عبر الغليان أو التناضح العكسي، لا تزال هناك مشكلتان أساسيتان: الحاجة الكبيرة للطاقة، وطرح محلول ملحي كثيف قد يضر بالبيئة البحرية.

طفرة تحلية في الشرق الأوسط

مع تزايد الطلب، تضخ الحكومات والشركات – خصوصًا في الشرق الأوسط – مليارات الدولارات لتوسيع البنية التحتية للتحلية، رغم آثارها البيئية الضارة.

ووفق التقرير، تُعد المجتمعات المطلة على الخليج العربي القوة الدافعة وراء تحديث منظومة تحلية المياه، إذ إن بقاءها يعتمد كليًا على هذه العملية.

اليوم، تمثل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا القاحلة نحو 70% من القدرة العالمية على تحلية المياه، بحسب مرصد الاقتصاد الأزرق التابع للاتحاد الأوروبي.

ويمكن لأكبر محطات التحلية في المنطقة إنتاج كميات تكفي لتلبية احتياجات أكثر من مليون شخص. لكن مياه الخليج تُعد “الأصعب في التحلية” عالميًا، نظرًا لكونه شبه مغلق وذو ملوحة أعلى من البحار المفتوحة، مثل المحيط الأطلسي، وفقًا للبروفيسور نضال هلال.

أحد محطات تحلية المياه في مدينة آسفي بالمغرب

التناضح العكسي وتحديات الطاقة

وللتغلب على الكلفة البيئية، حاولت صناعة التحلية تقليل استهلاك الطاقة عبر الاعتماد على التناضح العكسي، كما في محطة “بركاء 4” في عُمان، التي تستهلك ربع إلى خمس الطاقة المستخدمة في التحلية الحرارية التقليدية.

أدى هذا التحوّل إلى تقليل الانبعاثات وتكاليف الإنتاج، وجعل المياه المحلاة أكثر استدامة.

وتُعد شركة “فيوليا” الفرنسية، التي تبلغ قيمتها السوقية 22.4 مليار يورو، من أبرز المستفيدين من هشاشة الأمن المائي عالميًا، حيث تؤكد أن 18% من قدرات التحلية العالمية تستخدم تقنياتها.

وفي الولايات المتحدة، يتم اختبار تقنية تحلية أعماق البحار باستخدام ضغط المحيط ذاته لدفع المياه عبر الأغشية، ما يعزز الكفاءة الطاقية.

تفاوت الكُلفة والآثار البيئية

لكن فوائد التحلية الأقل تكلفة ليست متاحة للجميع؛ فمثلًا قبرص، رغم استخدامها التناضح العكسي، لا تزال تعتمد على الوقود الأحفوري، مما يجعل تكلفة إنتاج المتر المكعب الواحد 1.50 يورو – أي خمسة أضعاف ما تنتجه محطة “حصيان” في دبي.

وتعتزم الحكومة القبرصية استخدام الطاقة الشمسية لتشغيل محطات الضخ، إلا أن ضيق المساحة وضعف شبكة الكهرباء يعوقان ذلك.

ولا تزال دبي تعتمد بنسبة 86% على التقطير الحراري في تحلية مياهها. وتقول الشركات في المنطقة إنها تسعى لتغيير هذا الواقع، والتحوّل التدريجي نحو التناضح العكسي لتقليل الانبعاثات.

ووفق ما نقلته الصحيفة عن صوفي برتراند، نائبة مدير التنسيق التجاري في شركة “سويز إنترناشونال”، فإن اعتماد الطاقة المتجددة يخفف الأثر البيئي لتنقية المياه، موضحة أن أغلب المناقصات الحالية تشترط استخدام التناضح العكسي.

المحلول الملحي.. خطر بيئي صامت

وذكر التقرير أن محطات التحلية في العالم تنتج يوميًا نحو 150 مليون متر مكعب من المحلول الملحي، غالبًا ما يُعاد تصريفه في البحار. وقد ربطت دراسة علمية بين هذه المخلفات وبين ظاهرة تبيُّض الشعاب المرجانية في خليج العقبة، فيما أشارت دراسات أخرى إلى آثار سلبية على الكائنات القاعية قرب منافذ التصريف.

وفي منطقة الخليج، التي تضم أكثر من 800 محطة تحلية، أثار تصريف المحاليل المالحة مخاوف بشأن تزايد تركيز الملوحة وتأثيره على الأنواع البحرية الحساسة.

وفي محاولة للتقليل من الأضرار، يعمل أكاديميون سعوديون على مشاريع مبتكرة؛ من بينهم البروفيسور تشيبينغ لاي في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية، الذي يطوّر تقنية لاستخلاص عناصر نادرة من المحلول مثل الليثيوم والبوتاسيوم، بما قد يضيف قيمة اقتصادية ويقلل من الآثار السلبية.

نماذج تمويل وشراكات ناجحة

تقول شركة “فيوليا” إن دول الخليج اعتمدت نماذج تمويل فعالة لمشاريع التحلية، تقوم على شراكات بين القطاعين العام والخاص، ضمن اتفاقيات شراء وتوريد محددة الأجل.

وتُعد تقنيات المياه أسرع أقسام الشركة نموًا، إذ سجلت مبيعات بقيمة 5 مليارات يورو في العام الماضي فقط، بينما كان سوق الشرق الأوسط الأسرع نموًا على مستوى العالم ضمن خدماتها المختلفة.

التحلية ليست الحل الوحيد

واختتم التقرير بالتأكيد على أن تحلية المياه ليست الحل الوحيد لأزمة المياه المتصاعدة، فدول عديدة تستثمر أيضًا في تحسين شبكات البنية التحتية.

فقد موّل البنك الأوروبي للاستثمار مشاريع لتحديث شبكات المياه في إسبانيا بقيمة 400 مليون يورو، بينما أنفقت ولاية كاليفورنيا 63 مليون دولار على مشاريع إعادة التدوير والتخزين، وأطلقت اليونان برامج عاجلة تشمل التوعية ودمج مزوّدي الخدمة لتعزيز الكفاءة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading