المشروبات السكرية في الطفولة ترفع خطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم لاحقًا
الفاكهة الكاملة تحمي.. والمشروبات السكرية تزيد خطر ارتفاع ضغط الدم بنسبة 52%
كشفت دراسة علمية واسعة النطاق أن استهلاك المشروبات السكرية خلال مرحلتي الطفولة والمراهقة قد يزيد بشكل ملحوظ من خطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم في مرحلة البلوغ، مؤكدة أن مصدر السكر يلعب دورًا أكثر أهمية من كمية السكر نفسها في تحديد المخاطر الصحية طويلة الأمد.
وأظهرت الدراسة أن المشروبات الغازية والمشروبات الرياضية المحلاة والعصائر عند استهلاكها بكميات مرتفعة ترتبط بزيادة خطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم، بينما لم تُظهر الفاكهة الكاملة التأثير نفسه، بل بدت مرتبطة بفوائد صحية محتملة.
وتوصل إلى هذه النتائج فريق بحثي بقيادة الدكتورة فاسانتي مالك، الأستاذة المشاركة بجامعة تورنتو والباحثة المنتسبة إلى كلية الصحة العامة بجامعة هارفارد، التي أكدت أن العادات الغذائية في المراحل المبكرة من الحياة يمكن أن تترك آثارًا صحية تستمر لعقود.
وقد نُشرت الدراسة في دورية Circulation المتخصصة في أبحاث القلب والأوعية الدموية.

متابعة أكثر من 25 ألف طفل ومراهق
اعتمد الباحثون على بيانات مشروع “Growing Up Today Study” الأمريكي، وهو أحد أطول الدراسات الصحية متابعة للأطفال والمراهقين في الولايات المتحدة.
وشملت الدراسة أكثر من 25 ألف مشارك التحقوا بالمشروع منذ سن التاسعة تقريبًا، حيث طُلب منهم بشكل دوري تسجيل عاداتهم الغذائية واستهلاكهم للمشروبات والأطعمة المختلفة عبر استبيانات تفصيلية.
ثم قارن العلماء هذه البيانات بالحالات التي شُخِّصت لاحقًا بارتفاع ضغط الدم خلال فترة متابعة امتدت إلى نحو 25 عامًا، ليصل متوسط أعمار المشاركين في نهاية الدراسة إلى نحو 36 عامًا.
وأكد الباحثون أن هذه المدة الطويلة تمنح الدراسة أهمية خاصة، إذ تسمح بتقييم التأثيرات الصحية الممتدة للأنماط الغذائية المبكرة.

المشروبات السكرية ترفع المخاطر بنسبة 52%
أظهرت النتائج أن الأشخاص الذين اعتادوا تناول مشروبين سكريين أو أكثر يوميًا خلال سنوات النمو كانوا أكثر عرضة للإصابة بارتفاع ضغط الدم بنسبة 52% مقارنة بمن كانوا يستهلكون أقل من ثلاثة مشروبات سكرية أسبوعيًا.
وظلت هذه العلاقة قائمة حتى بعد أخذ عوامل أخرى في الاعتبار، مثل النشاط البدني والنظام الغذائي العام وأنماط الحياة المختلفة.
كما تبين أن كل حصة يومية إضافية من المشروبات الغازية ارتبطت بزيادة خطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم بنسبة 23%، بينما ارتبطت كل حصة من المشروبات الرياضية المحلاة بزيادة الخطر بنسبة 36%.
ويُعد هذا الاكتشاف مهمًا بشكل خاص لأن المشروبات الرياضية غالبًا ما تُسوَّق باعتبارها خيارًا صحيًا يساعد على تعويض السوائل والطاقة، رغم احتوائها على كميات كبيرة من السكر في كثير من الأحيان.

العصائر ليست بريئة تمامًا
لم تقتصر النتائج على المشروبات الغازية، إذ أظهرت الدراسة أن تناول ما لا يقل عن 1.5 حصة يومية من العصائر ارتبط بزيادة خطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم بنسبة 35% مقارنة بمن كانوا يتناولون أقل من حصة واحدة أسبوعيًا.
وكانت عصائر البرتقال مسؤولة عن الجزء الأكبر من هذه العلاقة، حيث ارتبطت كل حصة يومية إضافية بزيادة الخطر بنحو 20%.
لكن الباحثين أشاروا إلى احتمال وجود بعض الأخطاء في التصنيف، إذ قد يكون بعض الأطفال قد سجلوا مشروبات بنكهة البرتقال والمحلاة بالسكر على أنها عصير برتقال طبيعي، ما قد يكون أدى إلى تضخيم التأثير الظاهر للعصير.
الفاكهة الكاملة تكسر القاعدة
في المقابل، لم يجد الباحثون أي ارتباط بين زيادة استهلاك الفاكهة الكاملة وارتفاع ضغط الدم.
بل على العكس، أظهرت البيانات اتجاهًا يشير إلى أن تناول الفاكهة قد يوفر درجة من الحماية ضد الإصابة بالمرض.
ويعزو العلماء هذا الاختلاف إلى احتواء الفاكهة الكاملة على الألياف الغذائية والمركبات النباتية النشطة بيولوجيًا، إضافة إلى أن عملية المضغ والهضم البطيئة تؤثر في طريقة تعامل الجسم مع السكريات الطبيعية الموجودة فيها.
وأوضح الدكتور أميت خيرا، الخبير المتطوع لدى جمعية القلب الأمريكية، أن هناك اعتقادًا شائعًا بأن الفركتوز ضار بصحة القلب بغض النظر عن مصدره، وأن العصائر دائمًا خيار صحي، إلا أن نتائج الدراسة تشير إلى أن كلا الافتراضين ليس دقيقًا.

بدائل بسيطة تقلل المخاطر
قام الباحثون أيضًا بمحاكاة تأثير استبدال بعض المشروبات بخيارات أخرى أكثر صحة، وأظهرت النتائج أن استبدال مشروب سكري واحد يوميًا بقطعة من الفاكهة الكاملة ارتبط بانخفاض خطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم بنسبة 22%.
كما ساهم استبدال المشروبات السكرية بالماء أو الحليب في خفض المخاطر بنسبة تصل إلى 13%.
وأدى استبدال العصائر بالفاكهة الكاملة إلى تقليل الخطر بنحو 19%، ما يؤكد أهمية تناول الفاكهة في صورتها الطبيعية بدلاً من الاعتماد على العصائر.
لماذا تمثل السكريات السائلة مشكلة؟
يشير الباحثون إلى أن الجسم يتعامل مع السكريات السائلة بطريقة مختلفة عن السكريات الموجودة في الأطعمة الصلبة، فالمشروبات لا تمنح الإحساس بالشبع بنفس الدرجة التي توفرها الأطعمة، ما يؤدي إلى استهلاك سعرات حرارية إضافية دون تقليل كمية الطعام المتناولة لاحقًا.
كما أن الفركتوز الموجود في المشروبات يصل إلى الكبد بسرعة أكبر، ما قد يؤدي إلى زيادة إنتاج حمض اليوريك وارتفاع مستويات الدهون في الدم، وهما عاملان مرتبطان بتدهور صحة الأوعية الدموية وارتفاع ضغط الدم مع مرور الوقت.
وتوضح الدراسة أن كوبًا واحدًا من عصير البرتقال بحجم 240 ملليلترًا قد يحتوي على كمية من السكر تعادل تقريبًا ما يوجد في ثلاث ثمرات برتقال كاملة، وهي كمية يصعب على معظم الأشخاص تناولها دفعة واحدة عند تناول الفاكهة الطازجة.

رسائل مهمة للأسر وصناع السياسات
أكدت فاسانتي مالك أن المشروبات المحلاة بالسكر، بما في ذلك المشروبات الغازية والمشروبات الرياضية، ينبغي الحد من استهلاكها بين الأطفال والمراهقين، وأضافت أن العصائر الطبيعية قد تكون آمنة عند تناولها بكميات محدودة، بشرط أن تكون عصائر فاكهة 100% دون إضافات سكرية، إلا أن الاعتدال يظل ضروريًا.
وشدد الباحثون على أن الفاكهة الكاملة يجب أن تبقى الخيار المفضل للحصول على الفيتامينات والعناصر الغذائية، نظرًا لفوائدها الصحية المتعددة مقارنة بالمشروبات السكرية.
بعض القيود العلمية
أشار الباحثون إلى أن الدراسة اعتمدت على بيانات أبلغ عنها المشاركون بأنفسهم بشأن النظام الغذائي وتشخيص ارتفاع ضغط الدم، ما يعني أنها تثبت وجود ارتباط إحصائي قوي لكنها لا تثبت علاقة سببية مباشرة بشكل قاطع.
كما أن غالبية المشاركين كانوا من ذوي الأصول الأوروبية البيضاء، وهو ما قد يحد من إمكانية تعميم النتائج على جميع المجموعات السكانية، ومع ذلك، يرى الباحثون أن النتائج تحمل أهمية كبيرة في ظل الارتفاع المستمر لمعدلات ارتفاع ضغط الدم بين الشباب، وتسلط الضوء على ضرورة بناء عادات غذائية صحية منذ المراحل الأولى من الحياة.





