2 مليار إنسان تحت تهديد نقص المغذيات رغم توافر الغذاء
من “الثورة الخضراء” إلى الجوع الخفي.. هل أنقذت الإنتاجية وأضرت بالجودة؟
يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن الجوع صورة طبق فارغ ومعدة خاوية، لكن هناك نوعًا آخر أكثر خفاءً، يتمثل في امتلاء الطبق بالطعام مع استمرار معاناة الجسم من نقص العناصر الأساسية التي يحتاجها.
ويُطلق خبراء التغذية على هذه الحالة اسم “الجوع الخفي“، وهي تنتج عن نقص الفيتامينات والمعادن، وليس السعرات الحرارية، ويعاني أكثر من ملياري شخص حول العالم من هذه المشكلة، أي ما يعادل نحو ربع سكان الكوكب.
كما أن أكثر من نصف سكان العالم لا يحصلون على كفايتهم من فيتامينات B2 وB9 وC وE، إضافة إلى معادن الكالسيوم والحديد واليود. ولا تقتصر هذه الفجوة على الدول الفقيرة فقط، بل تظهر بوضوح أيضًا في الدول الغنية.
وتزداد الصورة تعقيدًا بسبب عوامل لا ترتبط مباشرة باختيارات الأفراد الغذائية، إذ يكمن السبب داخل المحاصيل نفسها، نتيجة تأثيرات تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة.
الأرز يواجه أزمة غذائية

يُعد الأرز الأبيض المطهو من أقل المحاصيل الأساسية احتواءً على العناصر الغذائية مقارنة بالذرة والقمح، وهو ما يمثل مشكلة كبيرة، نظرًا لاعتماد مليارات الأشخاص عليه كمصدر رئيسي للسعرات الحرارية.
وفي كثير من مناطق آسيا، قد يتناول الفرد ثلاث وجبات من الأرز يوميًا، ومع ذلك لا يحصل على احتياجاته من الفيتامينات والمعادن الأساسية.
ويؤدي ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي إلى انخفاض محتوى الحبوب من البروتينات وفيتامينات B والمعادن.
وبحلول عام 2050، قد يؤدي هذا التراجع في جودة الأرز إلى إصابة 239 مليون شخص إضافي بنقص حمض الفوليك، لينضموا إلى 2.5 مليار شخص يعانون بالفعل من هذا النقص.
دور الفيتامينات في النباتات

تشير دراسات حديثة إلى وجود ارتباط وثيق بين الفيتامينات التي يحتاجها الإنسان وتلك التي تعتمد عليها النباتات للبقاء.
فعلى سبيل المثال، يساعد فيتامين B1 (الثيامين) النباتات على تحمل الجفاف، بينما يعزز كل من حمض الفوليك والريبوفلافين قدرة النباتات على مقاومة الملوحة والظروف البيئية القاسية.
وهذا يعني أن تحسين القيمة الغذائية للمحاصيل قد يساهم أيضًا في زيادة قدرتها على التكيف مع التغيرات المناخية.
حدود التهجين التقليدي
ركزت برامج تربية النباتات خلال القرن الماضي على زيادة الإنتاجية، خاصة منذ الثورة الخضراء في ستينيات القرن الماضي، التي أسهمت في مضاعفة إنتاج القمح والأرز والذرة، وإنقاذ أكثر من مليار شخص من المجاعة.
لكن هذا التركيز على الكمية جاء على حساب الجودة الغذائية، حيث تراجعت مستويات بعض العناصر الغذائية في المحاصيل.
كما أن التهجين التقليدي يواجه تحديات، إذ يستغرق تطوير صنف جديد ما بين 8 إلى 15 عامًا، ولا يمكنه إضافة عناصر غذائية غير موجودة في التركيب الجيني للنبات.
تقنيات التحرير الجيني كحل واعد
تقدم تقنيات حديثة، مثل الهندسة الوراثية والتحرير الجيني باستخدام CRISPR، حلولًا أكثر سرعة ودقة.
ومن أبرز الأمثلة “الأرز الذهبي”، الذي تم تطويره لاحتوائه على فيتامين A، بهدف الحد من مشكلات العمى الناتجة عن نقصه.
كما تمكنت تقنيات CRISPR من تطوير أصناف أرز تحتوي على نسب أعلى من الحديد والزنك، ويمكن إنتاج هذه الأصناف خلال فترة تتراوح بين عامين إلى ستة أعوام فقط.
تحول في السياسات الأوروبية
شهدت أوروبا تحولًا مهمًا في هذا المجال، حيث أقر البرلمان الأوروبي في يونيو 2026 قواعد جديدة تسمح بالتعامل مع بعض المحاصيل المعدلة جينيًا بنفس معاملة المحاصيل التقليدية.
ومن المتوقع أن يسهم ذلك في تسريع تطوير محاصيل غنية بالعناصر الغذائية، والمساهمة في الحد من الجوع الخفي.
الحل يتطلب تكامل الجهود
رغم أهمية هذه التقنيات، لا يمكن الاعتماد على حل واحد فقط، إذ يتطلب القضاء على الجوع الخفي الجمع بين التهجين التقليدي والتقنيات الحديثة.
كما يتطلب الأمر دعمًا مستمرًا للبحث العلمي، وإجراء تجارب ميدانية طويلة قبل طرح أي صنف جديد في الأسواق.
ويبقى الهدف هو تحقيق نظام غذائي أكثر تنوعًا وغنى بالعناصر الغذائية، وقادر على مواجهة التحديات المناخية المتزايدة.





