أخبارالتنوع البيولوجيتغير المناخ

تغير الغطاء النباتي قد يسرّع الاحترار في مناطق ويخففه في أخرى

تغير المناخ لا يسخّن كل الأماكن بالوتيرة نفسها.. الغطاء النباتي والسحب يصنعان فروقًا محلية

لا يظهر تغير المناخ بالطريقة نفسها في كل مكان؛ فبينما تشير المتوسطات الإقليمية والعالمية إلى اتجاهات عامة للاحترار، قد تختلف الظروف المناخية التي تعيشها الكائنات الحية على مستوى الغابات والحقول والمنحدرات الجبلية، بفعل الغطاء النباتي والسحب والتضاريس ورطوبة التربة.

وتوضح مراجعة علمية جديدة أن هذه الظروف المحلية، المعروفة باسم «المناخ الدقيق»، يمكن أن تتغير بمعدلات تختلف كثيرًا عن معدلات التغير في المناخ الإقليمي، وهو ما قد يؤثر في قدرة الأنواع على البقاء، وفي توزيعها الجغرافي، وفي التفاعلات داخل النظم البيئية.

وتجمع المراجعة، المنشورة في دورية Global Change Biology، نتائج أبحاث من مختلف أنحاء العالم لتفسير كيفية تأثير تغير المناخ في المناخات الدقيقة، وتحديد العمليات التي تجعل بعض المواقع تسخن بوتيرة أسرع من محيطها، بينما تظل مواقع أخرى أقل تأثرًا أو تتبع مسارات مختلفة.

وقالت كارولين جرايسر، الباحثة في جامعة ستوكهولم والمؤلفة الرئيسية للدراسة، إن تغير المناخ غالبًا ما يوصف برقم واحد يمثل منطقة كاملة، لكن الكائنات الحية تعيش في مواقع محددة، مثل رقعة داخل غابة أو منحدر بعينه، وقد تتغير الظروف المناخية التي تواجهها بمعدل مختلف عن المتوسط الإقليمي.

الغطاء النباتي يعيد تشكيل المناخ المحلي

يمثل الغطاء النباتي أحد العوامل الرئيسية المؤثرة في المناخ الدقيق. فتغير المناخ يمكن أن يبدل تركيب الغابات والأراضي الشجيرية وغيرها من البيئات النباتية، وهو ما يغير كمية أشعة الشمس التي تصل إلى سطح الأرض، وقدرة الأرض على فقدان الحرارة إلى الغلاف الجوي.

ولا تقتصر العلاقة على تأثر النباتات بالظروف المناخية؛ إذ يمكن للنباتات نفسها أن تعدل المناخ الذي تعيش فيه الكائنات الأخرى، من خلال تغيير توازن الطاقة قرب سطح الأرض وتحت التيجان النباتية.

وأوضحت جرايسر، أن تغير الغطاء النباتي يبدل توازن الطاقة المحلي، بما قد يؤدي إلى اختلافات كبيرة في اتجاهات درجات الحرارة داخل المشهد الطبيعي الواحد.

وتعرض المراجعة مثالًا من محاكاة نمذجة تناولت تمدد الشجيرات والأشجار إلى مناطق السهوب المفتوحة في تركيا. وأظهرت المحاكاة أن هذا التوسع يمكن أن يغير درجات حرارة الهواء القريب من سطح الأرض بصورة ملحوظة؛ ففي أشد الأيام حرارة، سجلت المناطق التي امتدت إليها الشجيرات درجات حرارة أقل بما يصل إلى 16 درجة مئوية مقارنة بالمناطق المفتوحة.

وفي سيناريو الاحترار الإقليمي الذي تناولته المحاكاة، كانت المناطق المفتوحة ستشهد ارتفاعًا في درجات الحرارة بوتيرة أسرع من المناطق التي يغطيها الغطاء الشجيري.

ولا تعني هذه النتيجة أن الأشجار والشجيرات تخفض الحرارة بهذا المقدار في جميع البيئات؛ فهي نتيجة مرتبطة بالموقع والظروف والسيناريو الذي تناولته المحاكاة، لكنها توضح مدى قدرة تغير الغطاء النباتي على تعديل الظروف الحرارية المحلية.

زيادة الغطاء النباتي

السحب والتضاريس يغيران مسارات الاحترار

لا يتحدد المناخ الدقيق بالنباتات وحدها، بل يتأثر أيضًا بالتغيرات في الظروف الجوية.

فالسحب تتحكم في كمية الإشعاع الشمسي التي تصل إلى سطح الأرض، ويمكن أن يؤدي انخفاض الغطاء السحابي إلى زيادة التسخين الشمسي في المواقع المكشوفة للشمس.

في المقابل، قد تتأثر الأماكن المظللة بدرجة أقل، مثل المناطق الداخلية للغابات والمنحدرات المواجهة للشمال في نصف الكرة الشمالي، مقارنة بالمواقع المعرضة مباشرة لأشعة الشمس.

وتوضح المراجعة، أن التغيرات في الغطاء السحابي يمكن أن تتفاعل مع التضاريس والغطاء النباتي ورطوبة التربة وعوامل أخرى، لتنتج اختلافات في المناخ الدقيق حتى بين مواقع متقاربة جغرافيًا.

وتبرز هذه التأثيرات في البيئات الجبلية، حيث يمكن لاختلاف اتجاه المنحدر والتعرض للشمس والظل وتغيرات الغطاء الثلجي والسحابي، إلى جانب امتداد الأشجار إلى مناطق جديدة، أن يحدد كيفية تطور الظروف المناخية المحلية مستقبلًا.

أدوات جديدة لفهم المناخ الذي تعيشه الكائنات

كان رصد التغيرات في المناخ الدقيق على مدى فترات طويلة وعبر مساحات واسعة أمرًا صعبًا، لكن شبكات أجهزة الاستشعار الجديدة ومجموعات البيانات طويلة الأجل والنماذج القائمة على فهم العمليات الفيزيائية والبيولوجية، باتت تتيح للباحثين دراسة كيفية انتقال تأثيرات التغيرات الجوية والنباتية إلى الظروف التي تواجهها الكائنات الحية فعليًا.

وترى جرايسر، أن تعقيد العمليات المسؤولة عن المناخ الدقيق، وارتباطها بالنظم الجوية والبيولوجية معًا، يجعلان فهمها بحاجة إلى تعاون بين علماء الغلاف الجوي والباحثين في علم البيئة.

ويساعد هذا النهج في تجاوز الاعتماد على المتوسطات المناخية وحدها، من خلال دراسة كيفية تفاعل الظروف المحلية وتغيرها بمرور الوقت.

زيادة الغطاء النباتي
زيادة الغطاء النباتي

لماذا يمثل المناخ الدقيق أهمية لحماية التنوع البيولوجي؟

قد تشير بيانات المناخ الإقليمي إلى أن منطقة ما تشهد ارتفاعًا في درجات الحرارة، بينما تظل بعض المواقع داخلها أقل تأثرًا نسبيًا بفضل الغطاء النباتي أو طبيعة التضاريس، أو قد تشهد مواقع أخرى تغيرات أسرع من محيطها.

ويؤثر هذا التفاوت في التوقعات المتعلقة بمستقبل الأنواع والنظم البيئية؛ إذ قد يساعد فهم المناخ الدقيق على تحديد المواقع التي تستطيع الأنواع الاستمرار فيها، والمناطق الأكثر عرضة لتراجعها، وكيف يمكن أن تتغير التفاعلات بين الكائنات الحية مع اختلاف الظروف المحلية.

كما يمكن أن يحسن إدراج هذه الفروق في النماذج المناخية والبيئية التنبؤات الخاصة بالتوزيع الجغرافي للأنواع، ويدعم وضع خطط لحماية التنوع البيولوجي وإدارة الأراضي تراعي الظروف الفعلية على المستوى المحلي.

وأكدت جرايسر ، أن فهم الأماكن التي يمكن أن تستمر فيها الأنواع والمواقع التي ستكون أكثر عرضة للخطر يتطلب معرفة ليس فقط بكيفية تغير المناخ الإقليمي، بل أيضًا بكيفية انعكاس هذا التغير على المناخ الدقيق الذي تعيشه الكائنات بالفعل.

وتشير نتائج المراجعة إلى أن التنبؤ بآثار تغير المناخ على التنوع البيولوجي يحتاج إلى الجمع بين الصورة المناخية واسعة النطاق والتفاصيل المحلية؛ فهذه التفاصيل قد تحدد، في بعض الحالات، ما إذا كانت البيئة ستوفر ملاذًا نسبيًا للأنواع أم ستواجه تغيرات أكثر حدة من المتوسط المحيط بها.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة