تكلفة الغذاء الصحي ترتفع عالميًا.. والقدرة على تحمّله لا تزال تفاوتية
الفاو: 673 مليون جائع في 2024.. والهدف "صفر جوع" بحلول 2030 مهدد
الغذاء الصحي يبتعد عن متناول الفقراء.. وأسعار الأسمدة تواصل التحليق
شهد معدل الجوع العالمي انخفاضًا متوسطًا بعد أن بلغ أعلى مستوياته خلال 15 عامًا في عامي 2021 و2022، وفقًا لأحدث إصدار من تقرير “حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم” (SOFI)، الصادر عن خمس وكالات تابعة للأمم المتحدة: منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، الصندوق الدولي للتنمية الزراعية، منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، برنامج الأغذية العالمي، ومنظمة الصحة العالمية.
ويتناول التقرير السنوي أيضًا تكلفة النظام الغذائي الصحي عالميًا، والارتفاع الكبير في معدلات تضخم أسعار الغذاء، والدور الذي لعبته أسعار الطاقة والأسمدة في هذا التضخم.
وقال المدير العام لمنظمة الفاو، الدكتور شو دونج يو، في بيان إن التقدم المحرز في تقليص معدلات الجوع يُعد “مشجعًا”، لكنه شدد على أن هذا التقدم “غير متكافئ”.

الجوع ينخفض في بعض المناطق ويرتفع في أخرى
وفقًا للتقرير، تراجع عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع في معظم أنحاء العالم في السنوات الأخيرة، بعد الزيادة الحادة التي سُجلت خلال جائحة كورونا في عامي 2020 و2021.
ومع ذلك، لم يكن التراجع شاملًا، إذ أحرزت بعض المناطق – مثل جنوب وغرب آسيا وأمريكا اللاتينية – تحسنًا، بينما استمر الوضع في التدهور في أجزاء واسعة من أفريقيا وغرب آسيا.
تشير التقديرات إلى أن عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع في عام 2024 تراوح بين 638 و720 مليونًا، أي ما يمثل بين 7.8% و8.8% من سكان العالم.
ويُقدَّر “الرقم المرجّح” بنحو 673 مليون شخص، أي بانخفاض قدره 15 مليونًا مقارنة بالعام السابق.
ومع ذلك، حذّر التقرير من أن نحو 2.3 مليار شخص في عام 2024 يعانون من انعدام أمن غذائي “متوسط أو حاد”، وهو رقم يزيد بـ683 مليون شخص عمّا كان عليه الوضع عند إطلاق أهداف التنمية المستدامة في عام 2015.
كما يتوقع التقرير أن يعاني 512 مليون شخص من الجوع المزمن بحلول عام 2030، 60% منهم في قارة أفريقيا.
وشدد التقرير على أن القضاء على الجوع بحلول عام 2030 أصبح “هدفًا بعيد المنال”، خصوصًا في الدول والمناطق المتأثرة بالأزمات الإنسانية مثل قطاع غزة، جنوب السودان، السودان، اليمن وهايتي، مشيرًا إلى أن الوضع في هذه المناطق قد لا ينعكس بدقة في البيانات الحالية.

ارتفاع تكلفة النظام الغذائي الصحي عالميًا
سجّل التقرير زيادة ملحوظة في تكلفة “النظام الغذائي الصحي” عالميًا خلال عامي 2023 و2024.
ويُعرف النظام الغذائي الصحي بأنه يتكوّن من مجموعة متنوعة من الأطعمة المحلية التي تلبي احتياجات الجسم من الطاقة والمغذيات، بطريقة متوازنة ومعتدلة.
في عام 2019، بلغ متوسط تكلفة النظام الصحي 3.30 دولارًا وفقًا لمبدأ تعادل القوة الشرائية (PPP) للفرد يوميًا، وارتفع هذا الرقم إلى 4.46 دولارًا في 2024.
رغم ارتفاع الأسعار، انخفض عدد الأشخاص غير القادرين على تحمّل تكلفة النظام الغذائي الصحي عالميًا من 2.9 مليار في عام 2020 إلى 2.6 مليار في 2024.
ويُعزى هذا التحسن إلى تعافي الاقتصاد بعد الجائحة، وارتفاع الدخول بما يفوق وتيرة ارتفاع الأسعار.
لكن الفوارق الإقليمية ما تزال حادة؛ ففي آسيا تراجع معدل من لا يستطيعون تحمّل تكلفة الغذاء الصحي من 35% في 2019 إلى 28% في 2024.
أما في أفريقيا، فقد ازداد العبء، حيث بات ثلثا السكان غير قادرين على تحمّل هذه التكلفة.
وفيما شهدت الدول منخفضة الدخل تدهورًا في هذا المؤشر بسبب توقف النمو الاقتصادي وارتفاع أسعار الغذاء، تحسن الوضع في الدول ذات الدخل المتوسط والمنخفض، خاصة الهند، بينما واصل التحسن في الدول ذات الدخل المرتفع منذ عام 2020.

تضخم أسعار الغذاء يتجاوز التضخم العام
كشف التقرير عن أن تضخم أسعار الغذاء فاق بكثير معدل التضخم العام خلال الفترة من 2019 إلى 2025، حيث ارتفع معدل التضخم الغذائي الوسيط عالميًا من 2.3% في ديسمبر 2020 إلى 13.6% في يناير 2023.
وكان التضخم أكثر حدة في الدول منخفضة الدخل، إذ تجاوز 350% في بعض الحالات، مدفوعًا بتقلبات السوق المحلي والاعتماد على الأسواق المفتوحة.
وتعزى هذه القفزة في الأسعار إلى جملة من العوامل، منها تداعيات جائحة كورونا، والحرب في أوكرانيا، وتغيرات في السياسات النقدية التي انتقلت من دعم السوق بأسعار فائدة منخفضة إلى تشديد السياسات لكبح التضخم.
وحذر التقرير من أن ارتفاع أسعار الغذاء بنسبة 10% يقابله ارتفاع في انعدام الأمن الغذائي المتوسط أو الحاد بنسبة 3.5%، مع تأثر النساء بشكل أكبر، وتأثيرات سلبية محتملة على تغذية الأطفال.

أسعار الطاقة وأسعار الأسمدة ضاعفت الأزمة
ساهمت أسعار الغاز والنفط في رفع تكلفة إنتاج الغذاء عالميًا، حيث تُستخدم هذه الموارد في تصنيع الأسمدة، والنقل، والتخزين.
وسجل التقرير موجتين رئيسيتين من الصدمات خلال 2020-2022: الأولى في بداية الجائحة، نتيجة تعطّل سلاسل الإمداد والتخزين الاحترازي، والثانية بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، إذ أدت العقوبات المفروضة على روسيا وروسيا البيضاء إلى تعطيل سلاسل توريد الأسمدة والطاقة عالميًا، ما ساهم في ارتفاع أسعار المواد الغذائية.
وقد أضافت جائحة كورونا نحو 15 نقطة مئوية إلى معدلات التضخم الغذائي، بينما أضافت الحرب في أوكرانيا 18 نقطة أخرى.

أسعار الأسمدة.. الأزمة مستمرة
أشار التقرير إلى أن أسعار الأسمدة، ولا سيما الأسمدة الفوسفاتية، لا تزال مرتفعة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، بسبب العقوبات والتوترات الجيوسياسية، وتركّز الإنتاج في عدد محدود من الدول (الصين، الهند، روسيا، المغرب، الولايات المتحدة).
كما ساهمت القيود التجارية، سواء على التصدير أو الاستيراد، في تضخيم الأسعار، وهي عوامل سبق أن لعبت دورًا في أزمات سابقة مثل 2007–2008 و2011–2012.
واختتم التقرير بتحذير من أن تركّز الأسواق الزراعية، سواء في الإنتاج أو التسويق، يمثل مشكلة هيكلية تعوق الكفاءة والعدالة في الوصول إلى الغذاء، في الدول منخفضة وعالية الدخل على حد سواء.





