العدّ التنازلي للمناخ.. هل إزالة الكربون الفرصة الضائعة لإفريقيا؟
من غابات الكونغو إلى تقنيات المستقبل.. هل تقود إفريقيا ثورة إزالة الكربون؟
من المتوقع أن تصل تركيزات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي إلى متوسط سنوي يبلغ نحو 426.6 جزء في المليون هذا العام، وهي مستويات يُرجّح أنها لم تُسجَّل منذ أكثر من مليوني إلى ثلاثة ملايين عام.
وبينما تظل الجهود المبذولة لخفض انبعاثات الكربون ذات أهمية قصوى حول العالم، فإن التعامل مع الكربون المتراكم بالفعل في الغلاف الجوي يُعد أمرًا حاسمًا لتحقيق أهداف المناخ العالمية.
وقد تقترب ذروة التركيزات الشهرية، خصوصًا تلك المتوقعة في شهر مايو، من 429.6 جزء في المليون، ما يعكس المسار التصاعدي المستمر.
وتشير التقديرات إلى أن هذا التركيز يمثل زيادة بنسبة 52% مقارنة بمستويات ما قبل الصناعة التي بلغت نحو 280 جزء في المليون، ويواصل الارتفاع بوتيرة ثابتة.
تشير الملاحظات الحديثة إلى أن معدل النمو السنوي لثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي تراوح بين 2.4 و2.5 جزء في المليون في السنوات الأخيرة، وهو ما يفوق المعدل المطلوب – والبالغ نحو 1.8 جزء في المليون سنويًا – للحد من الاحترار العالمي إلى 1.5 درجة مئوية، وفقًا لمكتب الأرصاد الجوية البريطاني والهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC).
وللبقاء ضمن هدف الـ1.5 درجة مئوية الذي حددته اتفاقية باريس، يتوجب أن تنخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية بنحو 50% بحلول عام 2030، وأن تصل إلى “الصفر الصافي” بحلول منتصف القرن، بالتزامن مع إبطاء تراكم الكربون في الغلاف الجوي.
ومع وصول الانبعاثات العالمية إلى نحو 36.8 مليار طن سنويًا، فإن وقف الانبعاثات وحده لا يكفي، ما يجعل إزالة ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي ضرورة لتقليل التراكم التاريخي وتخفيف آثار التغير المناخي المتفاقمة.

ما هي إزالة الكربون؟
تُعرف إزالة الكربون، أو إزالة ثاني أكسيد الكربون (CDR)، بأنها مجموعة من التقنيات تسحب ثاني أكسيد الكربون مباشرة من الغلاف الجوي وتقوم بتخزينه بأمان لعقود أو قرون.
على عكس تعويض الكربون، الذي يعوّض الانبعاثات في موقعٍ ما من خلال تخفيضات في موقع آخر، تُقلل تقنيات الإزالة من ثاني أكسيد الكربون فعليًا من الجو، ما يخلق فوائد مناخية طويلة الأمد بشرط أن يكون التخزين دائمًا.
ويُعد هذا الفرق جوهريًا لفهم الدور الفعلي لإزالة الكربون في أي استراتيجية مناخية شاملة.
ووفقًا لوكالة الطاقة الدولية، ساهمت إفريقيا بنحو 3.7% فقط من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية في عام 2022.
ورغم هذه النسبة المتواضعة، تُعد القارة من بين المناطق الأكثر عرضة لتأثيرات تغير المناخ.
هذا التفاوت، بين المسؤولية المحدودة والتأثر الكبير، يمنح إفريقيا موقعًا فريدًا في مفاوضات المناخ العالمية، وكذلك فرصة لتكون ساحة رئيسية لجهود إزالة الكربون.

إمكانات إفريقيا في مشهد إزالة الكربون
رغم الإمكانات الكبيرة، لا تزال إفريقيا بعيدة إلى حد كبير عن خارطة الاستثمار العالمي في إزالة الكربون.
لكن دولًا مثل كينيا تُقدم مؤشرات واعدة. فبفضل شبكة متنامية من الطاقة المتجددة وموارد وفيرة من الطاقة الحرارية الجوفية، تبدو كينيا في وضع جيد لاحتضان مشاريع تجريبية لاستخدام التكنولوجيا في إزالة الكربون.
ومع ذلك، تُثار مخاوف من أن تُستخدم هذه المبادرات كحجة لتأجيل خفض الانبعاثات أو أن تُهمّش المجتمعات المحلية إذا لم تُنفذ مع ضمانات واضحة للعدالة.
وقد شرعت كينيا في تنظيم أسواق الكربون من خلال تعديلات على قانون تغير المناخ.
وتُعد الهيئة الوطنية لإدارة البيئة هي الجهة الرسمية المخوّلة بالموافقة على مشاريع الكربون، وذلك من خلال إجراءات رسمية تشمل الحصول على خطاب “عدم ممانعة”، وتقديم وثائق تصميم المشروع، والحصول على موافقة الجهات المعنية قبل التنفيذ.
ويدعم هذا الإطار القانوني نظام وطني للقياس والإبلاغ والتحقق، لا يزال في طور تطوير القدرات، ورغم ذلك، يتماشى النظام مع معايير الشفافية التي نصت عليها اتفاقية باريس، ويتيح تبادل المعلومات محليًا ودوليًا.
ومن المتوقع أن يُمكّن المجلس الوطني لتغير المناخ من متابعة أداء الإجراءات المناخية وتقييم مدى تحقيقها للنتائج المرجوة.
ويمكن لهذه الهياكل المؤسسية أن تعزز من دور كينيا المحتمل في جهود إزالة الكربون، شريطة إعطاء الأولوية للفوائد المحلية والضمانات الاجتماعية.

الطبيعة مقابل التكنولوجيا
تلعب النظم البيئية الطبيعية دورًا رئيسيًا في احتجاز الكربون في إفريقيا، وتُعد غابة حوض الكونغو، وأشجار المانجروف الساحلية في كينيا، من بين أهم الموارد الحيوية في هذا السياق.
غير أن هذه النظم تتعرض لضغوط متزايدة بفعل إزالة الغابات، وتغير استخدامات الأراضي، والتوسع في البنية التحتية.
وبجانب الغابات، يُمثل احتجاز الكربون في التربة، من خلال الزراعة البيئية، فرصة مضاعفة: فهو يُعزز مرونة الزراعة ويزيد من تخزين الكربون.
وتُوفر الأراضي القاحلة وشبه القاحلة الشاسعة في كينيا بيئة خصبة لتطبيق هذه الممارسات، رغم تفاوت فعاليتها واستدامتها حسب المناطق.

على الجانب الآخر، يتسارع الاستثمار في تقنيات إزالة الكربون على المستوى العالمي. ففي عام 2023، بلغ حجم استثمارات رأس المال الجريء في شركات إزالة الكربون الناشئة نحو 1.25 مليار دولار أمريكي.
واستمر الزخم في 2024، إذ اجتذبت شركات التقاط الهواء المباشر (DAC) وحدها تمويلًا يُقدّر بنحو 400 مليون دولار (أي ما يعادل 51 مليار شلن كيني).
لكن هذه التقنيات لا تزال باهظة التكلفة، إذ تتراوح كلفة إزالة طن واحد من ثاني أكسيد الكربون عبر تقنية DAC بين 600 إلى 1000 دولار، رغم التوقعات بانخفاض الأسعار مستقبلًا مع التوسع في الإنتاج وتحقيق وفورات الحجم.
ورغم جاذبية الابتكارات التكنولوجية، تظل الحلول المستندة إلى الطبيعة الخيار الأكثر سهولة وفعالية من حيث التكلفة في إفريقيا.
وعلى سبيل المثال، تزيل مرافق إزالة الكربون المباشر (DAC) الحالية عالميًا ما بين 20,000 إلى 30,000 طن فقط سنويًا، فيما يُتوقع أن تزيل منشأة “ستراتوس” (STRATOS) – التابعة لشركة أوكسيدنتال بتروليوم في الولايات المتحدة – نحو 500,000 طن سنويًا بحلول عام 2025 أو 2026. لكن رغم هذه الطموحات، تبقى تلك الأرقام ضئيلة إذا ما قورنت بالإمكانات الكامنة في نظم بيئية سليمة.

أفريقيا بين الفرصة والتحذير
تمثل إزالة الكربون لإفريقيا فرصة استراتيجية وتحديًا في آنٍ واحد.
ويجب على القارة أن توائم بين جهود الإزالة وخفض الانبعاثات، مع بناء القدرات التقنية محليًا، ودمج قيادة المجتمعات في تصميم وتنفيذ المشاريع.
بهذه الطريقة، يمكن أن تُعيد الدول الإفريقية صياغة استراتيجيات إزالة الكربون بطريقة تخدم أولوياتها التنموية، وتُعزز قدرتها على التكيف مع تغير المناخ.





