الطلاب يقبلون الوجبات المدرسية الصديقة للمناخ عندما تكون شهية ومشبعة
تقليل اللحوم أفضل من منعها؟ دراسة تكشف الطريق الأكثر قبولًا للغذاء المدرسي المستدام
أكثر من 1200 طالب يشاركون في الدراسة.. تقليل اللحوم داخل الوجبات يحظى بقبول أكبر قليلًا من زيادة الأيام النباتية
قد يعرف الطلاب أن اللحوم الحمراء تترك بصمة كربونية أكبر من الأغذية النباتية، وقد يدركون أن تغيير عادات الطعام يمكن أن يساعد في الحد من التأثير المناخي، لكن عندما يحين وقت الغداء، تتقدم اعتبارات أخرى على المعرفة البيئية.
هذا ما خلصت إليه دراسة سويدية بحثت في مدى تقبل الأطفال والمراهقين للوجبات المدرسية المصممة لتقليل الانبعاثات الكربونية، وكشفت أن الطعم والشبع ومألوفية الطعام هي العوامل الأكثر تأثيرًا في اختيار الطلاب لما يأكلونه.
الدراسة، التي أجراها باحثون من جامعة جوتنبرج وجامعة تشالمرز للتكنولوجيا، شملت طلابًا تتراوح أعمارهم بين 10 و15 عامًا في مدارس حكومية بمدينة لوند جنوب السويد.
وتشير النتائج إلى أن تغيير الوجبات المدرسية لتصبح أكثر توافقًا مع أهداف المناخ قد يكون أكثر نجاحًا عندما يتم تعديل الوصفات التي يعرفها الطلاب ويحبونها بدلًا من الاعتماد فقط على زيادة عدد الأيام الخالية تمامًا من اللحوم.
الأطفال يعرفون التأثير المناخي للطعام
المفارقة الأساسية التي كشفتها الدراسة هي أن ضعف الحماس تجاه بعض الوجبات النباتية لم يكن سببه نقص المعرفة المناخية.
فالطلاب من مختلف مستويات التأييد للوجبات الصديقة للمناخ كانوا يدركون أن اللحوم الحمراء ترتبط ببصمة كربونية أكبر من الأغذية النباتية.
وكانت معرفة التأثير المناخي للحوم مرتبطة بدرجة أكبر من التأييد لتغيير الوجبات، لكن عوامل أخرى كانت أكثر أهمية عندما يتعلق الأمر بالطعام الذي سيضعه الطالب في طبقه.
وقالت مونيكا هونسبرجر، الأستاذة المشاركة في الصحة العامة بأكاديمية ساهلجرينسكا بجامعة جوتنبرج، إن الطلاب يدركون البصمة المناخية للأغذية، لكن عندما يحين وقت الغداء تصبح أمور أخرى أكثر أهمية، وعلى رأسها أن يكون الطعام لذيذًا ومشبعًا ومألوفًا لهم.

أكثر من 1200 طالب شاركوا في الدراسة
أجريت الدراسة خلال خريف عام 2021 بالتعاون مع ست مدارس حكومية في بلدية لوند.
وكان الغداء في المدارس يقدم في صورة بوفيه مجاني، يختار فيه الطلاب بين طبقين رئيسيين يوميًا، على أن يكون أحدهما نباتيًا دائمًا.
ومن بين 2118 طالبًا مسجلين في الصفوف من الرابع إلى التاسع، شارك 1331 طالبًا في الاستبيان، بينما قدم 1268 طالبًا إجابات مكتملة.
وعملت أربع مدارس على تطبيق قائمة طعام تستهدف خفض الانبعاثات المرتبطة بالوجبات بنحو 20%، من خلال تقليل استخدام المكونات ذات البصمة المناخية المرتفعة داخل الوصفات.
كما رفعت هذه المدارس عدد الأيام التي تقدم فيها وجبات نباتية بالكامل إلى ما يصل إلى ثلاثة أيام أسبوعيًا بدلًا من يوم أو يومين.
وفي مدرستين من المدارس الأربع، شاهد الطلاب أيضًا مقطع فيديو رسوم متحركة مدته ثلاث دقائق يشرح العلاقة بين الغذاء والمناخ، بينما واصلت المدرستان الأخريان تقديم قائمتهما المعتادة.
تقليل اللحوم داخل الوصفة أفضل قليلًا من زيادة الأيام النباتية
طلب الباحثون من الطلاب تقييم فكرتين على مقياس من صفر إلى أربعة: تقليل كمية اللحوم داخل الوصفات المعتادة، وزيادة عدد الأيام التي تقدم فيها وجبات نباتية بالكامل.
وحصلت فكرة تقليل اللحوم داخل الوصفات على متوسط تقييم بلغ 2.03، مقابل 1.87 لفكرة زيادة الأيام الخالية من اللحوم.
ورغم أن الفارق كان صغيرًا، فإنه كان ذا دلالة إحصائية في مجموعة الدراسة.
وكان أكثر من 40% من الطلاب محايدين تجاه هذه التغييرات، بينما انقسم باقي الطلاب تقريبًا بين مؤيد ومعارض، مع ميل بسيط نحو الجانب الأقل تأييدًا.
لماذا تبدو الوصفة المعدلة أكثر قبولًا؟
تكمن الإجابة في عامل بسيط: الطلاب لا يريدون بالضرورة الشعور بأن طعامهم المفضل قد اختفى.
فبدلًا من تقديم وجبة نباتية مختلفة تمامًا، يمكن للمطابخ المدرسية تقليل كمية اللحوم المستخدمة في وصفات مألوفة للطلاب، مع الحفاظ على الشكل والطعم العام للوجبة.
وأظهرت المناقشات التي أجراها الباحثون مع الطلاب أن بعضهم رأى أن تقليل اللحوم داخل الوصفة قد يؤدي إلى شكاوى أقل، لأن عددًا أقل من الطلاب قد يلاحظ التغيير.
وهذا يشير إلى أهمية تصميم الوجبات بطريقة تحقق هدفين في الوقت نفسه: خفض البصمة الكربونية دون تحويل الوجبة إلى تجربة يشعر معها الطالب بأنه محروم من الطعام الذي اعتاد عليه.

«أنا جائع.. لا أفكر في المناخ»
عندما سأل الباحثون الطلاب عن كيفية اختيارهم للطعام، ظهر بوضوح أن المعرفة المناخية تتراجع أمام الجوع والطعم.
وقال أحد الطلاب الأكبر سنًا إنه عندما يختار الطعام، يفكر في مدى جودته أكثر من تأثيره في المناخ، لأنه يكون جائعًا في ذلك الوقت.
وقال طالب أصغر سنًا إنه عندما يأخذ الطعام ويبدأ في تناوله، لا يفكر في تأثيره المناخي، لكنه قد يتذكر الموضوع عندما يُسأل عنه.
وتحدث الطلاب عن تفاصيل تبدو بسيطة، لكنها في الواقع حاسمة بالنسبة لقبول الوجبة: هل المعكرونة مطهية جيدًا؟ هل الحساء مشبع؟ هل يوجد خبز أو صلصة؟ وهل الطعام جاف أم لذيذ؟
ووصف بعض الطلاب تجاربهم مع أطعمة نباتية بطريقة تعكس أهمية الجودة الحسية للوجبة؛ إذ اشتكى أحدهم من أن الفلافل كانت قاسية ومفتتة، بينما وصف طالب آخر الكسكس بأنه جاف للغاية.
اللحوم ما زالت مرتبطة لدى بعض الطلاب بالشبع والبروتين
أظهرت المناقشات أيضًا أن اللحوم لا تزال تؤدي دورًا رمزيًا لدى بعض الطلاب في تعريفهم للوجبة «الكاملة» والمشبعة.
وربط بعض الطلاب بين اللحوم والبروتين، بينما أشار أحد الطلاب الأكبر سنًا إلى اعتقاد بعض زملائه بأن البروتين يأتي من اللحوم فقط.
لكن قبول الطعام النباتي كان أكبر عندما بدا مألوفًا، أو عندما قدم في صورة قريبة من الأطعمة التي اعتاد عليها الطلاب.
ومن بين الأمثلة التي حظيت بقبول أفضل: حساء البطاطس والكراث، والشنيتسل، وقطع الطعام المشابهة للناغتس، واللحم المفروم النباتي المستخدم في أطباق بطابع تكس-مكس.
الفكرة هنا ليست إقناع الطالب بأن الطعام الذي أمامه «صحي للكوكب» فقط، وإنما تقديم طعام يشبه ما اعتاد تناوله ويحقق توقعاته من حيث الطعم والشبع.

الفتيات أكثر دعمًا والطلاب الأكبر سنًا أقل حماسًا
أظهرت الدراسة فروقًا في المواقف بين الطلاب والطالبات.
فكان نحو ثلاثة أرباع الطلاب الأقل دعمًا للتغييرات من الذكور، بينما شكلت الفتيات نحو 70% من المجموعة الأكثر دعمًا.
كما كان الطلاب الأكبر سنًا أقل دعمًا للتغييرات مقارنة بالأصغر سنًا.
لكن الباحثين يؤكدون أن هذه النتائج توضح ارتباطات بين المتغيرات، ولا تثبت أن العمر أو العادات الغذائية تسبب مباشرة هذه المواقف.
المعرفة المناخية مهمة.. لكنها ليست كافية
تكشف الدراسة درسًا مهمًا في كيفية تصميم السياسات الغذائية المرتبطة بالمناخ.
فمجرد إخبار الأطفال بأن اللحوم الحمراء تضر بالمناخ بدرجة أكبر من الأغذية النباتية لا يعني بالضرورة أنهم سيختارون تلقائيًا الوجبة النباتية.
المعرفة يمكن أن تغير الاتجاه، لكنها لا تلغي الجوع أو الذوق أو العادات أو تأثير التجربة اليومية للطعام.
ولهذا يرى الباحثون أن إعادة صياغة الوصفات لتقليل المكونات ذات البصمة المناخية المرتفعة يمكن أن تكون أداة مكملة لزيادة الوجبات النباتية، خصوصًا إذا حافظت الوجبة على جاذبيتها بالنسبة للطلاب.
وقال إريك أندريه، أحد المشاركين في الدراسة، إن كثيرًا من المطابخ المدرسية تعمل بالفعل على تعديل الوصفات لتقليل كميات المكونات ذات البصمة المناخية المرتفعة، بالتوازي مع تقديم نسبة كبيرة من الأطباق النباتية.
وأشار إلى أن نتائج الدراسة تدعم استخدام تعديل الوصفات كنهج مكمل لخفض التأثير المناخي مع الحفاظ على تقبل الطلاب للطعام.
هل الوجبات الصديقة للمناخ تقلل هدر الطعام؟
هنا تترك الدراسة سؤالًا مهمًا بلا إجابة نهائية.
فالدراسة الحالية ركزت على مواقف الطلاب تجاه الوجبات، ولم تثبت أن تقليل اللحوم داخل الوصفات يؤدي بالضرورة إلى هدر غذائي أقل من تخصيص أيام كاملة للوجبات النباتية.
كما أن الاستبيان أُجري مرة واحدة قبل تغيير القوائم، ولذلك لا يمكن الجزم بأن تناول الطعام النباتي يجعل الطلاب أكثر دعمًا له، أو أن الطلاب الذين يحبونه أصلًا هم الذين يختارونه بكثرة.
أما المقابلات والمناقشات الجماعية، فقد أجريت بعد تطبيق التغييرات في وجبتين فقط من المدارس المشاركة.
كما أن نسبة كبيرة من أولياء أمور الطلاب المشاركين كانت حاصلة على تعليم يتجاوز المرحلة الثانوية، وهو عامل قد يحد من إمكانية تعميم النتائج على مدارس ذات خلفيات اجتماعية وتعليمية مختلفة.
تجربة مهمة للمدارس في مواجهة تغير المناخ
تقدم التجربة السويدية درسًا يتجاوز حدود المدارس الست المشاركة.
فمع اتجاه العديد من الدول إلى خفض البصمة الكربونية للنظم الغذائية، تصبح المدارس واحدة من أهم ساحات اختبار التغيير، لأنها تقدم الطعام لعدد كبير من الأطفال بصورة يومية، ويمكن لتغيير بسيط في مكونات الوجبات أن يتكرر آلاف المرات.
لكن نجاح هذه السياسات لا يتوقف على الحسابات المناخية وحدها.
فالوجبة المستدامة، لكي تصبح عادة مستدامة فعلًا، يجب أن تكون أيضًا لذيذة، مشبعة، مألوفة ومقبولة اجتماعيًا.
وهنا تكمن الرسالة الأهم للدراسة: إذا كان الهدف هو تغيير عادات الجيل الجديد الغذائية من أجل المناخ، فلا يكفي أن نشرح للأطفال لماذا يجب أن يأكلوا بطريقة أكثر استدامة؛ يجب أن نجعل الطعام المستدام هو أيضًا الطعام الذي يريدون تناوله.





