أخبارالاقتصاد الأخضرالطاقة

لماذا قد تفشل الطاقة المتجددة في خفض الانبعاثات؟.. الإجابة في «متى وأين»

ليس المهم إنتاج الطاقة النظيفة فقط.. بل أي محطة تحل محلها

لا تحقق كل وحدة من الطاقة المتجددة الفائدة البيئية نفسها، حتى لو كانت كمية الكهرباء المنتجة متساوية، إذ يعتمد تأثيرها الحقيقي في المناخ وجودة الهواء بصورة كبيرة على المكان والوقت والمحطة التي تحل محلها.

وتشير دراسة جديدة من جامعة كولورادو بولدر إلى أن إنتاج ميجاوات/ساعة إضافية من طاقة الرياح أو الطاقة الشمسية لا يعني بالضرورة خفضًا مماثلًا في انبعاثات غازات الدفيئة أو ملوثات الهواء.

فالطاقة المتجددة تحقق أكبر فائدة عندما تدفع محطة أكثر تلويثًا، مثل محطة تعمل بالفحم، إلى التوقف أو تقليل إنتاجها.

أما إذا جاءت الكهرباء المتجددة في وقت تكون فيه الشبكة مشبعة أصلًا بمصادر نظيفة، فقد تنافس مصدرًا نظيفًا آخر بدلًا من إزاحة الوقود الأحفوري، ما يقلل الفائدة البيئية الإضافية للمشروع.

ميجاوات واحدة.. لكن تأثيران مختلفان

على الورق، تبدو وحدة الكهرباء متساوية بغض النظر عن مصدرها، لكن الباحثين يوضحون أن القيمة البيئية للميجاوات/ساعة ليست ثابتة.

فإذا أنتج توربين رياح كهرباء في وقت تكون فيه شبكة الكهرباء بحاجة إلى تقليل إنتاج محطة فحم، فإن هذه الكهرباء المتجددة يمكن أن تؤدي إلى خفض فعلي في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وملوثات الهواء.

أما إذا أنتج التوربين الكهرباء في وقت تكون فيه الشبكة تعتمد بالفعل بصورة كبيرة على الطاقة الشمسية أو مصادر متجددة أخرى، فقد لا يتم إيقاف محطة تعمل بالوقود الأحفوري.

وفي هذه الحالة، قد تؤدي الزيادة في إنتاج الطاقة المتجددة إلى تقليص إنتاج مصدر متجدد آخر بدلًا من تقليل استهلاك الوقود الأحفوري.

ولتوضيح الفكرة، يشبه الباحثون الأمر باستخدام سيارة مشتركة؛ إذ يكون إخراج سيارة من طريق مزدحم خلال ساعة الذروة أكثر فائدة بكثير من إخراجها من طريق فارغ في الثالثة صباحًا.

لماذا قد تفشل الطاقة المتجددة في خفض الانبعاثات

توقيت إنتاج الكهرباء يصنع الفارق

أظهرت الدراسة أن وقت إنتاج الكهرباء المتجددة يؤثر بصورة كبيرة في نوع مصدر الطاقة الذي يمكن أن تحل محله.

فعند إنتاج الكهرباء خلال ساعات الليل، ترتفع احتمالات أن تحل طاقة الرياح محل الكهرباء المنتجة من محطات الفحم في بعض المناطق.

أما خلال ساعات منتصف النهار، فقد تتنافس الطاقة المتجددة بصورة أكبر مع محطات الغاز أو مع مصادر متجددة أخرى، خاصة في المناطق التي تمتلك بالفعل قدرات كبيرة من الطاقة الشمسية.

وهذا يعني أن إضافة المزيد من الطاقة النظيفة إلى الشبكة لا تؤدي بالضرورة إلى النتيجة المناخية نفسها في كل ساعة من اليوم.

الموقع الجغرافي لا يقل أهمية

لا يتوقف الأمر على توقيت إنتاج الكهرباء، فالموقع الجغرافي لمحطة الطاقة المتجددة يمكن أن يغير تأثيرها البيئي بصورة كبيرة.

ففي منطقة الغرب الأوسط الأعلى في الولايات المتحدة، حيث تعتمد بعض المناطق بصورة كبيرة على محطات الفحم، يمكن لطاقة الرياح الجديدة أن تحل محل إنتاج محطات أكثر تلويثًا، ما يحقق خفضًا حقيقيًا في الانبعاثات ويحسن جودة الهواء بالقرب من التجمعات السكانية.

أما في كاليفورنيا، حيث تمتلك الشبكة بالفعل كميات كبيرة من الطاقة الشمسية والمتجددة، فقد تكون الإضافة الجديدة من الرياح أو الطاقة الشمسية أقل تأثيرًا في خفض الوقود الأحفوري.

وفي بعض الحالات، قد يؤدي إنتاج الرياح في منتصف اليوم المشمس إلى منافسة الطاقة الشمسية الموجودة بالفعل، بدلًا من إزاحة محطة تعمل بالغاز أو الفحم.

الطاقة الشمسية
الطاقة الشمسية

عندما تنافس الطاقة النظيفة بعضها

تمثل هذه الظاهرة تحديًا مهمًا أمام سياسات التوسع في الطاقة المتجددة.

فإذا كانت شبكة الكهرباء تحتوي بالفعل على كمية كبيرة من الطاقة الشمسية خلال ساعات النهار، فإن إضافة المزيد من الكهرباء في التوقيت نفسه قد يؤدي إلى خفض إنتاج بعض محطات الطاقة الشمسية القائمة، بدلًا من خفض إنتاج محطات الوقود الأحفوري.

وتعرف هذه العملية باسم خفض أو تقليص إنتاج الطاقة المتجددة (Curtailment)، وبالتالي، فإن مجرد إضافة المزيد من قدرات التوليد المتجدد لا يضمن تحقيق أكبر خفض ممكن في الانبعاثات.

ويرى الباحثون أن الهدف يجب أن يكون توجيه الاستثمارات الجديدة إلى الأماكن والأوقات التي تستطيع فيها الطاقة النظيفة إزاحة أكثر مصادر الكهرباء تلويثًا.

سياسات الطاقة تتعامل مع الكهرباء كأنها متساوية

تنتقد الدراسة الطريقة التي تتعامل بها كثير من السياسات الحالية مع الطاقة المتجددة باعتبار أن كل ميجاوات/ساعة من الكهرباء النظيفة تحمل القيمة البيئية نفسها.

فعلى سبيل المثال، تقدم بعض برامج دعم الطاقة المتجددة حوافز ثابتة لكل ميجاوات/ساعة من الكهرباء المنتجة من الرياح أو الطاقة الشمسية، دون النظر بدرجة كافية إلى وقت إنتاجها أو موقع المشروع.

كما تفرض بعض معايير محافظ الطاقة المتجددة نسبًا محددة من الكهرباء التي يجب أن تأتي من مصادر متجددة، دون إعطاء وزن كافٍ لحجم الانبعاثات التي يجري تجنبها بالفعل.

وينطبق الأمر كذلك على شهادات الطاقة المتجددة (RECs)، التي تعتمد في كثير من البرامج على كمية الكهرباء المنتجة أكثر من اعتمادها على القيمة البيئية الفعلية لكل وحدة من الطاقة.

وترى الدراسة أن هذا النهج يفترض ضمنيًا أن كل ميجاوات/ساعة من الطاقة المتجددة متساوية في فائدتها البيئية، وهو افتراض لا يصمد عند تحليل تفاصيل تشغيل شبكات الكهرباء.

الطاقة المتجددة
الطاقة المتجددة

الحاجة إلى بيانات لحظية

تقترح الدراسة أن الخطوة الأولى لتحسين سياسات الطاقة تتمثل في القدرة على معرفة أي محطة كهرباء يجري إزاحتها في كل لحظة.

ويحتاج صانعو السياسات ومشغلو شبكات الكهرباء إلى بيانات شبه فورية توضح الانبعاثات الهامشية للشبكة، أي كمية الانبعاثات التي يمكن تجنبها عند إضافة وحدة جديدة من الكهرباء النظيفة في موقع ووقت محددين.

ويشير الباحثون إلى أن البنية التحتية اللازمة لمثل هذه البيانات بدأت بالفعل في الظهور.

فقد بدأت بعض مشغلي شبكات الكهرباء في منطقة الغرب الأوسط الأعلى بالولايات المتحدة في اختبار لوحات معلومات تتابع الانبعاثات الهامشية المحلية، باستخدام إطار مشابه للأنظمة المستخدمة في متابعة الأسعار الهامشية للكهرباء.

من دعم «الكمية» إلى دعم «الأثر»

يرى الباحثون أن الخطوة التالية يجب أن تكون دمج هذه البيانات في أدوات وسياسات دعم الطاقة.

فمحطة رياح تنتج الكهرباء نفسها قد تحصل على الدعم ذاته سواء كانت تحل محل محطة فحم عمرها 40 عامًا أو تؤدي فقط إلى تقليص إنتاج محطة شمسية مجاورة.

لكن الأثر البيئي في الحالتين مختلف تمامًا.

ولهذا، يمكن أن تتجه سياسات الطاقة المستقبلية إلى تقييم المشروعات ليس فقط وفق كمية الكهرباء النظيفة التي تنتجها، وإنما وفق حجم الانبعاثات التي تمنعها فعليًا.

وقد يعني ذلك إعادة تصميم الحوافز لتشجيع مشروعات الطاقة المتجددة في الأماكن والأوقات التي تحقق فيها أكبر قيمة بيئية.

ألواح شمسية وتوربينات رياح في أحد الحقول الأفريقية
الطاقة المتجددة

الطاقة النظيفة تحتاج إلى «توقيت ذكي»

تخلص الدراسة إلى أن مستقبل التحول إلى الطاقة النظيفة لا يعتمد فقط على زيادة عدد توربينات الرياح والألواح الشمسية، وإنما على كيفية دمج هذه المصادر داخل شبكة الكهرباء.

فطاقة الرياح التي تنتج كهرباء في منطقة تعتمد على الفحم قد تحقق فائدة مناخية وصحية كبيرة، بينما قد تكون طاقة متجددة تنتج في منطقة مزدحمة بالفعل بمصادر نظيفة أقل تأثيرًا في خفض الانبعاثات.

وبالتالي، فإن السؤال لم يعد فقط: كم ميجاوات من الطاقة المتجددة أضفنا؟

بل أصبح أيضًا: أين ومتى أنتجنا هذه الكهرباء، وأي محطة أوقفناها بسببها؟

وهذا التحول في طريقة قياس قيمة الطاقة النظيفة يمكن أن يساعد الحكومات وشركات الكهرباء على توجيه الاستثمارات نحو المشروعات القادرة على تحقيق أكبر خفض ممكن في الانبعاثات وتحسين جودة الهواء.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة