الصمت المناخي يهدد العالم.. دعوات للشركات لكسر «التعتيم الأخضر»
التعتيم الأخضر.. شركات تخشى الحديث عن المناخ وسط تصاعد الضغوط السياسية
تشهد أزمة المناخ العالمية مرحلة شديدة الخطورة، مع تصاعد موجات الطقس المتطرف في أوروبا وأمريكا الشمالية وآسيا، وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، إلا أن المفارقة تتمثل في أن تصاعد هذه الأزمات لا يواكبه ارتفاع مماثل في النقاش العام حول تغير المناخ وأسبابه.
وتطرح هذه المفارقة سؤالًا مهمًا: هل سيكون عام 2026 هو العام الذي ينظر إليه المؤرخون لاحقًا باعتباره اللحظة التي بدأت فيها حالة الطوارئ المناخية الحقيقية؟
شهد العالم خلال السنوات الأخيرة أزمات مناخية متلاحقة مع ارتفاع درجات الحرارة العالمية، لكن موجات الطقس المتطرف الممتدة التي ضربت مناطق واسعة من أوروبا وأمريكا الشمالية وآسيا جعلت عام 2026 يبدو مختلفًا.
ومع ذلك، قد يثير ما ستكشفه السجلات التاريخية المستقبلية حيرة كبيرة: لماذا لم يرتفع النقاش العام حول تغير المناخ باعتباره أحد الأسباب الرئيسية وراء هذه الظواهر المتطرفة؟ بل إن الصمت، على الأقل في المملكة المتحدة، أصبح أكثر وضوحًا.
تراجع التغطية الإعلامية للمناخ
بين عامي 2021 و2025، تراجعت التغطية الإعلامية لقضايا المناخ بنسبة 38%.
وفي يونيو 2026، سجلت المملكة المتحدة أكثر أشهر يونيو حرارة على الإطلاق في ذلك الوقت، لكن أكثر من 70% من التغطية الإعلامية لم تشر إلى تغير المناخ من الأساس.
كما لم تحظَ سياسات الوصول إلى صافي الانبعاثات الصفرية، التي صُممت للتعامل مع الأزمة، إلا باهتمام محدود، باستثناء بعض وسائل الإعلام التي تبنت خطابًا مضللًا بشأنها.
وفي الوقت الذي بدأت فيه حتى بعض المنابر الإعلامية المناهضة بشدة لقضايا المناخ في الاعتراف بحقيقة تغير المناخ، ظهرت في المقابل تقارير عديدة عن موجات الحر وحرائق الغابات من دون التطرق إلى السبب الجذري وراء تفاقمها.
فما الذي يقف وراء هذا الصمت الجماعي؟

الناس لا يرفضون الحديث عن المناخ
أحد الأسباب يتمثل في الاعتقاد الشائع بأن الناس لا يرغبون في سماع أخبار تغير المناخ.
صحيح أن الجمهور قد يفقد اهتمامه عند سماع مصطلحات معقدة مثل «الحدود الكوكبية» أو «التحول إلى الطاقة النظيفة»، لكن أبحاثًا أجرتها Potential Energy Coalition تشير إلى أن قضية المناخ تحظى باهتمام الناس عندما ترتبط مباشرة بما يهمهم في حياتهم اليومية، مثل صحة أطفالهم، وتكلفة التأمين على منازلهم، وأسعار الغذاء.
وهذا الاهتمام يظهر أيضًا في الإقبال المتزايد على فعاليات أسبوع المناخ في نيويورك، الذي تنظمه Climate Group في سبتمبر من كل عام.
وتشير البيانات إلى ارتفاع معدلات التسجيل والفعاليات مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهو ما يعكس رغبة الناس في التواصل والعمل لمواجهة عالم يشهد أزمات مناخية متزايدة.
تسييس أزمة المناخ
سبب آخر واضح لهذا الصمت يتمثل في تحول قضية المناخ مرة أخرى إلى موضوع شديد التسييس.
فخلال العقود الماضية، كانت قضية المناخ مسألة سياسية بدرجة كبيرة في الولايات المتحدة، حتى قبل وصول الرئيس دونالد ترامب، الذي أعلن دعمه لصناعة النفط والغاز، وعارض طاقة الرياح، واتخذ خطوات للحد من استخدام كلمة «المناخ» في الوثائق الفيدرالية.
وكانت المملكة المتحدة قد تجنبت إلى حد كبير هذا النوع من الاستقطاب السياسي، بعدما أقر البرلمان قانون تغير المناخ عام 2008 بدعم من مختلف الأحزاب.
كما دعمت حكومات المحافظين المتعاقبة، حتى عهد بوريس جونسون، عددًا من السياسات الخضراء، خصوصًا تلك التي حظيت بتأييد قطاع الأعمال البريطاني، مثل دعم سياسات السيارات الكهربائية.
لكن صعود الشعبوية وانتشار خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي سمحا بانتشار خطاب مناهض للعلم.
وأصبحت المملكة المتحدة تتأثر بشكل متزايد بالمشاعر المناهضة للعمل المناخي التي تصاعدت في الولايات المتحدة، في ظل الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام اليمينية في تغذية المعلومات المضللة ونشرها.
هل التحول الأخضر مكلف فعلًا؟
يرتكز أحد أكثر الهجمات السياسية استمرارًا على العمل المناخي على القول إن التحول الأخضر مكلف للغاية ويفرض أعباء كبيرة على الأسر العادية.
وفي المملكة المتحدة، يدعو حزب الإصلاح إلى إلغاء أهداف صافي الانبعاثات الصفرية وإلغاء الوزارة الحكومية المسؤولة عنها، بينما وصفت زعيمة حزب المحافظين، كيمي بادنوك، هدف الوصول إلى صافي الانبعاثات الصفرية بحلول عام 2050 بأنه «مستحيل»، وتعهدت بإلغاء قانون تغير المناخ.
لكن الأرقام الاقتصادية تحكي قصة مختلفة.

فموجات الحر التي ضربت أوروبا خلال صيف 2026 يُتوقع أن تكلف الاتحاد الأوروبي نحو 180 مليار يورو، بينما يُتوقع أن تتفاقم هذه التكاليف مع احتمالات أن يكون عام 2027 أكثر سوءًا نتيجة ظاهرة النينيو القوية التي تتشكل حاليًا.
وفي المقابل، فإن الحل المناخي، المتمثل في الوصول إلى صافي الانبعاثات الصفرية، يحقق عوائد اقتصادية للمملكة المتحدة.
ويولد اقتصاد الطاقة النظيفة في بريطانيا نحو 105 مليارات جنيه إسترليني سنويًا من القيمة المضافة الإجمالية، ويدعم أكثر من مليون وظيفة، كما جذب أكثر من 100 مليار جنيه إسترليني من الاستثمارات الخاصة منذ عام 2024.
لكن هذه الحقائق لا تحظى بالانتشار نفسه في وسائل الإعلام أو على منصات التواصل الاجتماعي.
الصمت له تكلفة
الصمت بشأن تغير المناخ ليس موقفًا محايدًا.
فهو يؤدي إلى تقاعس، ويؤدي التقاعس بدوره إلى إبطاء التحول المطلوب وزيادة حجم الألم والمعاناة.
كما أن الأشخاص الذين يهتمون بشدة بالمناخ قد يبدأون في الاعتقاد بأنهم وحدهم الذين يهتمون بهذه القضية، وهو ما يضعف الزخم الضروري للتحرك.
والصمت يترك مساحة فارغة سيملؤها شخص آخر، وغالبًا ما يكون ذلك عبر إنكار تغير المناخ أو تشتيت الانتباه أو نشر المعلومات المضللة.
ولا يمكن للعالم أن يسمح بخسارة هذه المساحة.

«التعتيم الأخضر» داخل الشركات
لا يقتصر الصمت المناخي على وسائل الإعلام والسياسة، بل يمتد إلى قطاع الأعمال أيضًا.
ويُطلق على ذلك اسم «التعتيم الأخضر» أو Greenhushing، وهو توجه تتجنب خلاله الشركات الإعلان عن أهدافها أو إجراءاتها المتعلقة بالمناخ، خوفًا من ردود الفعل السياسية أو التدقيق العام في حال فشلها في تحقيق أهدافها.
وقد تقول بعض الشركات إن الاستمرار في تنفيذ الإجراءات المناخية دون الحديث عنها أمر كافٍ.
لكن هذا صحيح إلى حد معين فقط.
فعندما تختفي حالة الإلحاح المرتبطة بالمناخ، تصبح البرامج المناخية مجرد خيار آخر أمام الشركات، ويمكن أن تتراجع أمام مشاريع أخرى تحقق عائدًا أسرع أو أعلى على الاستثمار في المدى القصير.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
فالعمل المناخي يحتاج إلى التزام طويل الأمد، والاستثمارات المطلوبة للتحول لا يمكن تقييمها فقط وفقًا للعائد المالي الفوري.
الناس يريدون التحرك
تظهر الأدلة أن الناس لا يرفضون العمل المناخي كما يُفترض أحيانًا، بل إنهم يرون آثار تغير المناخ بأعينهم.
فهم يشاهدون موجات الحر، وحرائق الغابات، والفيضانات، والاضطرابات التي تصيب حياتهم اليومية، ويشعرون بتأثيرها على أسعار الغذاء والتأمين والطاقة والصحة.
ولهذا فإن التحدي لا يتمثل فقط في إقناع الجمهور بوجود المشكلة، وإنما في ربط العمل المناخي بالقضايا التي تؤثر مباشرة في حياتهم.
وتحتاج المجتمعات إلى حلول جماعية للمشكلات الجماعية.
وهذا يتطلب عودة الأصوات القوية إلى الشركات ووسائل الإعلام، بدلًا من ترك المجال للخطابات التي تنكر المشكلة أو تقلل من خطورتها.

الشركات مطالبة بالشجاعة
يجب على الشركات أن تكون أكثر استعدادًا للحديث عن العمل المناخي، وليس فقط تنفيذه خلف الأبواب المغلقة.
فالقطاع الخاص يمتلك قدرة هائلة على تشكيل الأسواق، وتحريك الاستثمارات، وتسريع الابتكار، وخلق الوظائف، وتطوير التقنيات التي يمكن أن تساعد في خفض الانبعاثات.
كما أن الإعلان الواضح عن الأهداف المناخية، عندما يكون قائمًا على خطط واقعية وبيانات قابلة للقياس، يمكن أن يعزز المساءلة والثقة بدلًا من أن يمثل خطرًا على الشركات.
ولا يعني ذلك أن الشركات يجب أن تبالغ في إنجازاتها أو تقدم وعودًا لا تستطيع الوفاء بها.
على العكس، المطلوب هو مزيد من الشفافية، والحديث بوضوح عن ما تحقق وما لم يتحقق، وما الذي تحتاجه الشركات للوصول إلى أهدافها.
فالبديل عن «التعتيم الأخضر» ليس «الغسل الأخضر» أو المبالغة في الادعاءات البيئية، وإنما التواصل المناخي الصادق والمسؤول.
كسر دائرة الصمت
تواجه البشرية أزمة مناخية تتسارع آثارها، بينما تتراجع مساحة النقاش العام حول أسبابها وحلولها.
وهذه المفارقة لا يمكن أن تستمر.
إن موجات الحر والحرائق والفيضانات والأضرار الاقتصادية ليست أحداثًا منفصلة عن تغير المناخ، بل أصبحت جزءًا من واقع يتطلب استجابة سياسية واقتصادية ومجتمعية متسارعة.
والصمت لن يوقف الأزمة.
بل إن ترك المساحة فارغة سيمنح الفرصة للإنكار والتضليل، ويضعف قدرة المجتمعات على اتخاذ القرارات الضرورية.
لذلك، تحتاج الشركات ووسائل الإعلام وصناع القرار إلى استعادة أصواتهم والحديث بوضوح عن تغير المناخ، وعن تكاليف عدم التحرك، وكذلك عن الفرص الاقتصادية التي يوفرها التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون.
فالعمل المناخي لا يحتاج إلى مزيد من الصمت، وإنما إلى مزيد من الشجاعة والوضوح والمسؤولية.





