أخبارالاقتصاد الأخضرالطاقة

النفايات تهدد مستقبل الطاقة الشمسية.. الصناعة العالمية تبحث عن حلول لإعادة تدوير الألواح

200 مليون طن من نفايات الألواح الشمسية بحلول 2050.. الصناعة تبحث عن اقتصاد دائري

تواجه صناعة الطاقة الشمسية تحديًا بيئيًا متزايدًا مع الطفرة غير المسبوقة في تركيب الألواح الكهروضوئية حول العالم، إذ تبحث الصناعة عن حلول للتعامل مع كميات متزايدة من الألواح التي تصل إلى نهاية عمرها التشغيلي، في الوقت الذي تتجه فيه الحكومات والشركات إلى تطوير أنظمة لإعادة الاستخدام وإعادة التدوير واسترداد المواد الخام.

وبلغت القدرة العالمية للطاقة الشمسية الكهروضوئية نحو 2.4 تيراواط بنهاية عام 2025، وهي قدرة تكفي لتوفير الكهرباء لأكثر من مليار منزل، وفق بيانات القطاع. ويكشف هذا النمو المتسارع حجم التحول العالمي نحو الطاقة الشمسية؛ فبعد أن استغرق العالم قرابة 70 عامًا للوصول إلى أول تيراواط من القدرة الشمسية، احتاج إلى عامين فقط لإضافة التيراواط الثاني.

وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن تمثل الطاقة الشمسية نحو 80% من إجمالي 4600 جيجاواط من قدرات الطاقة المتجددة الجديدة التي ستدخل الخدمة عالميًا خلال الفترة بين 2025 و2030.

لكن هذا النجاح يطرح سؤالًا أكثر إلحاحًا: ماذا سيحدث لملايين الألواح الشمسية عندما تتعطل، أو تفقد جزءًا كبيرًا من كفاءتها، أو يجري استبدالها بتقنيات أحدث وأكثر إنتاجية؟

نفايات ضخمة ومكونات ذات قيمة

تحتوي الألواح الشمسية على مجموعة من المواد التي تتمتع بقيمة اقتصادية مرتفعة، مثل الفضة والسيليكون والنحاس والزجاج، لكنها تحتوي أيضًا على مواد يمكن أن تكون خطرة، مثل الرصاص والكادميوم.

وترى الوكالة الدولية للطاقة المتجددة «إيرينا» أن استرداد المعادن من الألواح الشمسية التي انتهى عمرها التشغيلي يمكن أن يولد نحو 6 مليارات دولار سنويًا بحلول عام 2040.

كما يمكن للمواد المستردة أن توفر نحو 70% من احتياجات صناعة الطاقة الشمسية من الفضة اللازمة لتلبية نمو قطاع الخلايا الكهروضوئية، إلى جانب نحو 20% من احتياجاتها من الألومنيوم والنحاس.

وتعمل بالفعل منشآت لمعالجة وإعادة تدوير الألواح الشمسية في عدد من الأسواق الكبرى، من بينها الاتحاد الأوروبي والصين والولايات المتحدة، لكن حجم النفايات الحالية لا يزال يمثل تحديًا اقتصاديًا وتقنيًا أمام توسع هذه الصناعة.

أوروبا تفرض إعادة التدوير

تعد إعادة تدوير الألواح الكهروضوئية إلزامية في الاتحاد الأوروبي، حيث تخضع منذ عام 2014 لتوجيه النفايات الكهربائية والإلكترونية، المعروف باسم WEEE.

ويستهدف النظام جمع 85% من الألواح التي وصلت إلى نهاية عمرها التشغيلي، وإعادة استخدام أو تدوير 80% منها، مع تمويل العملية من خلال ضمانات يدفعها المنتجون.

وتسعى أوروبا في الوقت نفسه إلى تطوير آليات أكثر تقدمًا لتقييم قابلية الألواح الشمسية لإعادة التدوير، ضمن استراتيجية تستهدف تحسين استرداد المواد الخام الحرجة من مخلفات القطاع.

وتبرز المشكلة الرئيسية في انخفاض كميات الألواح المتاحة لإعادة التدوير حاليًا، إلى جانب انتشارها الجغرافي الواسع بين دول الاتحاد الأوروبي، وهو ما يزيد تكاليف جمعها ونقلها ومعالجتها.

الصين تستعد لموجة ضخمة من المخلفات

في الصين، أكبر منتج لتكنولوجيا الطاقة الشمسية الكهروضوئية في العالم، بدأت الحكومة اتخاذ خطوات أكثر وضوحًا للتعامل مع الألواح التي تصل إلى نهاية عمرها التشغيلي.

وفرضت بكين في عام 2023 مسؤولية جمع ومعالجة الألواح المستهلكة على مالكي محطات الطاقة الشمسية، كما أطلقت العديد من الشركات الصينية مشروعات تجريبية لإعادة التدوير.

وتستهدف الصين إعادة تدوير وإعادة استخدام أكثر من 250 ألف طن متري من الألواح الشمسية المنتهية الصلاحية بحلول عام 2027، استعدادًا لموجة أكبر من عمليات تفكيك المحطات المتوقعة اعتبارًا من عام 2030.

وفي مارس الماضي، نشرت الحكومة الصينية إرشادات وطنية لتعزيز الاقتصاد الدائري في صناعة الألواح الشمسية، تضمنت الحد من النفايات من خلال التصميم والتصنيع الأخضر، وتشجيع تطوير تقنيات مبتكرة لإعادة التدوير وإعادة الاستخدام.

كما دخلت منشأة صينية لإعادة تدوير الألواح الشمسية، مملوكة لإحدى الشركات التابعة لشركة صينية حكومية، مرحلة التشغيل التجاري في مارس 2026، بطاقة تتجاوز 5 آلاف طن متري من الألواح المنتهية سنويًا، ونجحت بالفعل في إعادة نحو 120 طنًا من المواد المستردة إلى السوق.

200 مليون طن من النفايات بحلول 2050

تتوقع «إيرينا» ارتفاع حجم النفايات العالمية الناتجة عن قطاع الطاقة الشمسية من نحو 0.2 مليون طن في عام 2021 إلى 4 ملايين طن في 2030، ثم إلى ما يقرب من 50 مليون طن في 2040، قبل أن يتجاوز 200 مليون طن بحلول عام 2050.

وقالت أوتي كوليير، نائبة مدير مركز المعرفة والسياسات والتمويل في «إيرينا»، إن الطاقة الاستيعابية للمنشآت الحالية قد تكون كافية للتعامل مع تدفقات النفايات الحالية، لكن الوضع سيكون مختلفًا عندما تبدأ كميات كبيرة من الألواح الشمسية في الوصول إلى نهاية عمرها التشغيلي.

وتكمن المشكلة، بحسب كوليير، في أن الألواح التي يجري تفكيكها قد تكون موزعة جغرافيًا على مساحات واسعة، بينما تكون الكميات المتاحة في كل موقع محدودة، وهو ما قد يجعل القيمة السوقية للمواد المستردة غير كافية لتغطية تكاليف الجمع والمعالجة.

ولهذا بدأت عدة حكومات، من بينها الاتحاد الأوروبي والهند وكوريا الجنوبية وجنوب أفريقيا وسنغافورة وعدد من الولايات الأمريكية، في تطبيق سياسات المسؤولية الممتدة للمنتج لتحديد الجهة التي تتحمل تكاليف جمع الألواح ومعالجتها.

عمر أطول قد يعني نفايات أقل

لكن بعض العاملين في صناعة الطاقة الشمسية يشككون في تقديرات «إيرينا» بشأن حجم النفايات المستقبلية، مشيرين إلى أن الألواح الشمسية أصبحت أكثر قدرة على الاستمرار لفترات أطول من التوقعات السابقة.

وقال يان كلينكه، المدير الإداري لمنظمة PV CYCLE المتخصصة في جمع مخلفات الطاقة الشمسية وإعادة تدويرها، إن القطاع واجه في السابق توقعات بارتفاع كبير في كميات النفايات لم تتحقق بالسرعة التي كان متوقعًا لها.

ومنذ بدء عملياتها في عام 2010، جمعت PV CYCLE نحو 135 ألف طن متري من مخلفات الألواح الكهروضوئية، بما يعادل قرابة 2 جيجاواط من القدرة، مقارنة بنحو 450 جيجاواط من الطاقة الشمسية الكهروضوئية المركبة حاليًا في أوروبا.

وفي عام 2025، سجلت المنظمة أعلى كمية جمع سنوية، بلغت نحو 25 ألف طن متري، إلا أن هذه الكميات لا تزال منخفضة إلى درجة تجعلها أقل جاذبية اقتصاديًا بالنسبة لبعض شركات إعادة التدوير.

وتزداد صعوبة التنبؤ بحجم النفايات في الأنظمة الشمسية المنزلية تحديدًا، إذ يميل أصحاب المنازل إلى الاحتفاظ بالألواح طالما أنها لا تزال تنتج كمية كافية من الكهرباء لتلبية احتياجاتهم.

معضلة بين المتانة وقابلية التدوير

تدور داخل الصناعة حاليًا مناقشات واسعة حول كيفية تصميم الألواح الشمسية بحيث تصبح أكثر سهولة في إعادة التدوير.

ويعمل الاتحاد الأوروبي على تطوير نظام لتقييم قابلية الألواح الشمسية والعاكسات لإعادة التدوير، بهدف تحسين استرداد المواد الخام الحيوية والحرجة الموجودة في مخلفات هذه المنتجات.

لكن التصميم من أجل إعادة التدوير يصطدم بتحدٍ تقني أساسي؛ إذ تحتوي الألواح على مادة تغليف تعمل كلاصق يحافظ على الخلايا الشمسية ويحميها من الرطوبة والعوامل الجوية.

وقالت كريستينا هوبر، مستشارة السياسات العليا للاستدامة في منظمة «سولار باور يوروب»، إن هناك نقاشات بشأن جعل مادة التغليف أسهل في التفكيك، لكن الألواح مصممة في الوقت نفسه للعمل في الخارج لنحو 30 عامًا، ولذلك يجب تحقيق توازن بين قابلية إعادة التدوير والمتانة.

ويتفق هنري هيلسماير، المهندس الرئيسي المتخصص في الطاقة الشمسية لدى شركة «دي إن في»، مع هذا الرأي، معتبرًا أن إطالة عمر الألواح تمثل أحد أكبر الأدوات للحد من النفايات، لكن ذلك قد لا يكون متوافقًا دائمًا مع تصميم الألواح بحيث تصبح أكثر سهولة في إعادة التدوير.

الألواح قد تعمل 40 عامًا

يمكن من الناحية الفنية تصميم وحدات الطاقة الشمسية لتعمل لمدة تصل إلى 40 عامًا، بدلًا من العمر المتوقع حاليًا الذي يتراوح بين 25 و30 عامًا، وهو اتجاه بدأ يظهر بالفعل في بعض المشروعات واسعة النطاق.

لكن تحقيق ذلك يتطلب أن تعكس أسعار الألواح جودة تصنيعها وعمرها التشغيلي المتوقع.

وفي المقابل، قد لا تنتظر شركات الطاقة الكبرى وصول الألواح إلى نهاية عمرها الفني، إذ قد تختار إعادة تأهيل المحطات واستبدال الألواح القديمة بتقنيات أحدث وأكثر كفاءة، تسمح بإنتاج كمية أكبر من الكهرباء من المساحة نفسها.

وتغطي الضمانات المعتادة للألواح الشمسية فترة تتراوح بين 25 و30 عامًا، مع ضمان بقاء قدرتها الإنتاجية عند نحو 80% من مستواها الأصلي.

إعادة الاستخدام.. فرصة لم تُستغل بالكامل

لا تقتصر الخيارات أمام الألواح القديمة على إعادة التدوير، إذ ترى «إيرينا» أن إعادة الاستخدام تمثل فرصة كبيرة لم تستغل بعد.

فعدد من مكونات الألواح التي يجري تفكيكها يمكن إصلاحها أو تجديدها وإعادة استخدامها، لكن دخول هذه المنتجات إلى أسواق المستعمل يتطلب فحصًا واختبارات وشهادات جودة مناسبة.

وتحتاج الأسواق كذلك إلى منظومة قوية لضمان الجودة، حتى لا تتحول إعادة استخدام الألواح إلى مصدر لمخاطر تتعلق بالسلامة أو الأداء أو الضمانات.

وفي الوقت نفسه، تواجه الألواح المعاد استخدامها منافسة قوية من الوحدات الجديدة، التي أصبحت أكثر كفاءة وأقل تكلفة، ما يجعل سوق الألواح المستعملة سوقًا متخصصة ومحدودة نسبيًا.

نفايات الألواح الشمسية
من الطاقة النظيفة إلى النفايات.. صناعة الألواح الشمسية أمام اختبار الاستدامة

شركات تتسابق على تدوير الألواح

تعمل مجموعة من الشركات العالمية على تطوير تقنيات متقدمة لإعادة تدوير الألواح واستعادة المواد ذات القيمة العالية.

وطورت شركة SOLARCYCLE تقنيات لفك إطارات الألواح وفصل الزجاج في خمس منشآت داخل الولايات المتحدة، كما طورت أول وحدة شمسية مصنوعة من زجاج معاد تدويره بنسبة 50% من ألواح منتهية العمر.

وفي يناير، دخلت الشركة في شراكة مع ENGIE North America لإدراج بند لإعادة التدوير المسبق ضمن اتفاقيات شراء الكهرباء لأربعة مشروعات، بما يضمن إعادة تدوير نحو مليون لوح شمسي من مشروعات بقدرة إجمالية تبلغ 375 ميجاواط في منطقة الغرب الأوسط الأمريكي عند نهاية عمرها التشغيلي.

أما شركة ROSI Solar الفرنسية المتخصصة في التكنولوجيا النظيفة، فقد طورت عملية لاسترداد مواد خام استراتيجية عالية النقاء، تشمل السيليكون والفضة، إضافة إلى النحاس والألومنيوم والزجاج.

وفي أبريل، أعلنت الشركة حصولها على أكثر من 20 مليون يورو لتسريع تنفيذ مشروعاتها الصناعية، بما في ذلك أول خط إنتاج موحد بالكامل في إسبانيا.

وتقول شركة First Solar الأمريكية إنها الشركة الوحيدة بين مصنعي الطاقة الشمسية التي تمتلك قدرات عالمية داخلية لإعادة تدوير الألواح، مشيرة إلى أن تقنيتها تستعيد أكثر من 90% من مواد الوحدة، بما في ذلك أشباه الموصلات، لإعادة استخدامها في ألواح شمسية جديدة ومنتجات الزجاج والمطاط والألومنيوم.

نفايات الألواح الشمسية
من الألواح القديمة إلى مواد خام جديدة.. سباق عالمي لإعادة تدوير الطاقة الشمسية

هل تتحول نفايات الطاقة الشمسية إلى أزمة بيئية؟

رغم المخاوف المتزايدة بشأن حجم مخلفات الألواح الشمسية مستقبلًا، يرى بعض خبراء القطاع أن تصويرها باعتبارها كارثة بيئية وشيكة قد يكون مبالغًا فيه إذا ما قورنت بحجم النفايات الناتجة عن مصادر الطاقة التقليدية.

ويشير خبراء إلى أن التوسع في الطاقة الشمسية اللازم لتحقيق أهداف المناخ بحلول عام 2050 سيؤدي، في المقابل، إلى خفض كبير في النفايات المرتبطة بإنتاج الطاقة، مقارنة بما ينتج عن محطات الفحم، إضافة إلى أنواع أخرى من النفايات مثل البلاستيك والنفايات الإلكترونية.

لكن ذلك لا يعني تجاهل المخاطر أو تأجيل الاستعداد للمستقبل.

فمع استمرار النمو القياسي للطاقة الشمسية، ستزداد الحاجة إلى بنية تحتية متخصصة قادرة على جمع الألواح المنتهية ونقلها وإعادة استخدامها أو تدويرها بكفاءة، مع استرداد أكبر قدر ممكن من المواد الخام ذات القيمة.

وتبرز هنا أهمية تطوير تشريعات واضحة، وإنشاء مراكز إقليمية لإعادة التدوير، ووضع معايير موحدة لجودة الألواح المعاد استخدامها، إلى جانب تصميم منتجات جديدة تراعي دورة حياتها الكاملة منذ مرحلة التصنيع وحتى نهاية الاستخدام.

الاقتصاد الدائري.. الاختبار الجديد للطاقة الشمسية

يمثل صعود نفايات الألواح الشمسية اختبارًا جديدًا لصناعة طالما ارتبطت بصورة الطاقة النظيفة والمستدامة.

فالتحول إلى الطاقة الشمسية لا يكتمل بمجرد إنتاج الكهرباء من مصدر متجدد، وإنما يتطلب أيضًا إدارة دورة حياة المعدات التي تقوم بإنتاجها.

وإذا نجحت الصناعة في استرداد الفضة والسيليكون والنحاس والألومنيوم والزجاج وإعادة إدخالها في الاقتصاد، فقد تتحول نفايات الألواح من عبء بيئي إلى مصدر جديد للمواد الخام ومليارات الدولارات من القيمة الاقتصادية.

أما إذا تأخرت الاستثمارات والتشريعات عن مواكبة التوسع الهائل في تركيب الألواح، فقد تجد الصناعة نفسها أمام تدفق ضخم من المخلفات خلال العقود المقبلة.

نفايات الألواح الشمسية
6 مليارات دولار سنويًا.. نفايات الألواح الشمسية تتحول إلى ثروة في الاقتصاد الدائري

ولهذا، فإن التحدي الحقيقي أمام قطاع الطاقة الشمسية لم يعد فقط كيف ننتج مزيدًا من الكهرباء النظيفة؟، بل أيضًا كيف نضمن أن تظل هذه الطاقة نظيفة ومستدامة عندما تصل ألواحها إلى نهاية عمرها؟

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة