أخبارتغير المناخ

الاحتباس الحراري قد يمحو تأثير الرياح الموسمية الآسيوية على صيف المتوسط

من آسيا إلى المتوسط.. الاحتباس الحراري يهدد واحدة من أهم الوصلات المناخية

لعقود طويلة، عرف العلماء أن الرياح الموسمية الصيفية في آسيا لا تقتصر تأثيراتها على جنوب القارة، بل تمتد تداعياتها آلاف الكيلومترات لتؤثر في طقس منطقة البحر المتوسط.

لكن دراسة جديدة تشير إلى أن هذا الرابط المناخي البعيد بدأ يضعف مع ارتفاع حرارة الكوكب، في تحول قد يغير الطريقة التي يفهم بها العلماء أنماط الصيف في منطقة المتوسط، وكيفية التنبؤ بتقلبات الأمطار مستقبلًا.

ونُشرت الدراسة في دورية Nature Geoscience، وقاد الدراسة تيانجون تشو، من معهد فيزياء الغلاف الجوي التابع للأكاديمية الصينية للعلوم.

كيف تؤثر الرياح الموسمية الآسيوية في البحر المتوسط؟

يعتمد هذا الاتصال المناخي على آلية تعرف باسم «آلية الرياح الموسمية–الصحراء» (Monsoon–Desert mechanism).

فخلال الصيف، تؤدي الحملية الجوية القوية المرتبطة بالرياح الموسمية فوق جنوب آسيا إلى إطلاق كميات هائلة من الحرارة في الغلاف الجوي.

وتؤدي هذه الحرارة إلى تغيرات واسعة النطاق في دوران الغلاف الجوي، تدفع الهواء إلى الهبوط فوق منطقة البحر المتوسط.

والهواء الهابط يحد من تكوّن السحب ويقلل فرص هطول الأمطار، وهو أحد العوامل التي تساعد في تفسير المناخ الحار والجاف الذي يميز أجزاء واسعة من منطقة المتوسط خلال الصيف.

وبذلك، تبدو العلاقة بين جنوب آسيا والبحر المتوسط، رغم المسافة الهائلة بينهما، كأنها خيط جوي غير مرئي يربط بين نظامين مناخيين متباعدين.

وكانت دراسات سابقة قد أكدت أن التسخين الناتج عن الرياح الموسمية يساعد على دفع حركة الهواء الهابط فوق المتوسط، لكن السؤال الذي ظل مفتوحًا هو: هل سيبقى هذا الاتصال قائمًا مع استمرار ارتفاع حرارة الأرض؟

وتنتمي هذه العلاقة إلى ما يعرف في علم المناخ باسم «الاتصالات المناخية بعيدة المدى» (Teleconnections)، وهي روابط تربط بين تغيرات الغلاف الجوي في مناطق متباعدة من العالم، لكنها ليست بالضرورة ثابتة إلى الأبد.

ثلاثة أساليب لاختبار مستقبل العلاقة المناخية

استخدم الباحثون ثلاثة أساليب متكاملة لاختبار كيفية تغير هذه العلاقة في عالم أكثر دفئًا، فقد جمعوا بين بيانات الرصد الفعلية، وعشرات عمليات المحاكاة باستخدام نماذج مناخية، إضافة إلى تجارب عددية مثالية مصممة لعزل الآليات الجوية الأساسية.

وركزت الأساليب الثلاثة على تأثير سيناريو لارتفاع كبير في الانبعاثات ودرجات الحرارة، بهدف اختبار مستقبل العلاقة بين الرياح الموسمية الآسيوية ودوران الغلاف الجوي فوق البحر المتوسط.

وأظهرت النتائج نمطًا متسقًا بدرجة لافتة، ففي 97.5% من عمليات المحاكاة باستخدام نموذج CESM1، أصبح تأثير الرياح الموسمية في جنوب آسيا على دوران الغلاف الجوي فوق البحر المتوسط أضعف.

وتوضح معاملات الارتباط حجم التغير المتوقع؛ إذ يبلغ الارتباط حاليًا نحو 0.4 بين التسخين الناتج عن الرياح الموسمية وحركة الهواء الهابط في طبقات الغلاف الجوي المتوسطة فوق وسط وشرق البحر المتوسط.

لكن بحلول النصف الثاني من القرن الحالي، يتراجع هذا الارتباط إلى مستوى يقترب من الصفر.
وبعبارة أخرى، تشير النتائج إلى أن علاقة مناخية تساعد حاليًا في تفسير جانب من أنماط الطقس في البحر المتوسط قد تفقد معظم قوتها خلال العقود المقبلة.

لماذا يضعف الرابط بين آسيا والمتوسط؟

حدد الباحثون آليتين جويتين منفصلتين تساهمان في هذا التحول؛ الأولى تبدأ بعيدًا في جنوب آسيا، والثانية تحدث مباشرة فوق منطقة البحر المتوسط.

تغير الحمل الحراري فوق جنوب آسيا

مع ارتفاع درجات الحرارة، تتحرك الحملية الموسمية العميقة في جنوب آسيا إلى مستويات أعلى داخل طبقة التروبوسفير.

وفي عمليات المحاكاة باستخدام نموذج CESM1، ارتفع المستوى المعتاد للحمل الحراري من نحو 452 هكتوباسكال إلى 417 هكتوباسكال.

وأظهرت نماذج CMIP6 اتجاهًا مشابهًا نحو ارتفاع مستوى الحمل الحراري، ومع صعود الحمل الحراري إلى ارتفاعات أكبر، تنتشر الاستجابة الحرارية الناتجة عن تسخين الرياح الموسمية لمسافة أبعد باتجاه الغرب.

ويؤدي ذلك إلى تقليل الفارق في درجات الحرارة بين الشرق والغرب فوق منطقة البحر المتوسط.

ووفقًا لديناميكيات الغلاف الجوي، فإن انخفاض هذا التباين الحراري يعني ضعف الحركة الهابطة للهواء فوق المنطقة.

تغيرات محلية فوق البحر المتوسط

أما الآلية الثانية فتحدث فوق البحر المتوسط نفسه، إذ يضعف هبوط الهواء المرتبط بالرياح الموسمية بدرجة أكبر في طبقات الغلاف الجوي المتوسطة والعليا.

ومن خلال علاقة جوية تعرف باسم «توازن سفيردروب » (Sverdrup balance)، يؤدي ذلك أيضًا إلى إضعاف الرياح الشمالية في المستويات المتوسطة والمنخفضة من الغلاف الجوي.

وتؤدي الرياح الشمالية الأضعف بدورها إلى تقليل حركة الهواء الهابط، ما ينشئ حلقة تغذية راجعة محلية تعزز ضعف الرابط المناخي بين النظامين.

ماذا يعني ذلك لأمطار البحر المتوسط؟

لا تقتصر أهمية هذا التغير على حركة الغلاف الجوي، إذ يمكن أن تمتد آثاره إلى أنماط هطول الأمطار في منطقة المتوسط.

في الوقت الحالي، يرتبط التسخين الأقوى الناتج عن الرياح الموسمية بحركة هبوط أقوى للهواء، وهو ما يرتبط بدوره بتراجع الأمطار الصيفية فوق أجزاء من أراضي البحر المتوسط.

لكن مع ارتفاع درجات الحرارة مستقبلًا، يتوقع أن تضعف هذه العلاقة بدرجة كبيرة، وتشير الدراسة إلى أن نسبة التباين في هطول الأمطار التي يمكن للرياح الموسمية تفسيرها ستتراجع من نحو 14.2% حاليًا إلى 5.1% فقط.

وهذا يعني انخفاضًا واضحًا في قدرة قوة الرياح الموسمية الآسيوية على تفسير التقلبات السنوية في أمطار البحر المتوسط.

لكن الباحثين لا يقولون إن أمطار المتوسط ستصبح أكثر استقرارًا أو أسهل في التنبؤ.

المقصود تحديدًا هو أن الرياح الموسمية في جنوب آسيا ستفسر جزءًا أصغر بكثير من التقلبات السنوية في هطول الأمطار، بينما ستصبح عوامل مناخية أخرى أكثر أهمية في تفسير هذه التغيرات، من دون أن تحدد الدراسة على نحو قاطع ماهية جميع هذه العوامل.

الاحتباس الحراري لا يغير المتوسطات فقط

تسلط الدراسة الضوء على جانب أوسع من تأثير تغير المناخ؛ فالاحتباس الحراري لا يؤدي فقط إلى رفع متوسط درجات الحرارة أو تغيير متوسطات هطول الأمطار، وإنما يمكنه أيضًا إعادة تنظيم الروابط الديناميكية التي تربط مناطق بعيدة من النظام المناخي العالمي.

وقال تيانجون تشو إن الاحترار العالمي لا يغير فقط الحالة المتوسطة لدرجات الحرارة والأمطار، بل يمكنه أيضًا إعادة تنظيم الروابط الديناميكية بين أجزاء بعيدة من النظام المناخي.

وأضاف أن تغير العلاقة بين الرياح الموسمية والصحراء عبر أوراسيا يقدم منظورًا ديناميكيًا جديدًا لفهم كيفية تطور أنماط التباين المناخي واسعة النطاق والاتصالات المناخية بعيدة المدى في عالم أكثر دفئًا.

وأشار إلى أن التوقعات المستقبلية لأمطار الصيف في منطقة البحر المتوسط تحتاج إلى أخذ التغيرات في العوامل التي تتحكم في التباين السنوي للأمطار في الاعتبار.

من جانبه، أشار هانزهاو يو، المؤلف الرئيسي للدراسة، إلى أن الروابط الجوية التي تبدو مستقرة في الظروف المناخية الحالية قد لا تحافظ على قوتها مع استمرار الاحترار.

وقال إن فهم كيفية تغير هذه الاتصالات المناخية سيكون مهمًا لتوقع التباين المناخي الإقليمي مستقبلًا، خصوصًا في المناطق الأكثر تعرضًا لتغير المناخ، مثل منطقة البحر المتوسط.

وتشير النتائج في مجملها إلى أن استخدام العلاقات المناخية التاريخية وحدها لتفسير مستقبل المتوسط قد يصبح أكثر تعقيدًا؛ إذ إن الاحترار لا يغير الظروف المناخية فحسب، بل يمكن أن يعيد تشكيل الروابط التي كانت تساعد العلماء على تفسير تلك الظروف في المقام الأول.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة