شعوب شرق البحر المتوسط عرفت الحمية الغذائية الصحية قبل 4000 عام.. موقع “تل تويني” الأثري في سوريا يكشف التفاصيل
الناس في شرق البحر المتوسط كانوا يأكلون على الأرجح الحبوب الكاملة والعنب والزيتون مع كميات صغيرة من منتجات الألبان واللحوم، بشكل يشبه “حمية البحر الأبيض المتوسط” التي تُعد الآن واحدة من أهم الحميات الغذائية الصحية، وتفيد بشكل خاص مع مرضى القلب والسكري والسمنة.
كشف الباحثون، أن النظام الغذائي خلال العصر البرونزي الأوسط في تل تويني – شرق مدينة جبلة السورية- مماثلًا لما يُعتبر اليوم نظامًا غذائيًا متوسطيًا نموذجيًا يتضمن الخبز (القمح) والزيتون والبقول وربما بعض الجبن والحليب وكميات صغيرة من اللحوم.
وهذا يتفق مع الغالبية العظمى من الأدلة النظيرية من شرق البحر الأبيض المتوسط ويشير إلى حقيقة أن هذا “النظام الغذائي المتوسطي الحديث” كان يُمارس في المنطقة منذ العصر البرونزي على الأقل.
استخدم فريق بحثي دولي تحليلات النظائر للبقايا النباتية والحيوانية والبشرية من موقع أثري يسمى “تل تويني”، ويقع على بعد كيلومتر واحد شرق مدينة جبلة في سوريا لرسم خريطة لكيفية تدفق العناصر الغذائية عبر السلسلة الغذائية والأنظمة الزراعية على هذه الأرض مع مرور الوقت في العصر البرونزي الأوسط (بين عامي 2000 و1600 قبل الميلاد).
وجد أن البشر في العصر البرونزي الأوسط يستهلكون نظامًا غذائيًا بريًا متجانسًا يحتوي على الكربون 3 ولم يكن له مدخلات قابلة للقياس من الكربون 4 أو المياه العذبة أو مصادر البروتين البحرية.
وكان نظامهم الغذائي منخفضًا نسبيًا في البروتين الحيواني ويعتمد على القمح والبقول والزيتون وبدرجة أقل العنب، وهو مماثل للمواقع المتوسطية الأخرى في المنطقة الأوسع.

بقايا أغنام وماعز وأبقار
الدراسة تم نشرها في مجلة “بلوس وان” وعثر الفريق على بقايا أغنام وماعز وأبقار عاشت في تلك الفترة، مما يشير إلى أن هذه الحيوانات كانت تؤكل أحيانا وتُستخدم للحلب، مما يعني أن السكان المحليين كانوا على الأرجح يستهلكون بعض البروتين الحيواني أيضا.
ووجد الباحثون، أن جميع أنواع العنب الموجودة في تل تويني احتوت على مستويات عالية نسبيا من نظير الكربون المسمى “دلتا 13″، مما يشير إلى أن الثمار تلقت كمية كافية من الماء وتم الاعتناء بها جيدا، وهو ما يعني اهتمام الناس في تلك الفترة بوجبات غنية بالفواكه.
كما تم الإبلاغ عن أفراد لديهم قيم منخفضة لـ δ 15 N لسكان آخرين من العصر البرونزي في شرق البحر الأبيض المتوسط، في موقع صيدا في لبنان، تتراوح من 5.2‰ إلى 11.0، وفي مناطق اليونان في درس بيتروتسا ومانوليس وموقع أجيا تريادا، كان لدى البشر في العصر البرونزي الأوسط والمتأخر من يعمون، الأردن نتائج δ 15 N مماثلة أو أعلى قليلاً من تلك الخاصة بالأغنام/الماعز.
هذه النتائج حسب الباحثين تمثل استهلاكًا كبيرًا للبقوليات المستنفدة للنيتروجين 15 مما قلل من نتائج δ 15 N لدى البشر وأخفى الاستهلاك الحقيقي للبروتين الحيواني في السكان.
أخيرًا، وجد أن الحيوانات الأليفة والبرية تمثل مكونات ثانوية للأنظمة الغذائية البشرية في مواقع العصر البرونزي في أركونتيكو وتسالونيكي تومبا، اليونان، حيث تم تحديد محاصيل الحبوب على أنها المصادر الرئيسية للبروتين المستهلك.

حمية البحر الأبيض المتوسط
وتُعرف النسخة الحديثة من حمية البحر الأبيض المتوسط على أنها نظام غذائي يركز على الأطعمة النباتية والدهون الصحية، وتشمل الإكثار من الخضار والفواكه والفاصوليا والعدس والمكسرات، مع كمية جيدة من الحبوب الكاملة مثل الأرز البني، إلى جانب زيت الزيتون كمصدر للدهون الصحية.
وإلى جانب ذلك يتناول الشخص كمية جيدة من الأسماك الغنية عادة بأحماض أوميغا 3 الدهنية، مع كمية معتدلة من الجبن والزبادي الطبيعي، وكميات قليلة من اللحوم الحمراء، أو اختيار الدواجن أو الأسماك أو البقوليات عوضا عن اللحوم الحمراء.
وتتضمن الحمية كذلك تناول القليل جدا من الحلويات أو المشروبات السكرية أو الزبدة، أو عدم تناولها على الإطلاق.
وتعد تلك الحمية إلى الآن أحد أهم ترشيحات الأطباء لتحسين الصحة بشكل عام، وللمرضى بشكل خاص في حالات مثل الأمراض القلبية الوعائية والسكري من النوع الثاني والسمنة إلى جانب اضطرابات الأمعاء والالتهابات المزمنة.

النظام الغذائي والبروتينات النباتية
في تل تويني، استهلك البشر في العصر البرونزي الأوسط نظامًا غذائيًا أرضيًا حصريًا من C 3 خالٍ من كميات يمكن اكتشافها نظيريًا من C 4 أو بروتين المياه العذبة أو البحرية. ومن المثير للاهتمام أن هؤلاء الأفراد كانت لديهم نتائج منخفضة بشكل غير عادي لـ δ 15 N والتي كانت مماثلة أو مرتفعة قليلاً فقط مقارنة بالحيوانات الغذائية المنزلية (الأبقار والأغنام والماعز)، وحتى أقل من الكلاب من نفس الفترة.
يشير هذا إلى نظام غذائي يعتمد بشكل أساسي على النباتات ويركز على القمح والبقول والزيتون وبدرجة أقل العنب.
تتفق هذه النتائج النظيرية مع الاكتشافات الأثرية النباتية الرئيسية المستخرجة من المدافن (المحاصيل البقولية والزيتون والعنب والتين).
على وجه الخصوص، احتوى أحد هذه القبور على جرة بها قربان كبير من بذور البقول المر (~ 600 جرام)، مما يؤكد على أهمية معينة لمحصول البقول هذا في النظام الغذائي البشري، علاوة على ذلك، كشف حفر الأفران في تل تويني عن كميات كبيرة من بذور العنب وبذور الزيتون، وهو ما يشهد أيضًا على أهمية هذه الأطعمة في النظام الغذائي البشري.

كما يدعم النظام الغذائي الغني بالكربوهيدرات ارتفاع معدل تسوس الأسنان لدى هؤلاء الأفراد في العصر البرونزي الأوسط.
ومع ذلك، لم يكن هؤلاء الأفراد نباتيين، وكان النظام الغذائي بالتأكيد مكملًا باللحوم أو المنتجات الثانوية من الحيوانات الأليفة.
تشير البيانات التي تم جمعها عن عمر وفاة الأغنام والماعز أيضًا إلى استخدام المنتجات الثانوية (الحليب)، حيث توجد أبقار من فئات عمرية مختلفة، ولكن بناءً على وجود أسنان متهالكة بشدة، فإن غالبية الحيوانات كانت بالغة، وهذا يشير إلى أن الأبقار كانت تستخدم للحصول على الحليب وكذلك اللحوم بالإضافة إلى كونها حيوانات جر.
هناك نقصًا كبيرًا في استهلاك الأسماك في جميع أنحاء شرق البحر الأبيض المتوسط خلال هذه الفترات في السجل النظيري قد يعكس هذا نتيجة حقيقية أو مشكلة مفادها أن كمية استهلاك الأسماك كانت منخفضة جدًا





