أهم الموضوعاتأخبارتغير المناخ

الجفاف يهدد العالم.. أزمة صامتة تكلف الاقتصاد 307 مليارات دولار سنويًا

من القرن الإفريقي إلى إسبانيا.. خرائط الجفاف تكشف أخطر النقاط الساخنة على الكوكب

لم يعد الجفاف خطرًا بعيدًا، بل أزمة حاضرة تتفاقم بسرعة وتطال جميع القارات. من القرن الإفريقي إلى جنوب أوروبا، تتكرر صور الأرض المتشققة، والحقول الجرداء، والخزانات الفارغة، بينما تتزايد أعداد المتضررين عامًا بعد عام.

تشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن مساحة الأراضي المتأثرة بالجفاف تضاعفت منذ عام 1900، وهو ما يجعل هذه الظاهرة أكثر خطورة من أي وقت مضى.

ويصفها الدكتور مارك سفوبودا، مدير المركز الوطني للتخفيف من آثار الجفاف في الولايات المتحدة، بأنها “لم تعد تهديدًا بعيدًا، بل أزمة تتصاعد وتستدعي تعاونًا عالميًا عاجلًا”.

الجفاف

موجات جفاف غير مسبوقة

بين عامي 2023 و2025، شهد العالم بعضًا من أوسع وأشد موجات الجفاف في تاريخه الحديث.

ووفق تقرير اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (UNCCD)، فإن هناك نقاطًا ساخنة للجفاف، حيث تتداخل آثار تغير المناخ مع سوء إدارة الأراضي واستنزاف الموارد المائية، مما يخلق حلقة مفرغة تزيد من شدة الأزمة.

يعد القرن الإفريقي أبرز هذه المناطق، إذ شهدت إثيوبيا والصومال وكينيا خمسة مواسم متتالية من فشل الأمطار، ما تسبب في أسوأ جفاف منذ 70 عامًا بحلول يناير 2023.

في الصومال وحدها، قُدّر عدد الوفيات الزائدة في عام 2022 بنحو 43 ألف شخص، فيما نزح أكثر من مليون مواطن. وبحلول مطلع 2025، حذرت الأمم المتحدة من أن 4.4 مليون شخص – أي نحو ربع السكان – يواجهون مستويات “أزمة” من انعدام الأمن الغذائي.

الجفاف

تغيّر مناخي يزيد الأزمة

يؤكد تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أن “التغير المناخي بفعل الإنسان ساهم في زيادة موجات الجفاف الزراعي والبيئي في مناطق عدة نتيجة ارتفاع الطلب على التبخر الجوي”.

وأظهرت دراسة أن هذا العامل وحده زاد من حدة الجفاف عالميًا بنسبة 40% منذ عام 1901، محذرة من أن استمرار الانبعاثات بالمعدلات الحالية سيجعل هذه الأحداث أكثر تكرارًا وشدة.

التكلفة البشرية والاقتصادية

يتوقع المنتدى الاقتصادي العالمي أنه بحلول عام 2050، سيتسبب تغير المناخ في ضغوط هائلة على أنظمة الرعاية الصحية العالمية، تؤدي إلى 14.5 مليون وفاة وخسائر اقتصادية قدرها 12.5 تريليون دولار.

وستكون موجات الجفاف ثاني أكبر سبب للوفيات الناجمة عن الكوارث المناخية، بحصيلة متوقعة تبلغ 3.2 مليون وفاة.

ويعد سوء التغذية من أخطر النتائج الصحية المباشرة للجفاف، إذ تضطر العائلات إلى الاعتماد على أغذية فقيرة بالقيمة الغذائية، أو اللجوء إلى مصادر مياه غير آمنة، ما يؤدي إلى إصابات جماعية بالأمراض.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو مليون شخص يموتون سنويًا جراء الإسهال الناتج عن تلوث المياه وسوء الصرف الصحي وضعف ممارسات النظافة.

الأزمة لا تهدد الأفراد فقط، بل تضرب مؤسسات المجتمع وبنيته الأساسية. المستشفيات مثلًا قد تجد نفسها بلا مياه جارية، مما يعوق إجراءات النظافة الأساسية، ويعرض المرضى والعاملين للخطر.

كما أن التنافس على الموارد المائية يفاقم التوترات الاجتماعية ويؤثر سلبًا على الصحة النفسية، خاصة بين المزارعين الذين يفقدون مصادر رزقهم.

آثار بيئية طويلة الأمد

لا تنتهي آثار الجفاف بمجرد عودة الأمطار، إذ يترك ما يُعرف بـ “إرث الجفاف” أثرًا دائمًا على النظم البيئية، حيث يتسبب في موت الأشجار، وانخفاض الغطاء النباتي، وتغير المناخ الدقيق في الغابات، وتراجع التنوع البيولوجي.

كما يؤدي إلى تدهور قدرة التربة على الاحتفاظ بالرطوبة، وزيادة تركيز الملوثات في الأنهار، وتراجع الثروات الحيوانية والنباتية.

الجفاف

تهديد للأمن الغذائي العالمي

في الدول النامية، تمتص الزراعة نحو 80% من الأضرار المباشرة للجفاف، ما يعرض معيشة ربع القوى العاملة العالمية للخطر.

ومن أبرز الأمثلة الحديثة التي رصدها تقرير UNCCD

إفريقيا الشرقية والجنوبية: أكثر من 90 مليون شخص يواجهون الجوع الحاد.

– زيمبابوي: محصول الذرة لعام 2024 انخفض بنسبة 70%، وأسعار الذرة تضاعفت.

– الصومال: 4.4 مليون شخص يواجهون مستويات “أزمة” من انعدام الأمن الغذائي.

– إسبانيا: عامان من الجفاف وحرارة قياسية أديا إلى انخفاض محصول الزيتون بنسبة 50% بحلول سبتمبر 2023.

جنوب شرق آسيا: الجفاف عطل إنتاج وسلاسل إمداد محاصيل رئيسية مثل الأرز والبن والسكر.

على مستوى العالم: نحو 85.8% من نفوق الماشية مرتبط بالجفاف.

الجفاف

البنية التحتية والتجارة تحت الضغط

يعتمد المجتمع الحديث على بنية تحتية أساسية مثل أنظمة الطاقة والتجارة العالمية، وكلاهما معرض للانهيار بفعل الجفاف.
فقد خسر قطاع الطاقة الكهرومائية 28 مليار دولار بين 2003 و2020 نتيجة تراجع الإنتاج بسبب الجفاف.

وفي زامبيا، انخفض منسوب نهر الزمبيزي في أبريل 2024 إلى 20% من متوسطه طويل الأمد، ما أدى إلى تراجع إنتاج سد كاريبا إلى 7% فقط، وفرض انقطاعات كهرباء وصلت إلى 21 ساعة يوميًا، وأغلقت المستشفيات والمخابز والمصانع.

أما التجارة العالمية، فتعتمد على ممرات مائية رئيسية، وعندما تنخفض مستويات المياه بسبب الجفاف، فإن حركة البضائع تتعطل بشكل كبير، ما ينعكس على سلاسل الإمداد والاقتصاد العالمي.

ويُقدر الأثر الاقتصادي السنوي للجفاف عالميًا بنحو 307 مليارات دولار.

الجفاف

من الاستجابة إلى الوقاية

حاليًا، يتم إنفاق 88% من تمويل الكوارث المرتبطة بالطقس على الاستجابة الطارئة بعد وقوعها، بينما يذهب القليل للاستثمار في الوقاية.

ورغم أن المساعدات الإنسانية ضرورية لإنقاذ الأرواح، إلا أنها لا تقلل من هشاشة المناطق أمام الأزمات المقبلة.

الحل يكمن في الاستثمار المسبق في التكنولوجيا، والبنية التحتية، والسياسات المائية المستدامة، وأنظمة الإنذار المبكر، لضمان تأمين المياه، واستقرار إنتاج الغذاء، وحماية الاقتصادات قبل وقوع الكارثة.

التكنولوجيا في مواجهة الجفاف

نظرًا للطبيعة البطيئة لتطور الجفاف، غالبًا ما تمر آثاره دون ملاحظة حتى يصبح الأوان قد فات.

لكن أنظمة الإنذار المبكر (DEWS) تغيّر هذه المعادلة، إذ توفر بيانات دقيقة ومتكاملة عن أوضاع الجفاف، بالاعتماد على الأقمار الصناعية وأجهزة الاستشعار الأرضية ونماذج المناخ، وتحللها باستخدام الذكاء الاصطناعي لإرسال التحذيرات في الوقت المناسب.

كما يدعم المنتدى الاقتصادي العالمي، عبر منصة “أب لينك” UpLink، حلول الابتكار في مجال المياه، بالشراكة مع مجموعة HCL التي استثمرت 15 مليون دولار في بناء منظومة ابتكارية لدعم “رواد المياه” حول العالم.

الاعتماد على الطبيعة

ولكن ليس من الضروري أن تكون كل الأشياء ذات تقنية عالية.

يمكن أن تكون الحلول القائمة على الطبيعة فعّالة من حيث التكلفة ومستدامة.

ومن أكثرها فعاليةً التركيز على استعادة مستجمعات المياه، التي تُعدّ شبكات نقل للمياه .

ويمكن أن يتراوح هذا من إنشاء مناطق محمية إلى إزالة الحواجز التي تواجه مستجمعات المياه، مثل السدود أو السدود.

للطريقة التي نمارس بها الزراعة تأثيرٌ كبيرٌ على بناء القدرة على مواجهة الجفاف.

فممارسات الزراعة التجديدية، مثل غرس الأشجار، والزراعة الذكية مناخيًا، والنهج الزراعية الحرجية الرعوية (التي تجمع بين الأشجار والحيوانات الرعوية)، تُقلل من تآكل التربة، وتُعزز احتباس المياه، وتُحسّن جودة التربة.

الابتكار الزراعي

تساهم الزراعة الدقيقة والمحاصيل المقاومة للجفاف وأنظمة الري الذكية في تغيير طريقة تكيف المزارعين مع ندرة المياه.

وبما أن الممارسات الزراعية تستهلك 70% من المياه العذبة في العالم، فلا بد أن تكون أنظمتنا فعالة في استخدام هذا المورد الثمين.

ويستكشف تقرير المنتدى “تسخير التكنولوجيات الرقمية لإدارة المياه بشكل أكثر ذكاءً في الزراعة” كيف يمكن للتكنولوجيات الرقمية أن تعزز إدارة المياه الزراعية، من اختيار المحاصيل بكفاءة إلى توزيع مياه الأمطار بشكل فعال، كما يوضح الرسم البياني أدناه.

مستقبل آمن مائيًا

إن فشل المحاصيل الأخير والمجاعات اللاحقة في مختلف أنحاء العالم تشكل دليلاً كافياً على خطورة الوضع الذي نواجهه.

لكن لا يمكن لأي شركة أو حكومة بناء القدرة على مواجهة أزمة المياه بمفردها. فالطبيعة المترابطة لهذا التحدي تستدعي تنسيق الجهود بين الحكومات والمؤسسات والمجتمعات.

يلتزم المنتدى الاقتصادي العالمي بتعزيز التعاون اللازم لمعالجة هذه المخاطر النظامية.

ويمثل مركز الطبيعة والمناخ التابع للمنتدى منصةً أساسيةً لهذا العمل، إذ يجمع قادة من قطاع الأعمال والحكومات والمجتمع المدني.

ومن خلال تسريع العمل وحشد الاستثمارات في الحلول الموضحة في هذه المقالة، يعمل المركز على بناء الشراكات اللازمة لعالمٍ مرنٍ ينعم بالأمن المائي.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading