د.أحمد هاني: التوازن والخلل بين مكونات البيئة
أستاذ الحساسية والصدر وطب البيئة بالأكاديمية الطبية العسكرية

تتكون البيئة من ثلاثة أقسام هي المحيط الحيوي والمحيط التكنولوجي والمحيط الاجتماعي ولابد من وجود توازن داخل كل محيط علي حدة من ناحية وبين المحيطات الثلاثة من ناحية أخرى.
آليات التوازن داخل المحيط الحيوي:
يتكون المحيط الحيوي من الكائنات الحية، والأرض والتشكيلات الجغرافية المختلفة، والغلاف الجوي، و الغلاف المائي، وتحافظ سلاسل الغذاء علي بقاء الأنواع بكم معين حتي لا يطغي نوع علي الأخر، ويقوم الكساء النباتي وخاصة الغابات بإمتصاص ثاني أكسيد الكربون المتصاعد ويخرج الأكسجين يدلا منه في عميلة التمثيل الكلوروفيللي ويعيد إستخدام الكربون لبناء الغذاء الذي تستهلكه الحيوانات آكلة النباتات، وهي نفسها تكون غذاء للحيوانات أكلة اللحوم، وتلعب بكتريا التحلل دور أساسي في التخلص من جثث الحيوانات الميتة ويتصاعد ايضا غازات ثاني أكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين وتبقي المعادن في التربة تمتصها جذور النباتات.
وما سبق هو فكرة مبسطه عن علاقات التوازن داخل المحيط الحيوي
خلل التوازن داخل المحيط الحيوي:
المحيط الحيوي متوازن بطبيعته وقد يحدث خلل في التوازن بفعل العوامل الطبيعيه وخلل مؤقت بسبب البيات الشتوى لبعض المفترسات وهذا يتيح تكاثر للأنواع التي تتغذى عليها مثل البيات الشتوى للثعابين يتيح للفئران التكاثر حتى تكفي لإطعام الثعابين والبيات الشتوي للدببة يتيح للأسماك التكاثر وفقس بيضها كما أن هجرة الطيور تلعب دور هام في التوازن البيئي عندما تهاجر إلى مناطق تتكاثر فيها الحشرات والديدان التى تؤثر على نمو النباتات.
ولكن تحدث أحيانا كوارث بيئية تؤثر على بقاء نوع معين مثل البراكين التي تقضي على الحياة البرية في أماكن انفجارها أو حرائق الغابات التي تؤدى الي انتقال بعض الأنواع إلى مناطق جغرافية مجاورة.
إلا أن سرعان ما تعود الأمور لطبيعتها في عدة سنوات وتعيد التوازن البيئي من جديد لهذه المناطق.
ومؤخرا تدخل الإنسان والمنشئات العمرانية والحرق للوقود الأحفوري أدى إلى تغيرات مناخية وزيادة في درجة حرارة الجو بل وتغيير طبيعه البيئه في مكان المشاريع مما أدى لخلل في المجال الحيوي.
فثلا إقامة السدود قد تؤدى الي توفر المياه في مكان بينما أماكن أخري قد تجف و تتصحر و تفقد التنوع البيولوجي بها و التصحر في تلك المناطق يؤدي الي ضياع الكساء النباتي مثل ما يحدث في حوضى نهر دجلة و الفرات حاليا بفعل السدود المقامة في تركيا و مشاريع تحويل مجاري الأنهار في إيران و يؤدي الجفاف، و التصحر في تلك المناطق الي زيادة الفقر و الجوع و أمراض سوء التغذية و ضعف المناعة ويؤدى أيضا الى هجرة سكانية من الريف إلي الحضر وزيادة الضغط السكاني علي مناطق العمران ومرافقها وتواجد العشوائيات في المدن.
مما يؤثر علي إقليم الدولة ككل و هذا نوع من الحرب البيئية طويلة المدى وقد تحدث جروب بسبب مشاكل المياه في المستقبل القريب إذا إستمرت دول المنبع في تجاهل مصالح دول المصب وستؤدي هذه الحروب إلي تدهور بيئى في دول المنبع نفسها.
ومثال أخر لما يحدثه الإنسان ومشاريعه التى تقام دون دراسة جدوى بيئية في أمريكا الجنوبية حيث تعد غابات الأمازون بمثابة الرئة للأرض وتحافظ علي نسب الأكسجين في الغلاف الجوي.
في السنوات القليلة السابقة فقدت الأمازون الكثير من غاباتها الشجرية بفعل تحويل الأراضي للزراعة واستهلاك الخشب كوقود من السكان المحليين والمناطق المزروعة تمتص ثاني أكسيد كربون أقل بكثير من الغابات، وبعض الحيوانات تعيش في الغابات ولكنها لا تستطع العيش في الزراعات كما أن مشاريع الأخشاب لابد لها من حد أقصي في مناطق الغابات حتى يتم الإحلال.
ويؤدي فقد الغابات إلى استيطان بعض الحيوانات مناطق جديدة مهدده التوازن البيئي في تلك المناطق فمثلا الحشرات ناقلة الأمراض تستوطن مناطق جديدة، وتقوم بنقل أمراض ليست معروفة في تلك المناطق تؤثر مباشرة على الإنسان والحيوان وفقد الغذاء للمفترسات الكبيرة يؤدي إلي رحيل تلك المفترسات إلى مناطق العمران ومهاجمتها للإنسان والثروة الحيوانية.
وأكثر الأشياء التي أدت إلى الخلل البيئي هي مشكله تغير المناخ بسبب زيادة إنبعاث غازات الصوبة – Greenhouse Gases- أدت هذه الغازات إلي زيادة حرارة الكوكب بكونها تسمح بمرور أشعه الشمس إلى الأرض ولكنها تمنع تسرب الأشعة تحت الحمراء إلي الفضاء الخارجي، مما يؤدي الي ارتفاع حرارة الأرض تسبب هذا في التغير المناخي.
ويؤدي ذلك إلي التصحر و فقدان الغابات والجفاف و هجرة السكان و الأنواع الحيوانيه و يادة منسوب مياه المحيطات و البحار مما سيؤدى إلي إعادة تشكيل شكل الكوكب الجغرافي و الديموجرافي وقد يتسبب ذلك في مجتعات و مشاكل سياسية و أمنية عديدة.
ويعتمد توازن المحيط الحيوي بالدرجة الأولي في الحفاظ على الهرم الغذائي والعمل على بقاء الأنواع المهددة بالانقراض والحفاظ على الخصائص الطبيعية للهواء والماء والأرض والكساء النباتى والتنوع البيولوجى.
آليات التوازن داخل المحيط المصنوع أو المحيط التكنولوجي:
المحيط التكنولوجى يستخدم المصادر المتجددة وغير المتجددة ويضيف إليها القيمة المضافة لينتج السلع والخدمات وكلما كان إستخدام المحيط التكنولوجي للطاقة النظيفة والمتجددة كلما كان متوافقا مع المحيط الحيوي وكلما زاد المحيط التكنولوجي من استخدام الوقود الأحفوري واستهلاك المصادر غير المتجددة كلما تأثر المحيط الحيوى سلبيا وكلما قام المحيط التكنولوجي بإعادة التدوير للمخلفات كلما قل التلوث الكيميائى للأرض والماء وينجح في الحفاظ على المصادر غير المتجددة.
فمثلا المصانع التى تستخدم الفحم أو السولار وتنتج سلعا بها تلوث ولا تعالج النفايات من المعادن الثقيلة ولا يتم تدوير النفايات تكون النتيجة هي زيادة الأمراض بين السكان المحليين وتلوث الأرض و الماء و الغذاء و معالجة هذه المشاكل قد تكون بكلفة أعلي من الأرباح المنتظرة.
ولكى يتوافق المحيط التكنولوجي مع المحيط الحيوي لابد من عمل دراسة بيئية مع دراسة الجدوى و يتم حساب الخسائر و تكلفة إصلاحها.
كما أن تلك المصانع عليها أن تعتمد خطة للجوده تكون هدفها الإرتقاء بجودة المنتج مع التحول التدريجي للطاقة النظيفة وحساب البصمة الكربونية في العمليات الإنتاجية مع وضع إستراتيجية تنتقل بالإنتاج من تقليل التلوث بأفضل الحلول المتاحة إلي صفر تلوث خلال زمن محدد
المحيط الاجتماعي:
يتكون المحيط الاجتماعي من النظام السياسي والاقتصادي والقانوني والأمني و الإعلامي و العادات و التقاليد و يعمل المحيط الاجتماعي كحاكم للمحيط التكنولوجي حتي ينفذ ما تم الإتفاق عليه مجتمعيا من أجل الحفاظ على المحيط الحيوي.
و أكثر الأشياء خطورة علي المجيط الإجتماعي هو صراع المصالح بين مكوناته فمثلا الصراع بين النظام السياسي و النظام الإقتصادى من أجل تظيم ناتج التنمية قد يؤدى بالمحيط الإجتماعى إلى تجاوز العديد من المحاذير البيئية التى تسبب خسائر على المستوى البعيد و قد يتغافل النظام الإعلامي عن تصحيح توجهات تغير من العادات والتقاليد ويطلب السكان سلعا استهلاكية وقد تكون ضارة مثل الأغذية المحفوظه ويستجيب النظام الإقتصادى في إنتاج مثل تلك السلع مما يؤثر على صحة النشء والشباب حتى أن تكون هناك مشكلة في اللياقة الطبية في سن التجنيد، و أثر ذلك علي النظام الأمنى
وحل التعارض بين المصالح في المحيط الاجتماعي يمكن في اعتماد الحوكمة في النظم والقطاعات المختلفة بحيث يكون هناك سقف قانونى لا يتجاوزه أي نظام من النظم التى تشكل المحيط الإجتماعى.
ويجب أن تقوم سلطات إنفاذ القانون بدورها حين يتجاوز أى من النظم بهدف إعادة التوجيه كما أن إعتماد سياسات تشجيعية مثل خفض الضرائب أو حقوق بيع حق التلوث داخل فقاعة محدده في منطقة ما يؤدى إلي تقليل تكلفة التحول للإنتاج النظيف.
ومن المهم البحث المستمر في الإقتصاد الأخضر من أجل أن تكون خطط التنمية متوازنة بين التنمية الاقتصادية والبيئية.
الخلاصة:
لابد من الحفاظ عللا التوازن الداخلي لمكونات البيئة وقيام المحيط الاجتماعي بدوره في التوازن بين المحيط التكنولوجي والمحيط الحيوي حتى يتم تحقيق التنمية الإقتصادية والبيئية بشكل متوازن.





