دراسة جديدة تكشف سببًا خفيًا وراء الارتفاع القياسي في حرارة الأرض
الأرض تعكس ضوءًا أقل.. انخفاض "البياض الكوكبي" سر تسارع الاحترار العالمي
في عام 2023، شهد العالم طفرة غير مسبوقة في درجات الحرارة، حيث حُطمت أرقام قياسية على مستوى القارات والمحيطات.
وبينما عزت أغلب التفسيرات العلمية هذه الموجة إلى ارتفاع تركيز الغازات الدفيئة وظاهرة النينيو القوية، بقيت هناك فجوة غامضة في ميزان الطاقة الأرضي: لماذا كانت الزيادة في الحرارة أكبر مما توقعته النماذج المناخية؟
الجواب، كما تكشف دراسة جديدة نُشرت في دورية Science، يكمن في تغير مدهش في الطريقة التي تتعامل بها الأرض مع ضوء الشمس: لقد أصبحت الأرض تعكس ضوءًا أقل إلى الفضاء، وهو ما يعني أن الكوكب احتفظ بقدر أكبر من الطاقة الحرارية في نظامه المناخي.
مفهوم “البياض الكوكبي” (Albedo)
يُعرف البياض الكوكبي بأنه نسبة ضوء الشمس الذي تعكسه الأرض إلى الفضاء.
فكلما كان السطح أكثر سطوعًا — مثل الجليد أو السحب البيضاء المنخفضة — زادت كمية الضوء المنعكس، وانخفضت كمية الطاقة التي تمتصها الأرض.
وعندما ينخفض هذا “البياض”، تحتفظ الأرض بمزيد من الحرارة، مما يؤدي إلى تسخين إضافي للنظام المناخي.
وعلى مدار عام 2023، سجّل العلماء انخفاضًا حادًا في هذا الانعكاس، ما أدى إلى دخول طاقة شمسية إضافية بمقدار غير مسبوق إلى النظام الأرضي، وفاق بذلك تأثير الغازات الدفيئة وحدها.

السحب المنخفضة.. بؤرة التحول
ركزت الدراسة على دور السحب المنخفضة، التي تُعتبر أحد أهم عناصر تنظيم حرارة الأرض.
فهي تعكس نسبة كبيرة من ضوء الشمس، وتسمح في الوقت نفسه بتسرب الحرارة من السطح إلى الفضاء، ما يجعلها أشبه بـ”الدرع الحراري الأبيض” للكوكب.
غير أن صور الأقمار الصناعية وبيانات الطاقة الإشعاعية أظهرت أن هذه السحب تراجعت بشكل ملحوظ في عدة مناطق رئيسية، خاصةً فوق شمال المحيط الأطلسي وبعض أجزاء المناطق المدارية.
ومع تراجع هذه السحب الساطعة، زاد الإشعاع الشمسي الواصل إلى سطح المحيطات واليابسة، ما رفع درجات الحرارة أكثر من المتوقع.
ولاحظ العلماء أن هذا التراجع تزامن مع احترار غير مسبوق لسطح المحيط الأطلسي، مما شكّل دائرة تغذية راجعة خطيرة:
مياه أكثر دفئًا → سحب أقل → انعكاس أقل → حرارة أعلى → مياه أكثر دفئًا.

الفجوة في ميزان الطاقة الأرضي
حلل الباحثون ميزان الطاقة الكوكبي وكأنه “ميزانية مالية” دقيقة:
– في جانبها الأول الطاقة الشمسية الداخلة،
– وفي الجانب الآخر الطاقة الحرارية الخارجة إلى الفضاء.
وباستخدام بيانات الأقمار الصناعية ونماذج إعادة التحليل الجوي، اكتشف الفريق أن العجز في الانعكاس بلغ مستوى غير مسبوق منذ بدء القياسات الحديثة.
وتشير تقديرات الفريق إلى أنه لولا انخفاض الانعكاسية منذ عام 2020 وحتى 2023، لكانت حرارة الأرض أقل ببضعة أعشار الدرجة المئوية، وهي القيمة نفسها التي حيّرت العلماء عند مقارنة التغيرات المسجلة بالعوامل التقليدية مثل النينيو أو الانبعاثات الكربونية.
أسباب محتملة: من أنظف هواء إلى مناخ متغير
يطرح الباحثون ثلاثة تفسيرات رئيسية لهذا الانخفاض المفاجئ في البياض الكوكبي:
– التقلبات الطبيعية للمناخ
يمكن لتغيرات مؤقتة في أنماط الرياح والرطوبة أن تقلل من تكوّن السحب المنخفضة في بعض المناطق لمدة عام أو عامين.
– انخفاض التلوث الجوي الكبريتي
أدت السياسات البيئية الجديدة وتقييد انبعاثات السفن والمصانع إلى تقليل تركيز الجسيمات الدقيقة (الأيروسولات) في الجو، وهي جزيئات تساعد عادة على تكوين قطرات الغيوم وعكس الضوء الشمسي.
ومع نقاء الهواء، قلت “نواة” تكوين السحب، ما جعل الغيوم أقل كثافة وأضعف انعكاسًا.
– تغذية راجعة مناخية ناشئة
مع استمرار ارتفاع حرارة المحيطات والجو، قد تميل بعض المناطق إلى تكوين عدد أقل من السحب المنخفضة بطبيعتها.
ويخشى العلماء من أن يكون هذا بداية حلقة تغذية راجعة طويلة المدى تزيد من تسارع الاحترار العالمي.
ماذا عن القطبين؟
رغم أن ذوبان الجليد يُضعف الانعكاسية السطحية، أوضحت الدراسة أن التغير في السحب هو العامل الأهم في الانخفاض المسجَّل عام 2023.
فالمناطق القطبية لم تسهم سوى بجزء صغير من التراجع العام في البياض الكوكبي، بينما كان المحيط الأطلسي والمناطق المدارية هما المصدرين الرئيسيين للخلل.
تداعيات مقلقة على مستقبل المناخ
يحذر العلماء من أن استمرار هذا الاتجاه قد يعجل ببلوغ الحد الحرج البالغ 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، وهو السقف الذي تسعى اتفاقية باريس للمناخ إلى عدم تجاوزه.
ويقول الباحثون إن “الانخفاض المستمر في الانعكاسية قد يعني أن النماذج المناخية الحالية تقلل من تقدير سرعة الاحترار في العقد القادم”.
أما إذا كان التغير مؤقتًا نتيجة تقلبات طبيعية، فقد تعود الانعكاسية تدريجيًا، مما يخفف جزئيًا من وتيرة التسخين الراهنة.
لكن إذا كان السبب الجوهري هو انخفاض التلوث الكبريتي أو تغذية راجعة مناخية جديدة، فإن جزءًا من هذا التغير سيبقى، ليضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى توقعات المناخ العالمي.
توصيات علمية عاجلة
تدعو الدراسة إلى تعزيز المراقبة المستمرة للسحب وتدفقات الطاقة من خلال الأقمار الصناعية، وتحسين نماذج الغلاف الجوي لتفسير العلاقة بين نقاء الهواء والانعكاسية.
كما حثّ الباحثون على مراقبة تأثير سياسات خفض الانبعاثات الصناعية على تكوين السحب فوق المحيطات، لأن بعض إجراءات “تنقية الهواء” قد يكون لها أثر جانبي غير متوقع على المناخ الكوكبي.
خلاصة
في عام 2023، عكست الأرض ضوءًا أقل من أي وقت مضى في السجلات الحديثة، بسبب تراجع السحب المنخفضة فوق مناطق رئيسية مثل شمال الأطلسي والمناطق المدارية.
هذا التغير الطفيف في سلوك السحب أضاف إلى حرارة الكوكب ما يعادل عدة أعشار الدرجة المئوية، وهو كافٍ لتفسير الفجوة بين توقعات العلماء وواقع درجات الحرارة القياسية التي شهدها العالم.
ويظل السؤال الحاسم الآن: هل ستستعيد الأرض انعكاسها المفقود، أم أن الكوكب دخل مرحلة جديدة من التوازن الطاقوي تقل فيها “بياضته” وتزداد سخونته؟





