أهم الموضوعاتأخبارتغير المناخ

الاحترار العالمي يدفع بحيرات وخزانات المياه لإطلاق ميثان يفوق المستويات الحالية بـ90%

الميثان الصامت.. كيف تحوّل البحيرات الهادئة إلى مصدر متصاعد لغازات الاحتباس الحراري؟

تكشف دراسة دولية جديدة عن أحد أكثر «المعززات الخفية» للاحترار العالمي، إذ تشير إلى أن انبعاثات الميثان الصادرة من البحيرات الطبيعية والخزانات الصناعية قد ترتفع بشكل يقترب من الضعف بحلول عام 2100، إذا استمرت درجات الحرارة العالمية في مسارها الحالي نحو سيناريو الاحترار المرتفع.

ويؤكد الباحثون أن هذه الزيادة لا تمثل مجرد رقم في سجلات المناخ، بل تدخل ضمن آليات معقدة تعيد تشكيل دورة الكربون الطبيعية وتسارع من وتيرة اختلال المناخ العالمي.

وتبرز الدراسة، التي شارك فيها باحثون من جامعة لينشوبينج السويدية ووكالة «ناسا»، أن التغيرات الفيزيائية في الأنظمة المائية—من ارتفاع حرارة المياه، إلى تمدد المواسم الخالية من الجليد، إلى زيادة مساحات الخزانات المائية—تطلق سلسلة من التفاعلات تجعل من البحيرات أكثر ديناميكية وتأثيرًا في ميزانية الغازات الدفيئة.

نموذج لانبعاثات غاز الميثان من البحيرات والخزانات المائية على مر الزمن في ظل سيناريوهات مناخية مختلفة.

الميثان: الغاز الأخطر قصير الأجل

يُعد الميثان ثاني أهم غاز مسهم في الاحترار بعد ثاني أكسيد الكربون، لكنه يمتلك قدرة أكبر بكثير على احتجاز الحرارة خلال عقود قليلة، إذ يعادل تأثيره أكثر من 80 مرة تأثير CO₂ على المدى القصير.

وتُظهر سجلات ميزانية الميثان العالمية أن الأنشطة البشرية—من الزراعة، إلى الوقود الأحفوري، إلى إدارة النفايات—تطلق نحو 575 مليون طن من الميثان سنويًا، تسهم البحيرات والخزانات بنحو 10% منها، وهي نسبة أعلى مما كان يُعتقد قبل عقد واحد فقط.

خط الأساس الحالي وانبعاثات غاز الميثان المتوقعة في البحيرات والخزانات في المستقبل

كيف تنتج البحيرات الميثان؟

في أعماق البحيرات والخزانات، حيث تنعدم الأكسجين تقريبًا، تعمل الميكروبات على تفكيك بقايا النباتات والمواد العضوية عبر عملية تعرف بالتحلل اللاهوائي. ينتج عن ذلك غاز الميثان الذي يتحرك نحو سطح الماء عبر مسارين:

  • فقاعات تنطلق مباشرة عبر عمود الماء وتصل إلى الهواء فورًا

  • ميثان مذاب يُستهلك جزء منه بواسطة بكتيريا متخصصة

ويحدد التفاعل بين هذين المسارين مقدار الميثان الذي يدخل الجو بالفعل. وكلما زادت حرارة المياه، تسارعت هذه العمليات، وازدادت كمية الفقاعات التي تفلت قبل أن تذوب.

نموذج يعتمد على أكبر قاعدة بيانات في العالم

اعتمدت الدراسة على نموذج يعتمد على البيانات وليس على المعادلات النظرية فقط، مستفيدة من أكثر من 767 موقعًا حول العالم.

وتم دمج هذه البيانات مع سيناريوهات الاحترار المناخي المستقبلية لتتبع أربعة عوامل رئيسية تتحكم في انبعاثات الميثان:

  1. درجة حرارة الماء

  2. طول الموسم الخالي من الجليد

  3. تركيز المغذيات

  4. مساحة سطح المياه

التدفقات اليومية المجمعة للبحيرات والخزانات العالمية في ظل سيناريوهات مناخية مختلفة

نتائج صادمة: انبعاثات تتضاعف تقريبًا

حتى في سيناريو النجاح العالمي في خفض الانبعاثات (سيناريو التخفيف القوي)، ترتفع انبعاثات البحيرات بنحو 30% بحلول أواخر القرن. لكن في السيناريو الأسوأ، ترتفع بنحو 90%، وهو ما يقترب من تضاعف الانبعاثات الحالية.

ويقول الباحث الرئيسي، البروفيسور ديفيد باستفيكن، إن نتائج النموذج تكشف عن أن تجاهل مصادر الميثان الطبيعية قد يؤدي إلى «صورة غير مكتملة» لجهود التعامل مع المناخ، محذرًا من أن ترك الأمور على حالها سيجعل المستقبل المناخي «أكثر غموضًا وتعقيدًا مما نتوقع».

التوزيع الجغرافي المكاني لانبعاثات البحيرات والخزانات المعاصرة والتغير في الانبعاثات بحلول عام 2080-2099

حلقة تغذية راجعة متسارعة

يشكّل الميثان المنبعث من البحيرات والخزانات حلقة تغذية راجعة إيجابية خطيرة:

  1. احترار الجو → ارتفاع حرارة المياه

  2. ارتفاع حرارة المياه → نشاط أعلى للميكروبات

  3. نشاط أعلى للميكروبات → إنتاج أكبر للميثان

  4. المزيد من الميثان → احترار أسرع للجو

هذه الحلقة تتفاعل بسرعة بسبب العمر القصير للميثان في الجو (حوالي 10 سنوات)، ما يجعله مؤثرًا بشكل حاد على «القسر الإشعاعي» في المدى القصير.

الخزانات الصناعية: القنبلة الدفيئة المغمورة

تزداد خطورة الخزانات الصناعية—مثل سدود الطاقة وإمدادات المدن—لعدة أسباب:

  • تقع العديد منها في مناطق دافئة تُشجع الميكروبات على إنتاج الميثان

  • تستقبل كميات كبيرة من المغذيات من الزراعة والصرف، ما يرفع نمو الطحالب والمواد العضوية

  • تشهد تقلبات سريعة في منسوب المياه، ما يسهم في تحرير الفقاعات مباشرة

وتُظهر دراسات سابقة أن هذه الخزانات تطلق ملايين الأطنان من الميثان سنويًا، وتشير النماذج الحديثة إلى احتمال تضاعف انبعاثاتها خصوصًا في المناطق المدارية وشبه المدارية.

توضيح لتحليلين مختلفين لعدم اليقين

صورة أشمل: البحيرات + الخزانات + الأراضي الرطبة

تأتي الدراسة متزامنة مع نتائج أخرى تشير إلى احتمال ارتفاع انبعاثات الأراضي الرطبة بنسبة 30% إضافية بحلول نهاية القرن.

وبجمع المصادر الثلاثة معًا، يصبح واضحًا أن الأنظمة المائية ليست عناصر محايدة، بل «مسرّعات طبيعية» للاحترار، قد لا تكون محسوبة بدقة في خطط المناخ التقليدية.

ما الذي يعنيه ذلك للمستقبل؟

تقدم الدراسة رسالة حاسمة:
الحد من الانبعاثات اليوم لا يقلل فقط من ثاني أكسيد الكربون، بل يمنع أيضًا انطلاق موجة إضافية من الميثان الطبيعي مستقبلًا.

يرى باستفيكن أن أي خفض كبير لانبعاثات غازات الدفيئة «يحقق فائدة مزدوجة»، إذ يكبح الاحترار المباشر ويمنع تسارع إنتاج الميثان في البحيرات والخزانات.

وتشير الأدلة إلى أن خفض انبعاثات الميثان البشرية—من الغاز الطبيعي والزراعة والنفايات—قد يكون من أسرع الطرق لخفض الاحترار خلال سنوات قليلة، بينما يُسهم خفض الانبعاثات الكربونية في منع تشغيل «المفاعلات الطبيعية» للميثان في المستقبل.

الدراسة نُشرت في دورية Nature Water وتعد خطوة محورية نحو فهم تفاعلات الأرض تحت سيناريوهات الاحترار، وتسلّط الضوء على ضرورة التعامل مع دورة الميثان العالمية بوصفها عنصرًا استراتيجيًا في التخطيط المناخي.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading