أخبارصحة الكوكب

الإفراط في استخدام المضادات الحيوية في الغذاء يهدد الصحة العالمية

الأطعمة الملوثة بالمضادات الحيوية تدفع العالم نحو أزمة صحية خطيرة.. تخرج عن السيطرة

يُعد الاستخدام غير السليم للمضادات الحيوية أحد الأسباب الرئيسة لظهور مقاومة البكتيريا للأدوية، ما يمثل أحد أكبر التهديدات التي تواجه البشرية اليوم.
ومع تراجع فعالية المضادات الحيوية وصعوبة علاج العدوى البكتيرية، يسابق المجتمع الدولي الزمن لفهم جذور هذه الأزمة وإيجاد حلول فعّالة لها.
تشمل مضادات الميكروبات مجموعة واسعة من الأدوية، مثل المضادات الحيوية، ومضادات الفيروسات، والفطريات، والطفيليات، تُستخدم لعلاج أو الوقاية من العدوى لدى الإنسان والحيوان والنبات.
تعمل هذه الأدوية على استهداف الكائنات المسببة للأمراض إما بوقف نموها أو بالقضاء عليها مباشرة. لكن في المقابل، قد تطور تلك الكائنات آليات مقاومة تجعل الدواء غير فعال، فيما يُعرف بظاهرة مقاومة مضادات الميكروبات (AMR) .
وتُعد البكتيريا من أكثر مسببات العدوى قدرةً على تطوير المقاومة، إذ يمكن لبعضها أن يقاوم عدة أنواع من المضادات في الوقت نفسه، وهو ما يُعرف بـ«المقاومة المتعددة للأدوية». وقد رُبطت مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية بنحو 4.71 ملايين وفاة عالميًا عام 2021، منها 1.14 مليون وفاة مباشرة بسبب هذه الظاهرة.
وتشير التقديرات إلى احتمال تسببها في 39 مليون وفاة إضافية بحلول عام 2050 إذا استمرت الاتجاهات الحالية.

الاستخدام العشوائي في إنتاج الغذاء

يُعد القطاع الغذائي، وخاصة الزراعة وتربية الأحياء المائية، من أكبر مصادر تفاقم مقاومة البكتيريا للمضادات.
فقد استُخدم نحو 70% من إجمالي المضادات الحيوية عالميًا في تربية الماشية ،كالأبقار والدواجن والخنازير، خلال العقد الماضي، وغالبًا ليس لعلاج الأمراض فحسب، بل لتحفيز النمو وتحسين كفاءة التغذية.
يُعتقد أن الجرعات المنخفضة من المضادات الحيوية تُحدث تغييرات في بيئة الأمعاء تساعد على امتصاص المغذيات بشكل أفضل وتُحفز النمو، لكنها في المقابل تخلق بيئة مثالية لنشوء جينات المقاومة البكتيرية (ARGs).
وقد أظهرت الدراسات تزايدًا مطّردًا في معدلات مقاومة البكتيريا في الثروة الحيوانية بين عامي 2000 و2018.
ففي الصين، تضاعف عدد جينات المقاومة في سلالة الإشريكية القولونية (E. coli) منذ سبعينيات القرن الماضي حتى عام 2019.
الأخطر أن هذه البكتيريا يمكن أن تنتقل من الحيوانات إلى الإنسان، خاصة في البيئات التي تفتقر إلى معايير النظافة، ما يسهّل انتشار الجينات المقاومة عبر الأنواع.
ويُفاقم المشكلة غياب الشفافية في تبادل البيانات حول استخدام المضادات الحيوية في العديد من الدول، ما يعرقل الجهود الدولية المشتركة لمواجهة الأزمة.

المضادات الحيوية

التلوث البيئي وتسريع انتشار الجينات المقاومة

تؤدي مخلفات الإنتاج الغذائي إلى تلويث البيئات الطبيعية وتعزيز انتشار البكتيريا المقاومة.
فقد أظهرت دراسة عام 2023 انتشار المضادات الحيوية في أنهار العالم وارتباطها بمستويات الاستهلاك البشري والإنتاج الحيواني.
كما يمكن للنباتات امتصاص هذه المضادات عندما تُزرع في تربة مخصبة بروث الماشية أو تُروى بمياه ملوثة، ما يجعلها مصدر خطر إضافيًا للمستهلكين.
وفي قطاع الاستزراع السمكي، تتراكم المضادات الحيوية في الطبقات السطحية من مياه البحار، مهيئةً بيئة خصبة لتكاثر البكتيريا المقاومة.
وقد أثبتت دراسة حديثة عام 2024 وجود جينات مقاومة متعددة في البكتيريا البحرية في بحر الشمال الجنوبي، مما يعكس بوضوح أثر الأنشطة البشرية في تفشي الظاهرة.
وتزداد معدلات انتقال هذه البكتيريا بين الإنسان والحيوان والبيئة مع ارتفاع درجات الحرارة عالميًا وحدوث الظواهر المناخية المتطرفة مثل الفيضانات، التي تُسهم في نقل الملوثات والممرضات عبر البيئات المختلفة.

مقاومة المضادات الحيوية

نحو إنتاج غذائي مسؤول

استجابةً للأزمة، أطلقت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) خطة عمل لمكافحة مقاومة مضادات الميكروبات، تركّز على الممارسات الزراعية السليمة وتقليل الاعتماد على المضادات الحيوية عبر الوقاية وتحسين إدارة المخلفات.
وقد أثمرت هذه الجهود في أوروبا عن خفض كبير في استخدام المضادات في الثروة الحيوانية.
ففي هولندا، تراجعت معدلات الاستخدام بفضل تحسين النظافة، واستخدام اللقاحات، والتقليل من سلالات الدواجن سريعة النمو.
أما الدنمارك فقد حظرت استخدام المضادات كمحفزات للنمو، وطبقت نظامًا شفافًا للرصد من خلال قاعدة بيانات Vetstat، مع تعزيز التعاون بين المزارعين والأطباء البيطريين.
وتعتمد مثل هذه النجاحات على أطر تشريعية واضحة، وهو ما تدعمه الفاو عبر قواعد بياناتها ECOLEX وFAOLEX الخاصة بالتشريعات والسياسات البيئية والغذائية حول العالم.

دور التربة والميكروبات في مقاومة المضادات الحيوية

مبادرات

كما أطلقت منظمة الصحة العالمية نظام المراقبة العالمي GLASS لتوحيد جمع وتحليل ومشاركة بيانات مقاومة المضادات، فيما يتتبع المركز الأوروبي لمكافحة الأمراض (ECDC) عبر قاعدة بياناته العالمية انتشار الأمراض المقاومة في مختلف الدول.
وتقوم هذه المبادرات على ثلاثة مبادئ رئيسة: المساءلة، الشفافية، والدقة.
ومع ذلك، تبقى مشاركة الجمهور ورفع الوعي بأهمية الاستخدام الرشيد للمضادات الحيوية والنظافة العامة من الركائز الأساسية لنجاح أي استراتيجية لمواجهة هذه الأزمة.
وكما تقول القاعدة: معًا نصمد، ومنفصلين نسقط.

مقالات ذات صلة

‫5 تعليقات

اترك رداً على jala liveإلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading