اطردوا الملوِّثين الكبار.. وثائق جديدة تكشف هيمنة 90 شركة على 60% من نفط وغاز العالم
استثمارات بـ35 مليار دولار سنويًا للبحث عن نفط جديد وسط تحذيرات المناخ
في تطور يعيد طرح أسئلة جوهرية حول نزاهة مفاوضات المناخ العالمية ومستقبل الكوكب، كشف ائتلاف Kick Big Polluters Out (اطردوا الملوِّثين الكبار) عن تقرير صادم يُظهر أن شركات الوقود الأحفوري، التي تتحمل مسؤولية ما يقرب من 60% من الإنتاج العالمي للنفط والغاز، أصبحت حاضرة بقوة غير مسبوقة داخل قمم المناخ التابعة للأمم المتحدة خلال السنوات الأربع الماضية.
وبحسب التحليل الجديد، فإن أكثر من 5,350 لوبيًّا من العاملين لصالح شركات النفط والغاز والفحم شاركوا في مؤتمرات الأطراف من COP26 وحتى COP29، وهو رقم يفوق عدد ممثلي العديد من الدول الأكثر هشاشة أمام تغير المناخ.
ويكشف التقرير أن هؤلاء الممثلين ينتمون إلى 859 جهة تعمل في قطاع الوقود الأحفوري، بينها 180 شركة نفط وغاز من أكبر المنتجين عالميًا.

90 شركة فقط تتحكم في 60% من إنتاج العالم
البيانات المستندة إلى قائمة الخروج من النفط والغاز GOGEL 2025 تُظهر أن 90 شركة فقط أنتجت في عام 2024 ما مجموعه 33,699 مليون برميل مكافئ نفط، وهو ما يعادل 60% من الإنتاج العالمي. ولإيضاح حجم هذا الإنتاج، يكفي القول إنه قادر على تغطية مساحة تعادل كامل الأراضي الفرنسية تقريبًا أو مساحة تفوق مساحة إسبانيا.
ولا تتوقف الهيمنة عند هذا الحد؛ إذ تخطط هذه الشركات لتوسعات ضخمة في عمليات الاستكشاف والإنتاج، تصل إلى 164,957 مليون برميل مكافئ نفط خلال السنوات القليلة المقبلة.
وهذا الحجم الهائل من التوسع يكفي ـ وفق التحليل ـ لملء مساحة تقترب من مساحة فرنسا وإسبانيا وألمانيا والدنمارك والسويد وفنلندا والنرويج مجتمعة.

استثمارات تُغذّي الأزمة
يكشف التقرير أن الشركات التي تواجدت داخل قمم المناخ أنفقت خلال السنوات الثلاث الأخيرة ما يزيد على 35 مليار دولار سنويًا للبحث عن حقول نفط وغاز جديدة، في الوقت الذي تجتمع فيه دول العالم للبحث عن حلول للحد من الانبعاثات.
ويرى خبراء أن ذلك يوضح التناقض الصارخ بين ما تروج له هذه الشركات داخل القمم حول “التحول الطاقي” وما تقوم به فعليًا على الأرض.
اتهامات بـ«الاستحواذ المؤسسي» على مفاوضات المناخ
ويؤكد العديد من نشطاء الائتلاف أن التأثير الطاغي لشركات الوقود الأحفوري داخل قاعات المفاوضات أدى إلى إجهاض خطوات حاسمة كان يفترض أن تقود إلى خفض الانبعاثات، معتبرين أن استمرار السماح لها بالحضور “يُفرغ المفاوضات من مضمونها” ويحولها إلى مساحة “للدفاع عن المصالح الخاصة على حساب مستقبل البشر”.
ويشير التقرير إلى أن غياب سياسات واضحة لتضارب المصالح داخل آليات عمل الأمم المتحدة في مفاوضات المناخ ساهم في تطبيع دخول ممثلي الشركات إلى وفود الدول، الأمر الذي يتيح لهم الوصول إلى غرف التفاوض بطريقة غير مباشرة رغم القيود الشكلية المفروضة.

قفزة شكلية في الشفافية قبل COP30
وبينما تستعد مدينة بيلم البرازيلية لاحتضان قمة COP30 في نوفمبر المقبل، تعلن الأمم المتحدة للمرة الأولى عن إلزام المشاركين ممن لا يحملون بطاقات حكومية بالإفصاح عن مصادر تمويلهم وأهداف مشاركتهم.
ويرى الائتلاف أن هذه الخطوة، رغم أهميتها، تبقى «شكلية» ولا تمنع التأثير السياسي للشركات، خاصة أن جزءًا كبيرًا من ممثليها يدخلون عبر وفود حكومية أو ضيوف رسميين.
مطالب بإقصاء الملوِّثين ووقف «غسيل المناخ»
أكثر من 225 منظمة وشبكة عالمية وجّهت رسالة إلى رئاسة COP30 تطالب فيها بتطبيق ما تسميه “إطار المساءلة” لضمان ألا تكون القمة المقبلة “معرضًا تجاريًا لشركات النفط والغاز”، على حد وصف نشطاء دوليين.
ويشدد هؤلاء على ضرورة منع أي رعاية أو مشاركة لأي جهة لها صلة مباشرة بصناعة الوقود الأحفوري، بما يشبه ما تنتهجه منظمة الصحة العالمية مع شركات التبغ.
ويحذر العديد من ممثلي المجتمع المدني، خاصةً من دول الجنوب العالمي والجزر الصغيرة، من أن استمرار السماح لشركات الوقود الأحفوري بالتأثير في مسار التفاوض الدولي يهدد بجرّ العالم إلى مزيد من الفوضى المناخية، ويقوّض فرص حماية المجتمعات الأضعف التي تواجه موجات من الجفاف والفيضانات والحرائق وارتفاع مستوى البحار.

«مؤتمرات مناخ أم معارض تجارية؟»
يصف بعض الخبراء القمم الحالية بأنها تحولت إلى أكبر معرض تجاري للوقود الأحفوري في العالم، لاسيما في ظل مشاركة شركات تواصل التوسع في عملياتها رغم التحذيرات العلمية المتتالية بأن العالم لا يستطيع حرق المزيد من الوقود الأحفوري دون تجاوز حدود الكوكب.
ويذهب آخرون إلى أن هذا «الغزو المؤسسي» للتفاوض المناخي يفسر جزئيًا لماذا فشلت الأمم المتحدة طوال 30 عامًا في تحقيق تقدم جذري نحو خفض الانبعاثات، على الرغم من التحذيرات المتكررة بتجاوز درجة حرارة 1.5 مئوية خلال سنوات قليلة.
صوت الضحايا يتقدم
رسائل مؤثرة صدرت عن ممثلي شعوب الجزر والمجتمعات الإفريقية والآسيوية الذين يقولون إنهم يواجهون نتائج أزمة لم يساهموا في خلقها، معتبرين أن السماح لمن تسبب فيها بتوجيه الحلول يمثل «إهانة للمستقبل» و«تهديدًا لحق الأجيال القادمة في الحياة».
ويؤكد هؤلاء أن حلولًا يقودها المجتمع، تعتمد على العدالة والمساءلة، هي الطريق الوحيد لضمان انتقال عادل وسريع بعيدًا عن الوقود الأحفوري.





