ارتفاع درجات الحرارة يقلل قدرات الأطفال التعليمية مبكرًا
موجات الحر تُبطئ التطور اللغوي والعددي للأطفال قبل دخول المدرسة
يكشف بحث جديد أن تغير المناخ يؤثر في الأطفال منذ اللحظات الأولى من حياتهم.
فبينما ينشغل الآباء بتأمين الغذاء والتعليم والأمان، تبرز مشكلة إضافية تتمثل في ارتفاع درجات الحرارة وتأثيرها على الصحة والتعلم.
وتوضح دراسة أُجريت في ست دول وجود تأثير واضح للمناخ الحار على تطور الأطفال قبل وصولهم إلى سن المدرسة، إذ تحدث هذه التغيرات تدريجيًا من دون أن يلحظها كثيرون.
وقد نُشرت نتائج البحث في دورية Journal of Child Psychology and Psychiatry.
تباطؤ التطور مع الحرارة المرتفعة
أظهرت النتائج أن الأطفال الذين يعيشون في مناطق تتجاوز فيها درجات الحرارة القصوى 32°C يحققون معدلات أقل في المهارات الأساسية المرتبطة بالقراءة والكتابة والمهارات العددية.
وقال جورخي كورتاس من جامعة نيويورك: إن التطور في المراحل المبكرة يمثل أساسًا للتعلم والصحة الجسدية والنفسية على مدى الحياة، ما يستدعي اتخاذ إجراءات لحماية نمو الأطفال في عالم يزداد حرارة.
كما تبين أن الأطفال الذين يعيشون في مناطق ذات درجات حرارة أقل يحققون تقدمًا أفضل في هذه المهارات.
وتراجعت نسبة تحقيق المهارات عدة نقاط مئوية عند التعرض لدرجات حرارة تتجاوز 30°C، مع تفاقم الانخفاض لدى الأسر ذات الظروف الاقتصادية الصعبة.

تأثير الحرارة على جسم الطفل
يشكل الطقس الحار عبئًا على أجسام الأطفال، إذ يجدون صعوبة في تبريد أجسادهم، ويفقدون الماء بسرعة، كما يزداد نشاط أنظمة التوتر لديهم.
ويؤدي التعرض المطول للحرارة إلى اضطرابات النوم والتهابات في الدماغ، ما ينعكس على الذاكرة والعاطفة والتعلم.
وتُظهر أبحاث أن الحرارة قد تُتلف الخلايا العصبية النامية. وبما أن الدماغ ينمو بسرعة خلال مرحلة الطفولة المبكرة، فإن استمرار التعرض للحرارة المرتفعة قد يعرقل المسارات الأساسية المسؤولة عن التفكير والتعلم.
كما أن فقدان السوائل يؤثر سلبًا في التركيز وحل المشكلات.
وتُفاقم المدن هذه التأثيرات بسبب احتباس الحرارة داخل المباني طوال النهار والليل.

ضغوط بيئية متزايدة
يتداخل ارتفاع درجات الحرارة مع أنظمة الغذاء وأنماط انتشار الأمراض وظروف المعيشة.
فالموجات الحارة تزيد الضغط على المحاصيل وترفع مخاطر تلوث الغذاء، بينما يؤدي سوء التغذية المبكر إلى إضعاف النمو العقلي والمناعة.
كما تعزز الحرارة نشاط مسببات الأمراض في المياه غير النظيفة، ما يضاعف المخاطر على الأطفال في المنازل التي تفتقر إلى خدمات المياه والصرف الصحي.
وتزيد المساكن الضيقة قليلة التهوية في المدن من شدة التعرض للحرارة.
وتؤثر التغيرات المناخية أيضًا في جودة الهواء، الأمر الذي يمكن أن يؤثر في مزاج وسلوك مقدمي الرعاية ويحد من الدعم العاطفي للأطفال.
كما تقل فرص اللعب في الهواء الطلق خلال الفترات الحارة، وهو عنصر أساسي في تطوير المهارات الحركية والاجتماعية.
فجوات أكبر في تنمية الطفل
أظهرت الدراسة تفاوتًا كبيرًا بين الأطفال من مختلف الخلفيات الاجتماعية.
فالأطفال من الأسر الميسورة تأثروا بدرجة أقل بارتفاع الحرارة، بينما خسر الأطفال من الأسر منخفضة الدخل قدرًا أكبر من المهارات.
وسُجلت الانخفاضات الأكبر في المدن عند تجاوز الحرارة 30°C، خاصة لدى الأسر التي لا تمتلك مياهًا آمنة أو مرافق صحية جيدة. وتبرُز هنا العلاقة بين ارتفاع درجات الحرارة واتساع هوة عدم المساواة.
كما تشير النتائج إلى احتمال تأثر الجنين بالحرارة، إذ ارتبطت بعض فترات الحمل الحارة بزيادة طفيفة في مخاطر تراجع التطور، خصوصًا مع تجاوز الحرارة 33°C.
تحديات عالمية عاجلة
يحمل ارتفاع درجات الحرارة آثارًا قد تمتد عبر أجيال، مع تحذيرات علمية من زيادات حرارية تتخطى الحدود العالمية المستهدفة.
وتُعد مرحلة الطفولة المبكرة فترة حساسة قد تتأثر فيها القدرات العقلية والانفعالية بشكل واضح.
وترى الدراسة الحاجة الملحة لمزيد من الأبحاث لفهم آليات التأثر والعوامل التي قد تحمي الأطفال أو تزيد هشاشتهم، إضافة إلى تعزيز الدعم الاجتماعي وتحسين خدمات المياه وتطوير مساحات حضرية خضراء وتوفير وسائل التبريد.
حماية نمو الطفل في عالم أكثر حرارة
يمكن للمجتمعات اتخاذ إجراءات بسيطة لحماية الأطفال، مثل توفير مساحات لعب مظللة، وتحسين نظم المياه، وإتاحة وسائل تبريد في المنازل والمراكز الصحية، وزيادة المساحات الخضراء في المدن.
كما يُعد دعم مقدمي الرعاية بالمعلومات والإرشادات وسيلة فعالة لتعزيز قدرة الأسر على التكيف.
وتؤكد الدراسة أن هذه التدابير توفر بيئة أكثر صحة ودعمًا للأطفال في ظل ارتفاع درجات الحرارة.





