أهم الموضوعاتأخبارتغير المناخ

من يستفيد ومن يدفع الثمن؟.. «العدالة الحرارية» تعيد التفكير في مستقبل المدن الساخنة

ليست كل حلول التبريد عادلة.. دراسة تكشف مخاطر جديدة مع ارتفاع حرارة المدن

مع ارتفاع درجات الحرارة في المدن حول العالم، أصبحت مواجهة موجات الحر قضية تتجاوز توفير المياه أو تشغيل أجهزة التكييف، لتتحول إلى مسألة تتعلق بالعدالة الاجتماعية والقدرة على الوصول إلى وسائل الحماية من الحرارة.

فبينما تتلقى المجتمعات نصائح متكررة خلال موجات الحر، مثل شرب المياه وتجنب الأنشطة المجهدة خلال ساعات الذروة والحفاظ على برودة المنازل، لا يمتلك جميع السكان القدرة نفسها على تطبيق هذه الإجراءات.

فبعض الأشخاص لا يستطيعون التوقف عن العمل خلال ساعات الحر، بينما قد يعجز آخرون عن تحمل تكلفة تكييف الهواء، أو الوصول إلى مناطق مظللة، أو العيش في مساكن تحافظ على درجات حرارة آمنة خلال الليل.

وفي هذا السياق، طرح باحثون من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ «ETH Zurich» والمعهد الفيدرالي السويسري لعلوم وتقنيات المياه «Eawag»، بالتعاون مع مؤسسات دولية، إطارًا جديدًا أطلقوا عليه اسم «العدالة الحرارية» Thermal Justice، بهدف إعادة التفكير في الطريقة التي تتعامل بها المدن مع مخاطر الحرارة الشديدة.

مخاطر الحرارة الشديدة
مخاطر الحرارة الشديدة

ما المقصود بالعدالة الحرارية؟

في تعليق بحثي منشور في مجلة Nature Climate Change، يعرّف الباحثون العدالة الحرارية باعتبارها تطبيقًا لمبادئ العدالة البيئية على مشكلة الحرارة.

ولا يقتصر السؤال، وفق هذا الإطار، على مدى نجاح إجراء معين في خفض درجات الحرارة، وإنما يمتد إلى سؤال أكثر أهمية: هل يستطيع السكان بالفعل النوم والعمل والتنقل ورعاية الآخرين والحفاظ على صحتهم أثناء موجات الحر؟

ويضم إطار العدالة الحرارية خمسة أبعاد رئيسية، هي:

  •  التوزيع العادل للأعباء والمنافع المرتبطة بالحرارة
  •  الاعتراف بأوجه الضعف التي تنتج عن ظروف اجتماعية واقتصادية وهيكلية
  •  إشراك السكان والمجتمعات في اتخاذ القرارات
  •  ضمان قدرة الأفراد والمجتمعات على ممارسة حياتهم بأمان
  •  حماية النظم البيئية وحقوق الأجيال المقبلة

ويقول الباحث الرئيسي لوكاس جوباتي، الباحث في الهندسة البيئية، إن القضية لا تتعلق فقط بخفض درجات الحرارة، وإنما بقدرة الناس على مواصلة حياتهم بأمان خلال فترات الحر الشديد.

ارتفاع حرارة المدن
ارتفاع حرارة المدن

التبريد قد يصنع مشكلة جديدة

يرى الباحثون أن بعض الحلول التي تهدف إلى حماية السكان من الحرارة قد تؤدي، إذا لم تُخطط بعناية، إلى خلق أوجه جديدة من عدم المساواة.

ويبرز تكييف الهواء مثالًا واضحًا على ذلك؛ فهو يوفر الحماية للأشخاص الموجودين داخل المباني، لكنه في الوقت نفسه يطرح الحرارة المهدرة إلى الخارج، ويرفع الطلب على الكهرباء، وقد يستبعد الأشخاص غير القادرين على تحمل تكلفته.

وبذلك قد تنتقل المشكلة بدلًا من اختفائها، خصوصًا إذا تركزت الأعباء الحرارية في المناطق التي يعيش فيها السكان الأقل قدرة على التعامل معها.

التشجير الحضري ليس حلًا محايدًا دائمًا

حتى التشجير، الذي يُنظر إليه عادة باعتباره أحد أهم الحلول لتخفيف حرارة المدن، قد يؤدي إلى نتائج اجتماعية غير متوقعة.

فزيادة المساحات الخضراء والأشجار يمكن أن توفر الظل وتخفض درجات الحرارة وتحسن البيئة الحضرية، لكنها قد تؤدي أيضًا إلى ارتفاع قيمة العقارات والإيجارات في المناطق التي تستفيد من مشاريع التشجير.

ومع ارتفاع تكاليف السكن، قد يجد السكان الأقل دخلًا أنفسهم مضطرين إلى الانتقال إلى أحياء أخرى أكثر حرارة وأقل استفادة من البنية التحتية الخضراء.

وهنا يظهر ما يسميه الباحثون «الإزاحة الحرارية»، حيث يستفيد شخص أو حي من إجراءات التبريد بينما تنتقل المخاطر أو الأعباء إلى مكان آخر.

التشجير الحضري

حلول التبريد قد تزيد هشاشة المدن

يحذر الباحثون كذلك من أن بعض إجراءات التكيف قد تعالج المشكلة على المدى القصير لكنها تزيد نقاط الضعف مستقبلًا.

فعلى سبيل المثال، قد تعتمد بعض مشروعات التبريد الحضري على كميات كبيرة من المياه لري المساحات الخضراء، في وقت تعاني فيه المدن من ندرة المياه.

كما أن الاعتماد المكثف على الكهرباء لتشغيل أجهزة التكييف يمكن أن يجعل المدن أكثر هشاشة أمام انقطاع التيار أو ارتفاع الطلب على شبكات الطاقة خلال موجات الحر.

لذلك، فإن الحل الذي يبدو فعالًا في الوقت الحالي قد يتحول إلى مصدر خطر مستقبلي إذا لم تؤخذ احتياجات المياه والطاقة والصيانة والقدرة الاقتصادية للسكان في الاعتبار.

حماية الفئات الأكثر تعرضًا للحرارة

وفق إطار العدالة الحرارية، ينبغي أن تركز المدن خلال موجات الحر على السكان الأكثر تعرضًا للخطر، خصوصًا الأشخاص المعزولين أو الأكثر هشاشة، والعاملين في الخارج، وسكان المساكن التي ترتفع حرارتها بشدة.

وتشمل الإجراءات المقترحة توفير مساحات تبريد عامة يمكن الوصول إليها بسهولة، وحماية العاملين من الحرارة، وإنشاء مسارات مظللة للوصول إلى الخدمات الأساسية، إلى جانب توفير وسائل تبريد داخلية بأسعار يمكن تحملها.

ولا ينبغي أن تتوقف الاستجابة عند انتهاء موجة الحر، بل يجب أن تستمر خلال الفترات المعتدلة عبر تحسين المساكن ضعيفة الحماية من الحرارة، وتوسيع البنية التحتية الخضراء والزرقاء، واختيار النباتات بما يتناسب مع الموارد المائية المتاحة.

ارتفاع حرارة المدن
ارتفاع حرارة المدن

من يتحمل تكلفة التكيف مع الحرارة؟

يرى الباحثون أن نجاح سياسات التكيف المناخي يجب ألا يقاس فقط بعدد التحذيرات التي أطلقتها السلطات، أو مراكز التبريد التي افتُتحت، أو الأشجار التي زُرعت.

المعيار الأهم هو ما إذا كان بإمكان السكان والنظم البيئية الاستمرار في العمل بأمان دون نقل مخاطر الحرارة إلى مجتمعات أخرى أو إلى الأجيال المقبلة.

وهذا يعني أن التخطيط الحضري لمواجهة الحرارة يجب أن يأخذ في الاعتبار ليس فقط المكان الذي تنخفض فيه درجات الحرارة، وإنما أيضًا من يستفيد من هذا الانخفاض ومن يتحمل تكلفته.

ارتفاع حرارة المدن
ارتفاع حرارة المدن

لعبة تحاكي معركة المدن ضد الحرارة

ولتوضيح هذه المفاضلات، حوّل الباحثون أفكار الدراسة إلى لعبة جماعية بعنوان «Thermal Justice: A Serious Game».

وتحاكي اللعبة عملية اتخاذ القرارات داخل المدن لمواجهة الحرارة الشديدة، حيث يعمل المشاركون على حماية السكان من الإجهاد الحراري مع التعامل في الوقت نفسه مع موارد محدودة تشمل الطاقة والمياه والمساحات والتمويل.

وتكشف المحاكاة المفاضلات الصعبة التي تواجهها المدن عند اختيار حلول التبريد، وتطرح سؤالًا أساسيًا: من يحصل على فوائد التكيف مع الحرارة، ومن يتحمل تكلفته؟

ومن المقرر تقديم اللعبة في ورشة عمل ضمن مهرجان «Scientifica» للعلوم في مدينة زيورخ السويسرية.

وتخلص رؤية الباحثين إلى أن المدن الأكثر قدرة على مواجهة الاحترار ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر عدد من أجهزة التكييف أو الأشجار، وإنما تلك التي تستطيع خفض الحرارة وحماية السكان بطريقة عادلة، دون نقل العبء إلى الفئات الأضعف أو البيئة أو الأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة