اتفاق هش في cop30: مفاوضات المناخ تنجو من الانهيار بلا خارطة طريق واضحة
تقدم محدود في مفاوضات المناخ بـ«كوب30»… خطوة صغيرة نحو نهاية عصر الوقود الأحفوري
بعد مفاوضات شاقة امتدت لأكثر من 12 ساعة داخل أروقة المؤتمر الخاوية في مدينة بيليم البرازيلية، خرجت دول العالم الـ194 باتفاق متواضع وصفه خبراء المناخ بأنه “تقدّم مهم ولكنه لا يرتقي إلى مستوى التحدي”. فقد تمكنت الدول، رغم الخلافات الحادة، من إقرار اتفاق طوعي لبدء مناقشة خارطة طريق للانتقال التدريجي بعيدًا عن الوقود الأحفوري، وهو ما أثار ارتياحًا مشوبًا بقلق عميق بسبب ضعف الالتزامات العملية.
صدامات سياسية كادت تُسقط المؤتمر
المفاوضات وصلت إلى حافة الانهيار ليلة الجمعة، بعد مواجهة حادة بين تحالف يضم أكثر من 80 دولة نامية ومتقدمة من جهة، ودول منتجة للنفط بقيادة السعودية وروسيا من جهة أخرى، دفعت بالمحادثات إلى طريق مسدود. ورغم تمسّك المجموعة النفطية بمواقفها، نجحت بقية الدول في دفع العملية التفاوضية نحو “حل وسط” يسمح ببقاء المفاوضات على قيد الحياة، وإن كان بلا قوة إلزامية.
تمويل المناخ… خطوة إلى الأمام ولكن متأخرة
الدول النامية خرجت بنصف مكاسبها فقط؛ إذ وافق الأغنياء على زيادة تمويل التكيف إلى 120 مليار دولار سنويًا، كجزء من تعهد سابق يبلغ 300 مليار دولار. غير أن تنفيذ الزيادة لن يبدأ قبل عام 2035، أي بعد خمس سنوات من الموعد الذي طالبت به الدول النامية، ما اعتُبر تنازلًا كبيرًا في ظل تزايد حدة الكوارث المناخية.
ورغم مطالبة العديد من الدول بأن تكون هذه الزيادة “إضافة” إلى التمويل القائم، جاءت النتيجة النهائية أقل بكثير من توقعاتهم.
إسقاط خارطة طريق لوقف إزالة الغابات
في مفاجأة أحبطت المنظمات البيئية، تم حذف خطة وقف إزالة الغابات من النص النهائي للمؤتمر، رغم أن المؤتمر يُعقد في قلب الأمازون، أكبر غابة مطيرة في العالم. ووصف ناشطون هذه الخطوة بأنها “ضربة موجعة لطموحات الحفاظ على الطبيعة”، خاصة وأن إزالة الغابات تُعد من أخطر مسببات انبعاثات الكربون عالميًا.
أصوات من داخل المؤتمر: بين خيبة الأمل وبصيص الأمل
جنيفر مورغان: اتفاق غير كافٍ لكنّه يثبت أن النظام يعمل
قالت جنيفر مورغان، المبعوثة المناخية السابقة لألمانيا، إن ما تحقق “بعيد جدًّا عمّا يحتاجه العالم، لكنه يمثل تقدمًا ملموسًا”. وأضافت أن “الانتقال بعيدًا عن الوقود الأحفوري الذي اتُّفق عليه في قمة دبي 2023 يتسارع بالفعل رغم محاولات الدول النفطية عرقلة ذلك”.
محمد أدو: العالم ما زال لا يرقى إلى حجم الأزمة
مدير مركز “باور شيفت أفريقيا” محمد أدو قال إن ما جرى في بيليم يعكس حالة “تقدم بطيء لا يتناسب مع خطورة الأزمة”. وأضاف: “الدول المتقدمة واصلت خذلان الدول الأكثر هشاشة، ولم تقدّم خططًا وطنية تتماشى مع العلم ولا مع هدف الحد من الاحترار”.
أزمة دبلوماسية جانبية بين ألمانيا والبرازيل… ثم مصالحة
على هامش المؤتمر، فجّر تصريح لرئيس الوزراء الألماني فريدريش ميرتس أزمة صغيرة بعدما قال إن الصحفيين الذين رافقوه “لم يحتملوا البقاء طويلًا في بيليم”. التصريح أثار غضبًا برازيليًا واسعًا، وردّ الرئيس لولا دا سيلفا قائلاً إن “برلين لا تقدم 10% من جودة الحياة الموجودة في بيليم”.
غير أن ميرتس نشر لاحقًا صورة يصافح فيها لولا خلال قمة العشرين في جنوب أفريقيا، مؤكدًا أنهما عقدا “اجتماعًا جيدًا للغاية”، وتعهد بأن يستكشف المدينة “من طعامها إلى رقصاتها وغاباتها المطيرة” في الزيارة المقبلة.
ستيل: 194 دولة قالت بصوت واحد إن الانتقال المناخي لا عودة عنه
الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة للمناخ، سيمون ستيل، اعتبر أن القمة أثبتت صمود التعاون الدولي رغم “الرياح السياسية العاتية”. وأشار إلى أن غياب الولايات المتحدة هذا العام لم يمنع بقية الدول من إرسال “إشارة سياسية واقتصادية لا يمكن تجاهلها”، مضيفًا:
“العالم أعلن بوضوح أن الانتقال نحو اقتصاد منخفض الانبعاثات حتمي وغير قابل للرجوع”.
آل جور: “لقد تجاوزنا ذروة نفوذ الدول النفطية”
نائب الرئيس الأمريكي الأسبق آل جور قال إن العالم دخل عصرًا جديدًا وصفه بـ“ما بعد الدولة النفطية”، معتبرًا أن القوة السياسية للمنتجين التقليديين تتراجع بينما تتقدم التقنيات النظيفة بسرعة. وأضاف: “يمكنهم منع لغة دبلوماسية، لكنهم لا يستطيعون منع التحرك العالمي الحقيقي نحو الطاقة النظيفة”.
صراع على استضافة القمة المقبلة
تركيا – التي حصلت أخيرًا على حق استضافة كوب31 – دافعت عن دورها الدولي رغم الانتقادات السابقة، بينما انسحبت أستراليا من المنافسة بعد حصولها على دعم واسع، في خطوة وصفت بأنها “تسوية دبلوماسية نادرة”. ومن المتوقع أن يتولى الوزير الأسترالي كريس بوين قيادة المفاوضات العام المقبل رغم انعقاد القمة في أنطاليا التركية.
خلافات حول قضايا النوع الاجتماعي
الجدل لم يكن مناخيًا فقط؛ إذ تسبب إدراج بند النوع الاجتماعي في موجة اعتراضات من روسيا والأرجنتين وباراغواي والفاتيكان، التي طالبت بالعودة إلى تعريف “ثنائي” للجنس، ما فتح بابًا جديدًا للتوتر في اللحظات الأخيرة من الجلسات الختامية.
الخلاصة
رغم أن كوب30 لم يحقق الانفراجة التي كان يُنتظرها العالم، إلا أنه نجح في منع انهيار مسار التفاوض، وأرسل إشارة مهمة بأن التزامات اتفاق باريس ما زالت تحظى بإجماع عالمي. لكن أمام الدول مهمة ضخمة العام المقبل في أنطاليا، حيث سيحدد العالم ما إذا كان سيتحرك فعلاً نحو إنهاء عصر الوقود الأحفوري… أم سيظل يكتفي بالخطوات الصغيرة في مواجهة أزمة تهدد مستقبل البشرية.





