كتب: مصطفى شعبات
تقترب ظاهرة إل نينيو هذا العام من مستويات استثنائية، بعدما سجلت درجات حرارة سطح البحر في المنطقة الشرقية من المحيط الهادئ أرقامًا قياسية، وسط تحذيرات من إمكانية أن تصبح الظاهرة الأقوى منذ نحو ألف عام، في وقت يتزامن فيه نشاطها الطبيعي مع استمرار ارتفاع حرارة الكوكب بفعل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
وتثير الظاهرة مخاوف من موجات جفاف وحرائق وفيضانات واضطرابات في الزراعة والاقتصاد في مناطق مختلفة من العالم، خصوصًا أن آثار إل نينيو لا تقتصر على المحيط الهادئ، بل تمتد إلى مناطق بعيدة عبر تغير أنماط الأمطار ودرجات الحرارة.
وفي حوار مع صحيفة «جارديان»، شرح البروفيسور مات كولينز، عالم المناخ في جامعة إكستر البريطانية والمتخصص في ديناميات ظاهرة تذبذب الجنوب إل نينيو (ENSO)، أسباب الظاهرة ومدى قوتها الحالية، وعلاقتها بالاحترار العالمي، وما يمكن فعله للحد من مخاطرها.
ما هي ظاهرة إل نينيو؟
إل نينيو هي نمط مناخي طبيعي يؤثر في مساحات واسعة من العالم، ويحدث عندما تصبح المياه في الجزء الشرقي من المحيط الهادئ الاستوائي، الذي يكون عادة أكثر برودة وجفافًا، أكثر دفئًا ورطوبة.
ويؤدي ارتفاع حرارة مياه المحيط إلى تغيير أنماط هطول الأمطار في المناطق الاستوائية من المحيط الهادئ، مع انتقال تأثيراته إلى مناطق بعيدة، ما قد يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة وازدياد مخاطر الجفاف والفيضانات والحرائق في أجزاء مختلفة من العالم.
وتحدث ظاهرة إل نينيو عادة كل 3 إلى 7 سنوات، لكنها شديدة التباين من حدث إلى آخر، وكانت آخر مرة ظهرت فيها خلال عامي 2023 و2024.
كيف يتفاعل إل نينيو مع الاحترار العالمي؟
يوضح كولينز أن أفضل طريقة لفهم العلاقة بين الظاهرتين هي اعتبارهما عاملين منفصلين يتراكبان فوق بعضهما البعض.
فإذا كانت منطقة ما تعاني بالفعل من الجفاف نتيجة الاحترار العالمي، فإن حدوث إل نينيو يمكن أن يؤدي إلى تفاقم هذه الظروف.
لكن تحديد طبيعة التفاعل بين التغير المناخي وإل نينيو لا يزال أكثر تعقيدًا، إذ يعتمد العلماء على نماذج مناخية ومحاكاة تمتد لمئات السنين لفهم هذه العلاقة، في حين لا تزال السجلات الرصدية المباشرة محدودة نسبيًا.
وتشير بعض عمليات إعادة بناء المناخ القديم إلى أن تكرار ظاهرة إل نينيو في العصر الحالي قد يكون غير معتاد.
هل نشهد «إل نينيو الوحش»؟
بحسب كولينز، فقد كسرت الظاهرة بالفعل بعض الأرقام القياسية، وقد تكون في طريقها لأن تصبح الأقوى خلال ألف عام.
ووصلت درجة حرارة سطح البحر في منطقة إل نينيو بالمحيط الهادئ إلى نحو 3 درجات مئوية فوق المتوسط، وهي قيمة تقارب المستوى القياسي المسجل في عام 2015.
لكن المشكلة أن الظاهرة لم تبلغ ذروتها بعد، وبالتالي لا يزال من غير الممكن معرفة مدى الارتفاع الذي ستصل إليه درجات الحرارة قبل نهاية العام.
ويواجه العلماء كذلك صعوبة في مقارنة قوة إل نينيو الحالي بالظواهر السابقة، لأن خط الأساس لدرجات حرارة سطح البحر في شرق المحيط الهادئ الاستوائي يرتفع تدريجيًا نتيجة الاحترار العالمي.
وهنا تتداخل ظاهرتان في الوقت نفسه: التغير المناخي الناتج عن النشاط البشري والتذبذب الطبيعي لظاهرة إل نينيو، ما يجعل تحديد مساهمة كل منهما في درجات الحرارة القياسية أمرًا معقدًا.
لكن اجتماع العاملين معًا يجعل الوصول إلى مستويات الحرارة القصوى أكثر احتمالًا.
وبحسب التقديرات الواردة في المقابلة، تتجه درجات الحرارة في شرق المحيط الهادئ حاليًا إلى الوصول إلى نحو 4 درجات مئوية فوق المتوسط، وهو مستوى لم يسبق تسجيله بهذه الصورة.
مناطق واسعة تواجه مخاطر الجفاف والحرائق والفيضانات
من المتوقع أن تكون آثار إل نينيو أكثر وضوحًا في مناطق مختلفة حول العالم مع اقتراب الظاهرة من ذروتها.
وقد تشهد إندونيسيا مزيدًا من حرائق الغابات، بينما قد يتعرض الأمازون لمزيد من الجفاف.
كما أدى إل نينيو بالفعل إلى إضعاف الرياح الموسمية الهندية، بينما يُتوقع أن ترتفع درجات الحرارة في مناطق حول المحيط الهادئ، وقد تمتد التأثيرات إلى مناطق بعيدة مثل المملكة المتحدة.
ويرجح خبراء الأرصاد أن تشهد المملكة المتحدة خريفًا وشتاءً أكثر رطوبة، مع احتمال أن يكون الربيع أكثر جفافًا وبرودة، لكن كولينز يؤكد أن الطقس البريطاني شديد التغير، ولذلك لا يمكن الجزم بهذه التوقعات.
هل تسبب إل نينيو في موجات الحرارة والحرائق الأخيرة؟
لا يرجح كولينز أن يكون إل نينيو المسؤول الرئيسي عن موجات الحرارة المرتفعة وحرائق الغابات التي شهدتها أوروبا وكندا والولايات المتحدة مؤخرًا.
ويرجع ذلك إلى أن تلك الأحداث وقعت في وقت مبكر جدًا من بداية ظاهرة إل نينيو، بينما تظهر آثارها المناخية في كثير من الأحيان بعد فترة زمنية فاصلة.
ويرى أن الاحتمال الأكبر هو أن تكون تلك الظروف نتيجة الاحترار العالمي، إلى جانب أنماط مستمرة من دوران جوي مضاد للأعاصير تؤدي إلى استقرار الأنظمة الجوية وبقائها لفترات طويلة.
ومع استمرار ارتفاع حرارة الكوكب، تصبح الظروف اللازمة لتحطيم الأرقام القياسية للحرارة أكثر احتمالًا.
هل يجعل تغير المناخ إل نينيو أكثر قوة وتكرارًا؟
تشير بعض الدراسات العلمية، من بينها أبحاث شارك فيها كولينز، إلى احتمال أن يؤدي تغير المناخ الناتج عن النشاط البشري إلى زيادة تكرار أو شدة ظاهرة إل نينيو.
لكن العالم البريطاني يؤكد أن العلماء لم يصلوا بعد إلى دليل قاطع يثبت هذه العلاقة بنسبة 100%.
وقال إن إحدى الدراسات التي شارك فيها أشارت إلى أن الإشارة الأكثر وضوحًا لهذا التأثير قد تظهر أولًا في أنماط هطول الأمطار، مضيفًا أن العلماء قد يمتلكون صورة أوضح خلال العقد المقبل.
أما فرضية عالم المناخ جيمس هانسن بأن التغير المناخي البشري قد يكون وراء القوة غير المعتادة لظاهرة إل نينيو الحالية، فيصفها كولينز بأنها فرضية معقولة، لكنها صعبة الإثبات.
هل ارتفاع حرارة المحيط يعني بالضرورة إل نينيو أكثر شدة؟
ليس بالضرورة.
فبحسب كولينز، يجعل تغير المناخ حدوث ظواهر إل نينيو أكثر شدة احتمالًا، لكن ذلك ليس أمرًا مؤكدًا.
ويرجع ذلك إلى أن تأثير إل نينيو لا يعتمد فقط على درجة حرارة المحيط الهادئ، وإنما يتأثر أيضًا بالفارق الحراري بينه وبين محيطات أخرى، مثل المحيطين الأطلسي والهندي.
وتتحرك الأمطار باتجاه المناطق التي توجد فيها المياه الأكثر دفئًا. فإذا توزعت الحرارة على أكثر من محيط، توزعت أنماط الأمطار أيضًا، أما إذا تركزت الحرارة في محيط واحد، فإن هطول الأمطار يمكن أن يصبح أكثر تركيزًا في ذلك الحوض.
هل «يطرد» المحيط حرارته إلى الغلاف الجوي؟
أثارت قوة إل نينيو الحالية تساؤلًا حول ما إذا كانت المحيطات بدأت تصل إلى حد أقصى لقدرتها على امتصاص الطاقة الزائدة من الغلاف الجوي، وبالتالي «تطرد» المزيد من الحرارة إليه.
لكن كولينز يرى أن ما يحدث خلال إل نينيو هو بالفعل انتقال للحرارة من المحيط إلى الغلاف الجوي، إلا أن ذلك جزء من دورة طبيعية وليس دليلًا على وصول المحيطات إلى حد نهائي لقدرتها على امتصاص الحرارة.
ويشير إلى أنه لا توجد حاليًا أدلة على وجود حد فيزيائي بسيط يمكن عنده القول إن المحيطات لم تعد قادرة على تخزين مزيد من الحرارة.
هل ستصبح ظاهرة إل نينيو أكثر تأثيرًا مستقبلًا؟
يتوقع كولينز أن تصبح آثار إل نينيو أكبر خلال العقود المقبلة.
ويقول إن النماذج المناخية تشير أيضًا إلى احتمال زيادة استجابة هطول الأمطار، ما يعني إمكانية حدوث ظواهر إل نينيو ذات تأثير أكبر وأكثر وضوحًا في المستقبل.
وهذا لا يعني أن كل ظاهرة مستقبلية ستكون بالضرورة أقوى من سابقتها، وإنما يشير إلى أن تغير المناخ قد يهيئ الظروف لزيادة شدة بعض الآثار والمخاطر المرتبطة بالظاهرة.
كيف يمكن تقليل مخاطر إل نينيو؟
يرى كولينز أن المعرفة والإنذار المبكر يمثلان أحد أهم الأسلحة المتاحة أمام الدول والمجتمعات للتعامل مع إل نينيو.
ففي ظاهرة 1982-1983، لم يكن العلماء والمجتمعات يفهمون ما يحدث بصورة كافية، وكان من الصعب الاستعداد للآثار المحتملة.
أما اليوم، فأصبح العلماء قادرين على التنبؤ بظاهرة إل نينيو قبل حدوثها بنحو 6 إلى 9 أشهر بدرجة جيدة من الثقة.
وتمنح هذه القدرة الحكومات والمزارعين والمجتمعات وقتًا للاستعداد، مثل مساعدة المزارعين في أمريكا اللاتينية على تغيير أنواع المحاصيل التي يزرعونها، أو تحذير حكومات جنوب شرق آسيا من الحاجة إلى الاستعداد لحرائق الغابات وتعزيز البنية التحتية ووسائل الحماية.
خفض الانبعاثات يظل الاستجابة الأساسية
وبعيدًا عن إجراءات التكيف والإنذار المبكر، يؤكد كولينز أن الاستجابة الأساسية على المدى الطويل تتمثل في خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري والحد من استمرار الاحترار العالمي.
أما هندسة المناخ، فتظل مجالًا بحثيًا مثيرًا للجدل وعدم اليقين.
ومن الأفكار التي طُرحت نظريًا تغيير خصائص السحب في شرق المحيط الهادئ، بما قد يؤدي إلى تبريد سطح البحر والتأثير في توقيت ظاهرة إل نينيو أو حجمها.
وتشير إحدى الدراسات إلى إمكانية استخدام تكوين أعداد كبيرة من السحب لتبريد سطح المحيط في شرق المحيط الهادئ، وبالتالي الحد من ظاهرة كبيرة.
لكن كولينز يحذر من أن آثار مثل هذه التدخلات غير واضحة حتى الآن، لأن جزءًا كبيرًا من الحرارة المرتبطة بإل نينيو يأتي من أعماق المحيط.
وبالتالي، فإن منع الظاهرة في عام معين لا يعني بالضرورة التخلص منها، إذ يمكن أن تعود في العام التالي.
تحذير من فاتورة اقتصادية وإنسانية أكبر
ويقول كولينز إن احتمال زيادة تأثير ظاهرة إل نينيو خلال العقود المقبلة أمر مقلق، لأن الظاهرة يمكن أن تسبب اضطرابات واسعة في الزراعة والاقتصاد العالمي.
وتكون التداعيات أشد على الدول والمجتمعات الفقيرة التي تعاني أصلًا آثار تغير المناخ، ثم تواجه فوق ذلك موجات جفاف أو حرائق أو فيضانات مرتبطة بإل نينيو.
ولهذا يؤكد أهمية الحفاظ على قدرات التنبؤ والإنذار المبكر، وفي مقدمتها جمع البيانات في الوقت الحقيقي من المحيط الهادئ.
فكلما أمكن رصد تغيرات المحيط مبكرًا، زادت قدرة الحكومات والمزارعين والمجتمعات على الاستعداد وتقليل الخسائر قبل وصول التأثيرات الأكثر حدة.
