ماذا لو أصبح هيكل السيارة بطارية؟.. علماء يعيدون تصميم ألياف الكربون لتخزين الطاقة

سيارة أخف ومدى أطول؟.. بطاريات هيكلية تدمج تخزين الطاقة داخل ألياف الكربون

ماذا لو لم تكن بطارية السيارة الكهربائية موجودة في صندوق منفصل أسفل الهيكل، بل أصبحت أجزاء من الهيكل نفسه قادرة على تخزين الطاقة، بحيث يمكن للسقف أو الأبواب أو أجزاء أخرى من المركبة أن تؤدي في الوقت نفسه وظيفة حمل الأحمال ووظيفة البطارية؟

هذا هو الاتجاه الذي يدرسه باحثون من معهد Deakin للمواد المتقدمة (Institute for Frontier Materials) في أستراليا، من خلال تطوير ما يعرف باسم البطاريات الهيكلية المركبة (Structural Battery Composites)، التي تجمع بين القدرة على تحمل الأحمال الميكانيكية وتخزين الطاقة القابلة لإعادة الشحن داخل المادة نفسها.

ويقود الباحثة Bhagya Dharmasiri ، وفريقها جهود لإدخال تخزين قائم على الزنك داخل هياكل مصنوعة من ألياف الكربون، بدل الاعتماد حصريًا على بطاريات الليثيوم-أيون التقليدية المستخدمة على نطاق واسع في السيارات الكهربائية والأجهزة الإلكترونية.

والهدف هو الوصول إلى هياكل أخف وأكثر كفاءة، مع تحسين جوانب السلامة والاستدامة، بما قد يفتح المجال أمام تطبيقات في السيارات الكهربائية والطائرات وقطاعات أخرى تعتمد على تقليل الوزن.

لماذا الزنك بدلًا من الليثيوم؟

يعد كل من الليثيوم والزنك من المعادن المهمة في تقنيات تخزين الطاقة، لكن لكل منهما خصائص مختلفة.

وتتميز بطاريات الليثيوم-أيون بقدرتها على تخزين كمية كبيرة من الطاقة، إلا أن مكوناتها يمكن أن ترتبط بمخاطر السلامة، خصوصًا عند حدوث تلف أو سوء استخدام أو مشكلات في التصميم، إذ يمكن أن تؤدي بعض حالات فشل البطارية إلى حرائق أو انبعاث غازات سامة.

ولهذا يواصل الباحثون العمل على تحسين سلامة بطاريات الليثيوم من خلال تطوير إلكتروليتات أكثر أمانًا ومواد وتصميمات أفضل.

لكن فريق ديكن يدرس أيضًا الزنك كخيار آخر، خصوصًا في التطبيقات التي تكون فيها السلامة والاستدامة من الأولويات.

فالزنك يخزن طاقة أقل من الليثيوم، لكنه يتمتع بميزة مهمة تتمثل في إمكانية استخدام إلكتروليتات مائية، ما يقلل الاعتماد على مكونات قابلة للاشتعال.

كما أن الزنك متوافر بكثرة وقابل لإعادة التدوير، وهو ما يجعله خيارًا مكملًا محتملًا لتطوير بطاريات هيكلية أكثر أمانًا واستدامة.

وتوضح Dharmasiri أن الليثيوم سيظل تقنية مهمة لتخزين الطاقة، لكن الزنك يقدم مسارًا آخر عندما تكون اعتبارات السلامة والاستدامة ذات أهمية خاصة.

من ألياف الكربون إلى بطارية

تمتاز ألياف الكربون بخفة وزنها وقوتها العالية، ولذلك تستخدم في التطبيقات التي يكون فيها تقليل الوزن عاملًا أساسيًا، ومنها السيارات والطائرات والقطاعات الفضائية والدفاعية.

لكن ألياف الكربون التقليدية تؤدي عادة وظيفة واحدة أساسية: تحمل الأحمال الميكانيكية مع الحفاظ على خفة الهيكل.

أما فريق ديكن فيحاول تغيير هذه المعادلة، بحيث لا تكون المادة مجرد عنصر إنشائي، بل تصبح قادرة على أداء وظيفة إضافية تتمثل في تخزين الطاقة.

وفي دراسة حديثة نشرت في دورية Composites Part B: Engineering، قدمت Dharmasiri وزميلاها د. James Randall والبروفيسور Luke Henderson طريقة قابلة للتوسع لإعادة تصميم مركبات ألياف الكربون التقليدية وتحويلها إلى بطاريات هيكلية متعددة الوظائف قائمة على الزنك.

علماء يعيدون تصميم ألياف الكربون لتخزين الطاقة

تعديل سطح ألياف الكربون

تعتمد الفكرة الأساسية على تعديل أسطح ألياف الكربون كهروكيميائيًا بحيث تصبح قادرة على استضافة مواد نشطة كهروكيميائيًا يمكنها المشاركة في عملية تخزين الطاقة.

ويعمل الباحثون على دمج مواد نشطة تعتمد على الزنك وثاني أكسيد المنغنيز (Manganese Dioxide) مع ألياف الكربون، مع الحفاظ في الوقت نفسه على سلامة البنية الميكانيكية للمادة.

وبذلك تصبح ألياف الكربون جزءًا من منظومة تخزين الطاقة، بدل أن تكون مجرد مادة تحمل البطارية أو الهيكل.

وتظهر صور المجهر الإلكتروني التي قدمها الباحثون المواد التي جرى تثبيتها على سطح ألياف الكربون.

لكن التحدي الأساسي لا يتمثل فقط في جعل المادة تخزن الطاقة، بل في تحقيق التوازن بين وظيفتين مختلفتين: تحمل الأحمال وتخزين الطاقة.

وتقول Dharmasiri إن تقييم البطارية الهيكلية لا ينبغي أن يركز فقط على الوصول إلى أعلى كثافة ممكنة للطاقة، لأن هذه البطارية تؤدي وظيفتين في الوقت نفسه؛ ولذلك يجب النظر إلى مساهمتها في أداء الهيكل وسلامته وكفاءته ككل.

لماذا قد تغير البطاريات الهيكلية تصميم السيارات والطائرات؟

في السيارات الكهربائية التقليدية، تكون البطارية وحدة مستقلة وثقيلة نسبيًا، بينما يحتاج الهيكل إلى مكونات منفصلة لتحمل الأحمال.

أما في البطاريات الهيكلية، فيمكن نظريًا دمج الوظيفتين داخل مكونات أقل عددًا وأكثر تكاملًا.

وبذلك، فإن جزءًا من الهيكل الذي يؤدي وظيفة ميكانيكية يمكن أن يشارك أيضًا في تخزين الطاقة.

إذا نجحت هذه التقنية في الانتقال من المختبر إلى التطبيقات الهندسية، فقد يؤدي تقليل عدد المكونات المنفصلة ووزنها إلى مركبات أخف، وهو ما يمكن أن ينعكس على مدى السيارات الكهربائية أو قدرة الطائرات على التحمل وكفاءة استهلاك الطاقة.

وتزداد أهمية هذا الأمر في القطاعات التي يمثل فيها كل كيلوغرام عاملًا مؤثرًا في الأداء، مثل الطيران والمركبات الكهربائية.

علماء يعيدون تصميم ألياف الكربون لتخزين الطاقة

مادة واحدة.. وظائف متعددة

لا يتوقف تصور الباحثين عند تخزين الطاقة وتحمل الأحمال، فالفكرة الأوسع هي تطوير مواد إنشائية يمكنها أداء عدة وظائف في الوقت نفسه.

وتشير Dharmasiri إلى إمكانية أن تؤدي البنية مستقبلًا وظائف إضافية مثل استشعار التلف أو الضرر، وتوفير الحماية الكهرومغناطيسية، إلى جانب دورها الأساسي في تحمل الأحمال وتخزين الطاقة.

وبدل إضافة مكون منفصل لكل وظيفة جديدة، يمكن تصميم المادة نفسها بحيث تؤدي مجموعة من المهام.

هذا النهج يمثل تحولًا من تصميم المركبات والهياكل عبر تجميع عدد كبير من المكونات المتخصصة، إلى محاولة تطوير مواد متعددة الوظائف تجمع خصائص ميكانيكية وكهروكيميائية ووظيفية في بنية واحدة.

علماء يعيدون تصميم ألياف الكربون لتخزين الطاقة

من المختبر إلى المكونات الهندسية

يركز الفريق حاليًا على الانتقال من مركبات البطاريات الهيكلية القائمة على الزنك على المستوى المختبري إلى تطوير مكونات هندسية فعلية يمكن تحسينها في وقت واحد من حيث الأداء الهيكلي وتخزين الطاقة والسلامة وتعدد الوظائف.

لكن نجاح الفكرة على نطاق المختبر لا يعني تلقائيًا جاهزيتها للاستخدام التجاري؛ إذ يتطلب الأمر تطوير عمليات تصنيع قابلة للتوسع، واختبار الأداء الميكانيكي والكهربائي على المدى الطويل، ودراسة السلامة والاعتمادية في ظروف التشغيل الواقعية.

ومع ذلك، تقدم أبحاث ديكن اتجاهًا مختلفًا في تصميم أنظمة تخزين الطاقة: فبدل السؤال عن كيفية جعل البطارية أقوى وأخف، يصبح السؤال أيضًا كيف يمكن جعل الهيكل نفسه بطارية؟

وقد يكون هذا التحول مهمًا في مستقبل السيارات والطائرات، حيث لا يعتمد تحسين الكفاءة على تطوير مصدر الطاقة وحده، بل على إعادة التفكير في العلاقة بين المادة والهيكل والبطارية منذ مرحلة التصميم الأولى.

↑
Exit mobile version