أعاد علماء الآثار اكتشاف مدينة “إيمِت” القديمة في دلتا النيل الشرقية بمصر، كاشفين عن منازل طينية متعددة الطوابق يعود تاريخها إلى نحو 2500 عام.
وتقع المدينة بالقرب من قرية تل نباشة الحديثة، على بعد نحو ستة أميال جنوب تانيس، فوق أرض مرتفعة قليلًا عن الحقول المحيطة.
في هذا الموقع، نشأت أحياء سكنية خلال “العصر المتأخر” من تاريخ مصر، وهو العصر الذي سبق دخول الإسكندر الأكبر، حين اتجه السكان إلى البناء الرأسي بسبب محدودية الأراضي الصالحة للسكن.
منازل شاهقة تعيد رسم ملامح المدينة
قاد أعمال التنقيب الدكتور نيكي نيلسن، أستاذ علم المصريات بجامعة مانشستر، الذي يركز في أبحاثه على كيفية تنظيم المصريين القدماء لمنازلهم وشوارعهم وأماكنهم المقدسة.
وكشفت الحفريات الحديثة في تل نباشة عن مخططات أرضية لمنازل شاهقة متعددة الطوابق ذات جدران سميكة من الطوب اللبن، تتخللها أزقة ضيقة وساحات عمل ملحقة بها.
وتشير قواعدها الثقيلة وارتفاعاتها الكبيرة إلى أن البنّائين كانوا معتادين على تشييد طوابق سكنية فوق مخازن وورش في الطوابق السفلية.
وقال نيلسن إن هذا الطراز من “بيوت الأبراج” كان شائعًا في دلتا النيل بين العصر المتأخر والعصر الروماني، ونادر الوجود في باقي أنحاء مصر.

كيف عُثر على المدينة المدفونة؟
اختفت مدينة إيمِت تدريجيًا تحت الحقول الزراعية والقرى الحديثة، إلى أن استعان الباحثون بالخرائط القديمة وتقنيات الاستشعار عن بُعد، باستخدام صور الأقمار الصناعية عالية الدقة لرصد المعالم المدفونة تحت التربة.
وكشفت تجمعات نباتية غير معتادة وتغيرات طفيفة في لون التربة عن وجود جدران وشوارع مطمورة.
وأكدت الحفريات اللاحقة هذه المؤشرات، حيث أظهرت الخنادق الضحلة أساسات من الطوب، وأرضيات لطحن الحبوب، وحظائر للماشية.
وبسبب تسوية الأرض وريها المتكرر، لم يبقَ ظاهرًا فوق السطح سوى الأجزاء العليا من التل الأثري، وهو ما يفسر اختفاء كثير من مدن الدلتا مقارنة بالمعابد والمقابر الصحراوية.

تفاصيل الحياة اليومية داخل المنازل العمودية
عثر علماء الآثار على مساحات للطهي، وأرضيات لطحن الغلال، وصناديق للتخزين موزعة داخل الممرات الضيقة حول المنازل.
وتشير هذه التفاصيل إلى استخدام كل شبر من الأرض في إعداد الطعام، وصيانة الأدوات، ورعاية الماشية.
ومن بين أبرز المكتشفات صلاصل شعائرية برونزية كانت تستخدم في الطقوس الدينية، سقطت من أحد الطوابق العلوية عندما انهار أحد المنازل، ما يدل على الاحتفاظ بالأدوات الدينية داخل البيوت لا المعابد فقط.
كما عُثر على تمثال “أوشابتي” صغير من الفخار الأخضر الزاهي، كان يُعتقد أنه يخدم المتوفى في العالم الآخر، إلى جانب لوحة منقوشة للإله الطفل “هاربوقراط” المرتبط بالحماية والشفاء.
وأظهرت الطبقات الأثرية علامات مغادرة مفاجئة للسكان، حيث تُركت الزجاجات المكدسة وبقايا الطعام والأدوات في أماكنها، في مشاهد مجمدة تشير إلى فترات اضطراب سياسي أو غزو.
المعابد والطرق وتغير العقائد
لم تكن إيمِت مجرد مدينة سكنية، بل ارتبطت بالإلهة “واجيت” حامية الوجه البحري، حيث كان معبدها الرئيسي قائمًا على أطراف المدينة.
وكان طريق احتفالي مرصوف يربط المعبد بمناطق مقدسة وساحات عامة.
وفي إحدى المناطق، عُثر على مبنى ضخم بأعمدة طينية وأرضية من الجص الجيري يعود للعصر البطلمي، وقد شيّد فوق الطريق الاحتفالي القديم، ما أدى إلى تعطيله.
وتشير الأدلة إلى أن الطريق خرج من الخدمة بحلول منتصف العصر البطلمي، في دلالة على تغير أنماط العبادة ومراكز النفوذ.
كما عُثر على حجارة معابد قديمة أُعيد استخدامها في رصف ساحات طحن الحبوب، وهو ما يعكس تحولًا عمليًا ودينيًا في آن واحد.
ماذا تخبرنا مدينة إيمِت؟
تثبت مدينة إيمِت أن المصريين القدماء في دلتا النيل تعاملوا بذكاء مع الازدحام وعدم استقرار التربة من خلال التخطيط العمراني العمودي، بدلًا من التوسع الأفقي.
وتؤكد أن جزءًا كبيرًا من تاريخ مصر لا يزال مطمورًا تحت القرى والحقول والقنوات، وليس فقط بجوار الأهرامات والمعابد المعروفة.
ويؤكد هذا الاكتشاف أن الجمع بين تقنيات الأقمار الصناعية والعمل الميداني قادر على استعادة مدن بأكملها ظنّها العالم مفقودة إلى الأبد.





