أوروبا شهدت أعنف سلسلة فيضانات خلال 700 عام.. 16 كارثة كبرى ضربت القارة في عامين
16 فيضانًا هائلًا خلال عامين.. ماذا حدث لأوروبا قبل 684 عامًا؟
كشفت دراسة علمية حديثة عن واحدة من أكثر فترات الفيضانات تطرفًا في تاريخ أوروبا، بعدما وثّقت وقوع 16 فيضانًا رئيسيًا واسع النطاق بين أواخر عام 1341 وعام 1343، بينها 4 أحداث تراوحت فترات تكرارها المقدرة بين 500 و1000 عام، في سلسلة غير مسبوقة خلال القرون السبعة الماضية.
وأظهرت الدراسة أن عام 1342 كان العام الذي شهد أكبر عدد من الفيضانات الكبرى والاستثنائية في أوروبا خلال آخر 700 عام، بينما جاء عام 1343 ضمن أكثر الأعوام تطرفًا من حيث الفيضانات، وهو ما يعيد رسم صورة كارثة تاريخية كان يُعتقد سابقًا أنها اقتصرت بصورة أساسية على فيضان «ماجدالينا» الشهير الذي ضرب وسط أوروبا في يوليو 1342.
16 فيضانًا بدلًا من كارثة واحدة
اعتمد الباحثون على قاعدة بيانات تاريخية جديدة جمعت أكثر من ألف سجل أصلي، شملت السجلات التاريخية والوثائق الإدارية والقانونية والمراسلات والمذكرات، إلى جانب أدلة مناخية وبيئية، بهدف إعادة بناء صورة الفيضانات التي ضربت أوروبا خلال عامي 1342 و1343.
وتوصل التحليل إلى أن الفيضانات لم تكن أحداثًا منفصلة وعشوائية، وإنما جاءت في صورة سلسلة متتابعة من الكوارث امتدت على مناطق واسعة من القارة، الأمر الذي يجعل الفترة بين 1342 و1343 نموذجًا استثنائيًا لما يمكن أن يحدث عندما تتقارب الكوارث المائية الكبرى زمنيًا.
وكانت أربعة أحداث من بين هذه السلسلة هي الأبرز: فيضان كاندلماس، وفيضان ماجدالينا، وفيضان جاكوب، وفيضان بارثولوميو، وقد تراوحت فترات تكرارها المقدرة بين 500 و1000 عام، بينما قُدرت فترة تكرار الأمطار المحركة لفيضان ماجدالينا بنحو 10 آلاف عام.

فيضان ماجدالينا.. أحد أعنف فيضانات الألفية
بلغ فيضان ماجدالينا ذروته في وسط الإمبراطورية الرومانية المقدسة، في المنطقة التي تقع حاليًا ضمن ألمانيا، في أواخر يوليو 1342، ويُعد عادة أكبر فيضان شهدته أوروبا الوسطى خلال الألفية الماضية، كما ارتبط بأحد أشد أحداث تعرية التربة المنفردة خلال العصر الهولوسيني.
وتشير الأدلة التاريخية والجيومورفولوجية إلى أن الفيضانات في نهري الراين والماين وصلت إلى مستويات ذات فترات تكرار تراوحت بين 100 و1000 عام، بينما تسببت الكارثة في سقوط آلاف الضحايا، وتدمير جسور ومستوطنات وطرق ومنشآت زراعية على امتداد الأنهار الرئيسية.
لكن المفاجأة التي كشفتها الدراسة أن فيضان ماجدالينا لم يكن حدثًا منفردًا، بل كان جزءًا من سلسلة أوسع من الفيضانات القارية التي بدأت قبل ذلك بأشهر واستمرت خلال العام التالي.
البداية جاءت قبل فيضان ماجدالينا
بدأت السلسلة خلال خريف عام 1341، عندما شهدت مناطق شرق ووسط وجنوب شرق أوروبا فيضانات كبيرة خلال نوفمبر وديسمبر.
ثم جاء شتاء بارد ومثلج أعقبه ذوبان مفاجئ للثلوج، ما أدى في فبراير 1342 إلى فيضان استثنائي في أوروبا الغربية والوسطى، ولا سيما في براغ وعلى امتداد نهر الدانوب، أطلق عليه الباحثون اسم فيضان كاندلماس.
وبعد ثلاثة فيضانات ربيعية أخرى في مناطق من وسط وغرب وجنوب شرق أوروبا، ضرب فيضان ماجدالينا جنوب ألمانيا في أواخر يوليو، قبل أن تتبعه فيضانات أخرى في شمال إيطاليا ومناطق البحر المتوسط وحوض الكاربات.
ولم تتوقف الكارثة مع انتهاء عام 1342، ففي يناير وفبراير 1343، شهدت أوروبا الغربية والوسطى فيضانات جديدة، تلاها ربيع رطب على نطاق واسع، مع استمرار الفيضانات في شمال إيطاليا ومنطقة الكاربات والبلقان.
وفي أواخر يوليو ضرب فيضان جاكوب مناطق رئيسية من جبال الألب الشمالية والوسطى والكاربات، قبل أن يأتي فيضان بارثولوميو في أواخر أغسطس، وكان أكبر منه، وضرب المناطق نفسها تقريبًا، ثم استمرت الفيضانات حتى سبتمبر وأكتوبر.

آلاف الضحايا وانهيار شبكات النقل
لم تكن آثار هذه الفيضانات مقتصرة على ارتفاع منسوب المياه؛ فقد تسببت سلسلة الكوارث في مقتل آلاف الأشخاص مباشرة، بينما تسببت المجاعات ونقص الغذاء والأمراض في مزيد من الوفيات بصورة غير مباشرة.
وتشير الوثائق التاريخية إلى أن أحد الرهبان الفرنسيسكان في مدينة لينداو تحدث عن امتداد مياه فيضان كاندلماس لمسافة كبيرة على طول نهر الدانوب، وعن وفاة نحو 6 آلاف شخص.
كما غمرت المياه مدينة البندقية، ودمر فيضان ماجدالينا معظم المستوطنات والجسور والطرق والطواحين على امتداد أجزاء من الراين والماين وروافدهما.
وفي براغ، جرف الفيضان جسرًا حجريًا كان قائمًا فوق نهر فلتافا منذ عام 1172، بينما تضررت الجسور فوق الأنهار الأوروبية الرئيسية، وتعطلت الطرق على نطاق قاري، ما أحدث اضطرابًا كبيرًا في حركة النقل والسفر.
الفيضانات غيّرت شكل أوروبا
أدت الكوارث المتكررة إلى تغيير جذري في طريقة تعامل المدن الأوروبية مع مخاطر الفيضانات.
فبعد هذه الفترة، بدأت مناطق مختلفة في أوروبا بناء جسور أكثر قوة باستخدام الحجر، وتطوير أسوار المدن لحمايتها من المياه، وتنظيم مجاري الأنهار، وإنشاء السدود والتحصينات النهرية، إلى جانب تطوير وسائل الإنذار من الفيضانات.
وكان من أبرز الأمثلة إعادة تصميم جسر تشارلز في براغ ليصبح أكثر ضخامة، مع أقواس أوسع وأعلى ودعامات مصممة لمقاومة الجليد، فضلًا عن رفع ضفاف النهر في بعض المناطق بما يصل إلى 9 أمتار، استجابة للخبرة القاسية التي خلفتها فيضانات عام 1342.

الفيضانات تحولت إلى أزمة غذاء واقتصاد
امتدت تداعيات الكارثة إلى الزراعة والتجارة والأسواق، فقد أدى فقدان المحاصيل وتعطل وسائل النقل بين عامي 1342 و1344 إلى نقص الغذاء والمجاعة في مناطق واسعة من أوروبا، خاصة جنوب ألمانيا وسويسرا والنمسا، بينما ارتفعت أسعار المواد الغذائية في أجزاء من أوروبا الغربية والوسطى.
كما تضررت صناعة الملح في إيطاليا بسبب غمر أحواض الملح، ما دفع إلى استيراد الملح من مناطق بعيدة، بينها قبرص.
وأدى تعطّل طرق النقل إلى عرقلة عمليات عسكرية، وربما ساهم، إلى جانب عوامل تاريخية أخرى، في تفاقم الاضطرابات الاقتصادية والأزمة المصرفية الإيطالية التي تصاعدت منذ عام 1343.
المياه الراكدة فتحت الباب أمام الأمراض
وفي بعض المناطق، لم تكن مياه الفيضانات تتراجع بصورة كاملة بين حدث وآخر، ما أدى إلى استمرار المشكلات الصحية لسنوات.
وتشير الوثائق إلى انتشار أمراض مرتبطة بالمياه، بينها مرض وُصف في السجلات التاريخية بأنه «مرض النزيف»، ويُعتقد أنه ربما كان الزحار أو نوعًا آخر من الإسهال الدموي.
وهكذا تحولت سلسلة الفيضانات إلى أزمة مركبة جمعت بين الكوارث الطبيعية وتدمير البنية الأساسية ونقص الغذاء وارتفاع الأسعار وانتشار الأمراض.
هل يمكن أن تتكرر مثل هذه السلسلة؟
تكمن أهمية الدراسة بالنسبة إلى الحاضر في أنها لا تنظر إلى الفيضانات الكبرى باعتبارها أحداثًا منفردة، بل تحذر من إمكانية تجمع عدد من الفيضانات شديدة التطرف خلال فترة زمنية قصيرة.
ويشير الباحثون إلى أن أنظمة إدارة مخاطر الفيضانات غالبًا ما تُبنى على الأحداث التي وقعت في الماضي القريب، لكن السجل التاريخي الأوروبي يوضح أن الأحداث الأكبر قد تحدث، بل قد تأتي في سلسلة متقاربة زمنيًا.
كما تشير الدراسة إلى أن سلسلة من الثورات البركانية، بالتزامن مع تراجع جليد البحر في القطب الشمالي على مدى عدة سنوات، تمثل تفسيرًا محتملًا لهذه السلسلة الاستثنائية من الفيضانات، مع التأكيد على أن ذلك يمثل سببًا محتملًا وليس تفسيرًا محسومًا بصورة نهائية.
درس من الماضي لإدارة مخاطر المستقبل
وعند مقارنة أحداث 1342 و1343 بفيضانات أوروبا الحديثة، وجد الباحثون أوجه تشابه بين بعض الفيضانات التاريخية الكبرى وأحداث شهدها القرن العشرون وبداية القرن الحادي والعشرين، إلا أن النطاق الجغرافي لسلسلة فيضانات 1342–1343 كان أكبر بصورة لافتة.
وتوصلت الدراسة إلى أن الفترة التاريخية تمثل نموذجًا واضحًا لاحتمال حدوث أحداث كارثية متكررة بوتيرة أعلى مما تتوقعه تقديرات المخاطر التقليدية.
ولهذا يدعو الباحثون إلى تطوير استراتيجيات أكثر سرعة واستباقية لإدارة مخاطر الفيضانات، بحيث لا تركز فقط على احتمال وقوع فيضان واحد شديد، وإنما تأخذ في الاعتبار احتمال وقوع عدة فيضانات كبرى متتالية خلال أشهر قليلة.
وتحمل هذه النتائج رسالة واضحة لصناع القرار: التاريخ لا يقدم فقط سجلًا للكوارث الماضية، بل يكشف أيضًا سيناريوهات مستقبلية قد لا تظهر عند الاعتماد على التجارب الحديثة وحدها.





