شح الموارد المائية يقيّد التوسع الزراعي، والاعتماد على استيراد الحبوب يربط الأسواق العربية بتقلبات الأسعار العالمية.. فهل تنجح الحلول المائية والاستثمارات الخارجية في تقليص المخاطر؟
لم تعد قضية توفير الغذاء في العالم العربي مرتبطة فقط بقدرة الدول على زيادة الإنتاج الزراعي أو توفير التمويل اللازم لاستيراد السلع الأساسية، بل أصبحت جزءًا من معادلة أكثر تعقيدًا تتداخل فيها ندرة المياه، وتغير المناخ، والنمو السكاني، والاضطرابات الجيوسياسية، وتقلبات الأسواق الدولية.
ففي الوقت الذي تتزايد فيه احتياجات السكان من الغذاء، تواجه دول المنطقة قيودًا مائية تحد من قدرتها على التوسع في الزراعة، ما يدفع العديد منها إلى الاعتماد على الأسواق العالمية لتوفير جانب مهم من احتياجاتها، خصوصًا القمح والذرة والزيوت النباتية والسكر والأعلاف.
ويضع هذا الواقع الأمن الغذائي العربي أمام اختبار مستمر؛ إذ لم يعد تأمين الغذاء مرهونًا بحجم المحاصيل المحلية وحده، وإنما بات مرتبطًا أيضًا بقدرة الدول على تمويل الواردات، وتأمين سلاسل الإمداد، والتعامل مع ارتفاع الأسعار، والحفاظ على تدفقات السلع الأساسية خلال الأزمات.
وتكشف هذه المعادلة عن فجوة متزايدة بين الموارد الطبيعية المتاحة والطلب الغذائي، وهي فجوة تزداد خطورتها عندما تتزامن موجات الجفاف وتراجع الموارد المائية مع اضطراب التجارة الدولية أو ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج.
الفقر المائي يضع المنطقة أمام تحدٍ طويل الأمد
تمثل ندرة المياه أحد أبرز العوائق أمام تحقيق تنمية زراعية قادرة على مواكبة الاحتياجات الغذائية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فالموارد المتجددة محدودة في أجزاء واسعة من المنطقة، في حين تتزايد الضغوط عليها بفعل النمو السكاني، والتوسع العمراني، وارتفاع الطلب على المياه في القطاعات الاقتصادية المختلفة، إلى جانب تأثيرات تغير المناخ.
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن متوسط نصيب الفرد من المياه المتجددة في المنطقة مرشح للانخفاض إلى أقل من 500 متر مكعب سنويًا بحلول عام 2030، وهو مستوى يقع ضمن نطاق الفقر المائي المطلق، ويعكس شدة القيود التي تواجهها المجتمعات والاقتصادات في توفير احتياجاتها المائية.
ولا تتوقف التداعيات عند صعوبة تلبية الاحتياجات المنزلية أو توفير المياه للأنشطة الزراعية، بل تمتد إلى الاقتصاد بأكمله. فبحسب تقديرات أوردها البنك الدولي، قد تتراوح الخسائر الاقتصادية المرتبطة بندرة المياه بين 6% و14% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2050، إذا استمرت الضغوط الراهنة المرتبطة بتغير المناخ وتراجع الموارد المائية.
وتزداد حساسية الملف المائي بسبب الطبيعة العابرة للحدود لجزء كبير من الموارد المتاحة؛ إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 60% من الموارد المائية السطحية في المنطقة مشتركة بين أكثر من دولة. ويعني ذلك أن إدارة المياه لا تعتمد على السياسات الوطنية وحدها، وإنما تتأثر أيضًا بالتفاهمات الإقليمية، وآليات تقاسم الموارد، ومستويات التعاون بين الدول المتشاطئة.
وفي ظل هذه الظروف، يصبح التخطيط للأمن الغذائي مرتبطًا بضرورة إدارة الموارد المائية باعتبارها أصلًا استراتيجيًا محدودًا، لا مجرد مدخل من مدخلات الإنتاج الزراعي.
الزراعة العربية بين الاحتياجات الغذائية وحدود الموارد
على الرغم من أهمية زيادة الإنتاج الزراعي المحلي، فإن التوسع في المساحات المزروعة لا يمثل حلًا سهلًا في منطقة تعاني ندرة المياه. فالزراعة تستهلك الحصة الأكبر من المياه المسحوبة في العديد من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتصل هذه النسبة إلى نحو 72%، ما يجعل أي زيادة في الإنتاج مرتبطة بمدى توافر المياه وكفاءة استخدامها.
وتعكس البيانات المائية كذلك تصاعد الضغط على الموارد؛ إذ تشير بيانات نظام المعلومات العالمي للمياه والزراعة «أكواستات» التابع لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة إلى ارتفاع السحوبات المائية في شمال أفريقيا بنحو 16% خلال العقد الماضي، وفق الأرقام الواردة في البيانات المتداولة عن القطاع.
وتواجه الحكومات نتيجة لذلك معادلة صعبة: كيف يمكن زيادة إنتاج الغذاء محليًا، مع الحفاظ على المياه اللازمة للشرب والصناعة والخدمات، وتجنب استنزاف الموارد المتاحة أو التوسع في زراعة محاصيل تتطلب كميات كبيرة من المياه؟
وتفسر هذه القيود جانبًا من اعتماد دول عربية على استيراد بعض المحاصيل بدلًا من زراعتها محليًا. فالقمح والذرة، على سبيل المثال، يحتاجان إلى موارد مائية وأراضٍ زراعية ومدخلات إنتاج قد تكون مكلفة أو محدودة في بعض البلدان.
ومن هنا تبرز فكرة «المياه الافتراضية»، التي تشير إلى المياه المستخدمة في إنتاج السلع الغذائية المتداولة تجاريًا. فعندما تستورد دولة محصولًا زراعيًا من الخارج، فإنها تستورد معه بصورة غير مباشرة المياه التي استُخدمت في زراعته وإنتاجه.
وقد يساعد هذا النهج على تخفيف الضغط على الموارد المائية المحلية، خصوصًا عندما يأتي الاستيراد من مناطق تتمتع بوفرة أكبر في المياه والأراضي الزراعية. لكنه لا يلغي المخاطر المرتبطة بالاعتماد على الخارج، بل ينقل جزءًا من التحدي إلى أسواق التجارة الدولية وقدرة الدول على تأمين احتياجاتها في الأوقات الحرجة.
تحلية المياه.. ضرورة للمدن وليست حلًا سهلًا للزراعة
اتجهت دول خليجية خلال العقود الماضية إلى توسيع قدراتها في تحلية مياه البحر، مستفيدة من الاستثمارات الكبيرة والتطور التقني لتأمين احتياجات المدن والأنشطة الصناعية. وأصبحت التحلية عنصرًا مهمًا في منظومة الإمداد المائي، لا سيما في البلدان التي تعاني محدودية مصادر المياه العذبة.
لكن نقل هذه التجربة إلى قطاع الزراعة على نطاق واسع يواجه عقبات اقتصادية وبيئية واضحة.
فإنتاج المياه المحلاة يتطلب إنشاء محطات متخصصة وشبكات نقل وتوزيع، فضلًا عن استهلاك الطاقة وتكاليف التشغيل والصيانة. وتصبح هذه الأعباء أكثر أهمية عندما يتعلق الأمر بري محاصيل واسعة المساحة، تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه طوال مراحل نموها.
كذلك تفرض عملية التحلية تحديًا بيئيًا يتمثل في المحلول الملحي المركز الناتج عنها، والذي يتطلب التعامل معه وفق ضوابط تقلل آثاره المحتملة على النظم البيئية البحرية، خصوصًا في المناطق التي تتركز فيها محطات التحلية.
وتعني هذه الاعتبارات أن المياه المحلاة قد تكون خيارًا مناسبًا لتأمين احتياجات الشرب وبعض الاستخدامات الصناعية ذات القيمة الاقتصادية المرتفعة، لكنها لا توفر بالضرورة بديلًا منخفض التكلفة لري المحاصيل الأساسية التي تحتاج إلى كميات ضخمة من المياه.
لذلك لا يكمن التحدي في التوسع في التحلية وحدها، وإنما في تحديد الاستخدام الأكثر جدوى لكل مصدر مائي، ودمج التحلية مع إعادة استخدام المياه المعالجة، وتحسين كفاءة الري، وتقليل الفاقد في شبكات المياه، واختيار المحاصيل الملائمة للظروف المناخية والمائية.
الاستثمار الزراعي خارج الحدود.. تنويع للإمدادات أم اعتماد جديد؟
لمواجهة محدودية الأراضي والمياه، اتجهت دول عربية وصناديق استثمارية إلى إقامة مشروعات زراعية أو الدخول في استثمارات داخل دول أفريقية وآسيوية تمتلك مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وموارد مائية أكبر نسبيًا.
وتستهدف هذه الاستثمارات تعزيز الوصول إلى السلع الغذائية، وتنويع مصادر الإمداد، وبناء علاقات إنتاج طويلة الأجل قد تساعد على الحد من التعرض للتقلبات الحادة في الأسواق العالمية.
غير أن امتلاك استثمارات زراعية في الخارج لا يضمن وحده وصول المحاصيل إلى الأسواق المستهدفة في جميع الظروف. فهذه المشروعات تتأثر بالسياسات الزراعية والتجارية للدول المضيفة، والاستقرار السياسي والاقتصادي، والبنية التحتية للنقل والتخزين، والتغيرات المناخية التي قد تضرب مناطق الإنتاج.
كما قد تلجأ بعض الدول المنتجة إلى فرض قيود على صادراتها خلال الأزمات المحلية، بهدف حماية أسواقها من نقص المعروض أو ارتفاع الأسعار، وهو ما قد يحد من قدرة المستثمرين الأجانب على نقل المحاصيل إلى البلدان التي تحتاج إليها.
ولهذا ينبغي النظر إلى الاستثمار الزراعي الخارجي باعتباره أحد مكونات استراتيجية أوسع للأمن الغذائي، وليس بديلًا كاملًا عن الإنتاج المحلي أو الاستيراد التجاري. وتزداد فعاليته عندما يقترن بتنويع الدول والمناطق المستثمَر فيها، وتطوير البنية التحتية اللوجستية، وتوفير ضمانات تعاقدية واضحة، إلى جانب بناء مخزونات استراتيجية مناسبة.
ارتفاع أسعار القمح.. كيف تنتقل الصدمة العالمية إلى المواطن؟
يحتل القمح موقعًا خاصًا في منظومة الأمن الغذائي العربي، نظرًا إلى دوره في إنتاج الخبز والعديد من السلع الأساسية، واعتماد دول عديدة على استيراد كميات كبيرة منه لتغطية الطلب المحلي.
وعندما ترتفع الأسعار العالمية للحبوب، لا يقتصر التأثير على تكلفة شراء الشحنات الجديدة، بل يمتد إلى فاتورة الاستيراد وتكاليف النقل والتأمين والتخزين، فضلًا عن تكلفة الأعلاف التي تدخل في إنتاج اللحوم والدواجن والألبان.
وتنعكس هذه الزيادات بدرجات متفاوتة على الأسواق المحلية، بحسب حجم الاعتماد على الواردات، وسعر صرف العملات، وسياسات الدعم، وقدرة الشركات والحكومات على امتصاص ارتفاع التكاليف.
وفي الدول التي تتحمل فيها الموازنات العامة جانبًا من تكلفة الخبز أو السلع الغذائية الأساسية، قد يؤدي ارتفاع الأسعار العالمية إلى زيادة الأعباء المالية المخصصة للدعم، أو يفرض خيارات صعبة بين الحفاظ على مستويات الدعم، وتوفير الموارد لقطاعات أخرى، والحد من الضغوط على المالية العامة.
وقد كشفت الاضطرابات التي شهدتها أسواق الغذاء خلال السنوات الأخيرة عن مدى تعرض الدول المستوردة للصدمات الخارجية، خاصة عندما تتزامن الزيادات السعرية مع اضطراب طرق الشحن أو تراجع المعروض أو ارتفاع تكاليف التمويل.
ومن أجل تقليل هذه المخاطر، تتجه الحكومات إلى تنويع الدول الموردة، وتأمين عقود التوريد، وتكوين احتياطيات استراتيجية، وتحسين قدرات التخزين، ومتابعة الأسواق العالمية بصورة مستمرة. وتساعد هذه الإجراءات على منح الدول مساحة زمنية أكبر للتعامل مع الأزمات، لكنها لا تعزلها تمامًا عن تحركات الأسعار الدولية.
من إدارة المياه إلى إصلاح المنظومة الغذائية
لا يمكن معالجة أزمة الأمن الغذائي العربي من خلال زيادة الواردات أو التوسع في الزراعة وحدهما؛ فالمشكلة تتطلب إعادة النظر في الطريقة التي تُدار بها المياه والأراضي والمحاصيل وسلاسل الإمداد.
ويبدأ جانب أساسي من الحل برفع كفاءة استخدام المياه في الزراعة، عبر تطوير نظم الري، وتحسين إدارة التربة، والاستعانة بالتقنيات الحديثة لمتابعة احتياجات النباتات، وتقليل الفاقد الناتج عن طرق الري غير الكفؤة. كما تمثل إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي والصحي المعالجة، وفق المعايير المناسبة، فرصة لتوفير مصادر إضافية لبعض الاستخدامات الزراعية.
ويشمل المسار الآخر مراجعة التركيب المحصولي بما يراعي الظروف المائية والمناخية لكل دولة، وتطوير أصناف تتحمل الجفاف والحرارة والملوحة، وتحسين الإنتاجية لكل وحدة من المياه، بدلًا من قياس النجاح الزراعي بزيادة المساحات المزروعة فقط.
وفي الوقت نفسه، تظل إدارة الطلب على الغذاء وتقليل الفاقد والهدر عبر مراحل الإنتاج والتخزين والنقل والاستهلاك من العناصر المهمة لتخفيف الضغط على الموارد. فالغذاء الذي يُفقد قبل وصوله إلى المستهلك يمثل أيضًا هدرًا للمياه والأرض والطاقة والعمل التي استُخدمت في إنتاجه.
أما على المستوى التجاري، فإن تنويع مصادر الاستيراد، وتعزيز التعاون الإقليمي، وتطوير البنية التحتية للتخزين والنقل، وبناء احتياطيات استراتيجية مدروسة، يمكن أن تساعد على تقليل آثار الصدمات الخارجية، مع ضرورة مراعاة التكلفة المالية لهذه السياسات ومخاطرها.
الأمن الغذائي العربي يبدأ من إدارة كل قطرة مياه
توضح العلاقة بين المياه والغذاء أن التحدي الذي تواجهه الدول العربية لا يتعلق بتوفير المحاصيل الأساسية فحسب، بل بقدرتها على بناء منظومة متكاملة تستطيع التعامل مع محدودية الموارد المحلية وتقلبات الأسواق العالمية في آن واحد.
وستظل التجارة الدولية عنصرًا رئيسيًا في تأمين احتياجات المنطقة الغذائية خلال المستقبل المنظور، لكن الاعتماد عليها وحده يترك الدول عرضة لتغيرات الأسعار واضطرابات الإمداد والقيود التجارية التي قد تظهر أثناء الأزمات.
وفي المقابل، لا يعني تعزيز الإنتاج المحلي السعي إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل من جميع المحاصيل بصرف النظر عن تكلفة إنتاجها أو احتياجاتها المائية. فالأكثر جدوى هو تحديد المحاصيل التي يمكن إنتاجها بكفاءة، وتوفير المياه للأنشطة ذات الأولوية، والاستفادة من التجارة الدولية عندما يكون الاستيراد أكثر كفاءة في استخدام الموارد.
ومن ثم، فإن بناء الأمن الغذائي العربي يتطلب الجمع بين الإدارة الرشيدة للمياه، والتكنولوجيا الزراعية، وتقليل الهدر، وتنويع الواردات، والاستثمار الزراعي المدروس، والتعاون الإقليمي في إدارة الموارد المشتركة.
وفي منطقة تتزايد فيها الاحتياجات الغذائية بينما تتراجع حصة الفرد من المياه، قد تكون القدرة على تحقيق أكبر إنتاج ممكن من كل وحدة مياه متاحة، مع تأمين مصادر غذاء متنوعة ومرنة، أحد أهم العوامل التي ستحدد مدى قدرة الدول العربية على مواجهة أزمات الغذاء في السنوات المقبلة.
