كيف يؤثر دخان حرائق الغابات على الحياة البرية؟ جهاز جديد يرصد جودة الهواء حول الحيوانات

دراسة تطور أداة مفتوحة المصدر لرصد الجسيمات الدقيقة في موائل الحيوانات البرية

طوّر فريق من العلماء جهازًا صغيرًا منخفض التكلفة لرصد تلوث الهواء بالجسيمات الدقيقة، يمكن تثبيته على أطواق التتبع التي ترتديها الحيوانات البرية، في خطوة تساعد على فهم متى وأين تتعرض هذه الحيوانات لدخان حرائق الغابات، وكيف تختلف مستويات التلوث داخل موائلها الطبيعية عن القراءات التي تسجلها محطات مراقبة جودة الهواء التقليدية.

ويعتمد الجهاز، الذي تبلغ تكلفة مكوناته نحو 100 دولار، على مستشعر لقياس الجسيمات الدقيقة المحمولة في الهواء، ويعمل بالتزامن مع أطواق تحديد المواقع الجغرافية، ما يتيح للباحثين ربط مستويات التلوث بتحركات الحيوانات والأماكن التي تستخدمها للبحث عن الغذاء أو الاحتماء أو التنقل.

وطوّر الباحثون الجهاز، المعروف باسم «مسجل الدخان» (Smoke Logger)، بالتعاون بين جامعة ولاية كولورادو الأمريكية ودائرة الغابات الأمريكية، ونشروا نتائج الاختبارات الأولية في دورية Methods in Ecology and Evolution في 7 أكتوبر 2026.

وتوفر الأداة وسيلة لدراسة التعرض الفعلي للحيوانات البرية لدخان الحرائق في البيئات النائية، حيث تندر محطات قياس جودة الهواء، ولا تتوافر دائمًا بيانات دقيقة عن مستويات التلوث التي تتعرض لها الكائنات داخل موائلها.

تأثير دخان حرائق الغابات على الحياة البرية

مستشعر يكشف اختلاف جودة الهواء داخل موائل الحيوانات

جاءت فكرة الجهاز استجابةً لمشكلة تواجه الباحثين في دراسة التأثيرات البيئية لحرائق الغابات، إذ تتركز محطات مراقبة جودة الهواء عادةً في المدن والمناطق المأهولة، بينما قد تعيش الحيوانات على مسافات بعيدة منها، في مناطق جبلية وغابات يصعب الوصول إليها.

وقال الباحثون إن نقص القياسات المباشرة يجعل من الصعب تحديد مستويات تعرض الحيوانات لدخان الحرائق، أو معرفة ما إذا كانت تغير سلوكها استجابةً له.

وقاد المشروع جورج ويتمير، أستاذ في جامعة ولاية كولورادو، بالتعاون مع مارك ديتمر، عالم بيئة الحياة البرية في دائرة الغابات الأمريكية، وآدم بارلين، الذي صمم الجهاز خلال عمله باحثًا ما بعد الدكتوراه في الجامعة.

وأوضح ويتمير، أن حرائق الغابات أصبحت مصدرًا متكررًا لمشكلات جودة الهواء في أمريكا الشمالية، إذ يمكن أن تستمر أعمدة الدخان في التأثير على الهواء لأسابيع. وبينما يستطيع البشر تقليل تعرضهم للدخان بالانتقال إلى أماكن مغلقة، لا تمتلك الحيوانات البرية الخيار نفسه.

وأضاف أن فهم كيفية تعديل الحيوانات سلوكها استجابةً للتعرض للدخان لم يكن ممكنًا بالدرجة المطلوبة في السابق، بسبب نقص البيانات المباشرة عن مستويات التلوث في الأماكن التي تعيش فيها.

كيف يعمل جهاز رصد الدخان؟

يتكون الجهاز من مستشعر ليزري لقياس الجسيمات الدقيقة، إلى جانب وحدة لتسجيل البيانات ووسيلة لتوفير الطاقة. وتبلغ تكلفة مكوناته نحو 100 دولار، ما يجعله خيارًا منخفض التكلفة نسبيًا لإجراء قياسات ميدانية في مواقع متعددة.

ويرصد المستشعر الجسيمات الدقيقة المعروفة باسم PM2.5، التي يبلغ قطرها 2.5 ميكرومتر أو أقل، وهي جسيمات يمكن أن تتغلغل إلى أعماق الجهاز التنفسي، وترتبط بآثار صحية ضارة لدى البشر والحيوانات.

وصُمم الجهاز لتشغيل المستشعر لمدة 30 ثانية كل نصف ساعة، ثم تسجيل القراءات على بطاقة ذاكرة. ويساعد هذا النمط المتقطع من القياس على تقليل استهلاك الطاقة، خصوصًا عند تثبيت الجهاز على أطواق الحيوانات التي تتحرك لمسافات طويلة في مناطق نائية.

ولا يعتمد النظام على إرسال البيانات بصورة مستمرة عبر الإنترنت، لأن ذلك قد يزيد استهلاك البطارية، فضلًا عن عدم توافر الاتصال بالشبكات في كثير من المناطق البرية. وبدلًا من ذلك، يستعيد الباحثون البيانات من بطاقة الذاكرة عند استرجاع الطوق.

وتشمل المنظومة ألواحًا شمسية للمساعدة في شحن البطارية، إلى جانب جهاز تحديد المواقع الجغرافية، ما يتيح مقارنة قراءات التلوث بموقع الحيوان وتحركاته خلال فترة الرصد.

تأثير دخان حرائق الغابات على الحياة البرية

اختبارات تكشف قدرة الجهاز على رصد الدخان

اختبر الفريق كفاءة الجهاز في ظروف ميدانية مختلفة قبل استخدامه على الحيوانات البرية.

وفي ديسمبر 2024، وضع الباحثون أحد الأجهزة على ارتفاع متر واحد تقريبًا فوق سطح الأرض، وعلى مسافة تقارب 15 مترًا من موقد نار مرتفع، لقياس مدى سرعة استجابته لارتفاع تركيز الجسيمات في الهواء.

وأظهرت البيانات ارتفاعًا أوليًا في القراءات بعد نحو سبع دقائق من إشعال النار.

وفي اختبار آخر، وضع الباحثون جهازًا ثابتًا في بلدة أبتون بولاية ماساتشوستس الأمريكية، قبل عرض للألعاب النارية في يونيو 2025. وارتفعت القراءات بعد نحو 15 دقيقة من بدء العرض، ما وفر اختبارًا إضافيًا لقدرة المستشعر على التقاط التغيرات في تركيز الجسيمات المحمولة في الهواء.

كما استخدم الباحثون أجهزة ثابتة لرصد عمود دخان امتد فوق شمال غرب ولاية كولورادو خلال الفترة من 4 إلى 7 سبتمبر 2025. وفي 5 سبتمبر، رصد جهازان دخانًا استمر نحو ساعتين، بينما سجلت بعض محطات PurpleAir القريبة هذا الارتفاع ولم تتمكن محطات أخرى من رصده بوضوح.

وأظهرت المقارنة أن توزيع الدخان وتركيز الجسيمات قد يختلفان بين المواقع المتقاربة نسبيًا، وهو ما يبرز أهمية إجراء القياسات داخل المناطق التي تستخدمها الحيوانات فعليًا.

أطواق على الغزلان تكشف التلوث على نطاق محلي

انتقل الفريق بعد ذلك إلى اختبار الجهاز على الغزلان البغل في ولاية كولورادو، حيث ثبّت الباحثون المستشعرات على أطواق مزودة بنظام تحديد المواقع الجغرافية.

وشملت التجارب الأولية خمسة غزلان بالقرب من مدينة فورت كولينز، وجرى تتبع مواقعها كل 15 دقيقة.

وأظهرت البيانات اختلاف مستويات الجسيمات المسجلة بحسب المسافة من الطرق، إذ كانت القراءات أعلى عندما اقترب أحد الغزلان من طريق ساوث تافت هيل ضمن مسافة 100 متر، وانخفضت كلما ابتعد عنه.

وتوضح هذه النتيجة أن الأجهزة القابلة للارتداء يمكن أن تكشف اختلافات محلية في جودة الهواء ترتبط بمكان وجود الحيوان، وإن كانت الجسيمات المرصودة لا تعود بالضرورة إلى مصدر واحد.

وفي تجربة أخرى بولاية يوتا، ارتدى أحد الغزلان طوقًا مزودًا بالجهاز خلال الفترة من 11 ديسمبر 2025 إلى 18 يناير 2026. واستمر التسجيل 38 يومًا، قبل أن يتوقف بعد افتراس الغزال بواسطة أسد الجبال، المعروف أيضًا باسم الكوجر.

وخلال هذه الفترة، سجل المستشعر مستويات من الجسيمات الدقيقة تقل بنحو عشرة أضعاف عن القراءات المسجلة في أقرب محطات عامة لرصد جودة الهواء، التي كانت تبعد نحو 20 إلى 22 كيلومترًا، خلف سلسلة جبال واساتش.

وقال ويتمير، إن هذه النتيجة لفتت انتباه الفريق إلى مدى التباين في جودة الهواء حتى على النطاقات الجغرافية الصغيرة.
ومع ذلك، لم تسجل الغزلان التي شملتها الدراسة مستويات من دخان حرائق الغابات صنفها الباحثون ضمن المستويات غير الصحية خلال فترة الاختبارات.

لذلك، لا تقدم التجارب دليلًا مباشرًا على كيفية استجابة الحيوانات للتعرض المكثف للدخان، بل تؤسس لأداة يمكن استخدامها لدراسة هذا السؤال مستقبلًا.

تأثير دخان حرائق الغابات على الحياة البرية

دخان الحرائق قد يؤثر على حركة الحيوانات وتواصلها

تتجاوز أهمية رصد دخان الحرائق قياس تلوث الهواء، إذ يمكن أن يساعد فهم التعرض للدخان على دراسة التغيرات المحتملة في سلوك الحيوانات البرية.

وتعتمد بعض الحيوانات على حاسة الشم لاكتشاف المفترسات والعثور على الغذاء والتواصل مع أفراد النوع نفسه. وقد يؤثر الدخان في هذه الإشارات الحسية، بما يغير قدرة الحيوانات على إدراك البيئة المحيطة بها.

ويشير الباحثون إلى دراسات سابقة رصدت تغيرات سلوكية لدى أنواع مختلفة خلال فترات الحرائق والدخان. فقد غيرت إوزات ذات جبهة بيضاء مسارات هجرتها خلال موجات الدخان التي شهدها غرب أمريكا عام 2020، وارتبط ذلك بتأخر وصولها ونقص الطاقة وارتفاع معدلات النفوق.

كما أظهرت دراسات على إنسان الغاب في جزيرة بورنيو انخفاضًا في الحركة وزيادة في فترات الراحة عقب حرائق عام 2015، بينما قللت طيور أبو الحناء في ولاية أوريجون من تحركاتها مع زيادة كثافة الدخان.

وتوفر أجهزة الرصد الجديدة وسيلة لربط هذه التغيرات السلوكية بقياسات مباشرة لمستويات الجسيمات في الأماكن التي تتحرك فيها الحيوانات، بدلًا من الاعتماد على بيانات محطات بعيدة أو تقديرات عامة لانتشار الدخان.

ووسع الفريق استخدام الجهاز ليشمل ثلاثة أسود جبال في شمال نيو مكسيكو، وثلاثة أيائل في ولاية واشنطن، وستة غزلان بغل في كاليفورنيا، إلى جانب أجهزة ثابتة في موائل حيوانات أخرى.

ما حدود التقنية الجديدة؟

رغم الإمكانات التي توفرها الأجهزة، فإنها لا تستطيع وحدها تحديد مصدر الجسيمات التي ترصدها، إذ يمكن أن تنتج هذه الجسيمات عن دخان الحرائق أو حركة المرور أو مصادر أخرى للتلوث.

ولهذا، يشير الباحثون إلى ضرورة مقارنة القراءات بخرائط الحرائق وبيانات الطقس والسجلات البيئية الأخرى قبل تصنيف الارتفاع في تركيز الجسيمات على أنه ناتج عن دخان حرائق الغابات.

كما يمكن أن تتأثر دقة بعض مستشعرات الجسيمات بالرطوبة النسبية المرتفعة، خصوصًا عند تجاوز مستويات تتراوح بين 75 و80%، وهي مشكلة قال الباحثون إنها أقل أهمية في المناطق الجافة من غرب الولايات المتحدة، لكنها تظل عاملًا ينبغي مراعاته عند استخدام الجهاز في بيئات مختلفة.

ويحتاج النظام كذلك إلى استرجاع أطواق التتبع للوصول إلى البيانات المسجلة، ما يجعل جمع المعلومات وتحليلها مرتبطين بمدة بقاء الجهاز على الحيوان وإمكان استعادة الطوق.

تأثير دخان حرائق الغابات على الحياة البرية

حماية الموائل وتطوير إدارة حرائق الغابات

يمكن أن تساعد البيانات التي تجمعها هذه الأجهزة مديري الغابات والمحميات على فهم المناطق التي يتراكم فيها الدخان، والفترات التي يرتفع خلالها تعرض الحيوانات للجسيمات الدقيقة.

وتكتسب هذه المعلومات أهمية عند التخطيط للحرائق الموصوفة، وهي حرائق يجري إشعالها عمدًا وتحت رقابة محددة لإدارة الغابات وتقليل تراكم الوقود النباتي، بما يساعد على الحد من مخاطر بعض الحرائق الكبيرة.

وقال مارك ديتمر، إن معرفة متى وأين يصل الدخان إلى موائل الحيوانات قد تساعد المسؤولين على تخطيط عمليات الحرق الموصوف بما يحقق أهداف إدارة الغابات، مع تقليل التعرض للدخان خلال الفترات الحساسة أو داخل الموائل المهمة.

وفي متنزه يوسيميتي الوطني، وضع الفريق ثمانية أجهزة ثابتة داخل صناديق حماية مزودة بفتحات تسمح بمرور الهواء، في مناطق تقع ضمن نطاق موائل حيوان فيشر في جنوب سييرا نيفادا، وهو أحد الثدييات المرتبطة بالغابات ويواجه تحديات تتعلق بالحفاظ على موائله.

وقد تساعد هذه القياسات على تحديد مناطق اللجوء البيئي التي يمكن أن توفر ظروفًا أفضل للحيوانات أثناء موجات الدخان، وتدعم تصميم إجراءات إدارة أكثر مراعاة للحياة البرية.

وتتيح الطبيعة مفتوحة المصدر للمشروع للباحثين الآخرين الوصول إلى ملفات التصميم والبرمجيات اللازمة لبناء الجهاز، بما يسمح بتطويره واستخدامه في دراسات ميدانية جديدة.

ونُشرت الدراسة في دورية Methods in Ecology and Evolution، وتقدم أداة عملية منخفضة التكلفة لتعزيز فهم العلاقة بين حرائق الغابات وجودة الهواء والحياة البرية، خصوصًا في المناطق التي لا تغطيها شبكات الرصد التقليدية.

↑
Exit mobile version