تتزايد أهمية أسواق الكربون باعتبارها إحدى الأدوات الاقتصادية التي يمكن أن تسهم في تمويل العمل المناخي، من خلال تحويل مشروعات خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وإزالتها من الغلاف الجوي إلى أرصدة قابلة للتداول بين الدول والشركات والأفراد.
ووفقًا لشرح نشره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في 29 أغسطس 2025، فإن أسواق الكربون تتيح تداول أرصدة تمثل كميات من الانبعاثات التي جرى خفضها أو إزالتها، بما يساعد الجهات المشاركة على الوفاء بأهدافها المناخية، ويتيح توجيه استثمارات إضافية إلى مشروعات الطاقة المتجددة وكفاءة استخدام الطاقة وحماية الغابات واستعادة الأراضي الرطبة.
وتشير هذه الآلية إلى إمكانية الجمع بين الحوافز الاقتصادية والعمل المناخي، شريطة وضع قواعد دقيقة لضمان أن تكون التخفيضات المعلنة حقيقية وقابلة للقياس والتحقق، وأن تحقق المشروعات فوائد بيئية واجتماعية ملموسة.
ما أسواق الكربون وكيف تعمل؟
أسواق الكربون هي أنظمة يجري من خلالها شراء أرصدة الكربون وبيعها وتداولها. ويمثل رصيد الكربون، في السياق المعتاد، طنًا متريًا واحدًا من ثاني أكسيد الكربون، أو كمية مكافئة من غازات الاحتباس الحراري الأخرى التي جرى خفض انبعاثاتها أو إزالتها من الغلاف الجوي، وفقًا للمنهجية المعتمدة.
وتنشأ هذه الأرصدة من مشروعات وأنشطة تسهم في خفض الانبعاثات أو إزالة الكربون، مثل حماية الغابات وإعادة تأهيل الأراضي الرطبة والتحول من الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة المتجددة والتقاط غاز الميثان من مدافن النفايات وتحسين كفاءة استخدام الطاقة في المباني والمنشآت الصناعية.
وبعد تنفيذ المشروع وقياس نتائجه والتحقق منها وفقًا للمعايير المعمول بها، يمكن إصدار الأرصدة وتداولها في السوق. وتستطيع الحكومات والشركات والأفراد شراء هذه الأرصدة للمساهمة في تحقيق أهداف مناخية محددة، وفقًا للقواعد المنظمة لكل سوق.
وعند استخدام الرصيد في تسوية مطالبة مناخية، يُفترض إلغاؤه في السجل المعني، بما يمنع إعادة استخدامه أو احتسابه مرة أخرى من جانب مشترٍ آخر.
لكن نجاح هذه المنظومة يعتمد على جودة الأرصدة نفسها، وليس على مجرد إصدارها أو تداولها؛ إذ يجب التأكد من أن خفض الانبعاثات حقيقي، وأنه لم يكن ليحدث بالقدر نفسه في غياب المشروع، وأنه يمكن قياسه والتحقق منه، مع مراعاة مخاطر انعكاس النتائج أو زوالها بمرور الوقت.
لماذا تكتسب أسواق الكربون أهمية متزايدة؟
تأتي أهمية أسواق الكربون في وقت تتزايد فيه المخاطر المرتبطة بتغير المناخ، بينما لا تزال الاستثمارات المطلوبة للتحول إلى اقتصادات منخفضة الانبعاثات والتكيف مع آثاره أكبر من التمويلات المتاحة.
ويهدف اتفاق باريس للمناخ إلى الحد من ارتفاع متوسط درجة حرارة الأرض، مع مواصلة الجهود لحصر الزيادة في 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية. غير أن السياسات المناخية القائمة لا تزال غير كافية لتحقيق هذا الهدف، وفقًا للتقييمات المناخية الدولية.
وفي هذا السياق، يمكن لأسواق الكربون أن تساعد في تعبئة تمويل إضافي لمشروعات خفض الانبعاثات، من خلال إتاحة مصدر محتمل للإيرادات للمشروعات التي تحقق نتائج مناخية قابلة للقياس.
ووفقًا للبيانات التي أوردها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقريره التوضيحي، تغطي آليات تسعير الكربون نحو 28% من الانبعاثات العالمية، وحققت إيرادات تجاوزت 100 مليار دولار أمريكي خلال عام 2024.
وتشمل آليات تسعير الكربون أدوات مختلفة، مثل ضرائب الكربون وأنظمة تداول الانبعاثات، ولذلك لا تعني هذه الأرقام أن جميع الإيرادات جاءت من بيع أرصدة الكربون في الأسواق الطوعية.
ويمكن أن تسهم الإيرادات والتمويلات المرتبطة بهذه الآليات في دعم مشروعات الطاقة النظيفة والتنمية المستدامة، فضلًا عن توفير فرص لتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات المحلية التي تشارك في تنفيذ المشروعات أو تستفيد منها.
وتبرز أهمية ذلك بالنسبة إلى الشعوب الأصلية والمجتمعات التي تعتمد على الغابات والموارد الطبيعية في معيشتها. فوفقًا للمصدر، تتولى الشعوب الأصلية رعاية أكثر من ثلث الغابات السليمة المتبقية، وهي مناطق ذات أهمية كبيرة للتنوع البيولوجي وتخزين الكربون.
ومع ذلك، تواجه هذه المجتمعات عقبات في الوصول إلى التمويل المناخي. ويمكن للأسواق المصممة بصورة جيدة أن تساعد في الاعتراف بدورها في حماية النظم البيئية، بشرط احترام حقوقها وضمان حصولها على نصيب عادل من المنافع المالية والاجتماعية.
المادة السادسة من اتفاق باريس تعزز التعاون الدولي
اكتسبت أسواق الكربون زخمًا إضافيًا مع استكمال جوانب رئيسية من القواعد المنظمة للتعاون الدولي بموجب المادة السادسة من اتفاق باريس خلال مؤتمر الأطراف التاسع والعشرين للمناخ «كوب 29».
وتتيح المادة السادسة أطرًا للتعاون بين الدول في تنفيذ إجراءات خفض الانبعاثات، بما في ذلك نقل نتائج التخفيف بين الدول، وفقًا لقواعد المحاسبة والشفافية المعتمدة.
ووفقًا لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تعتزم 83% من الدول استخدام آليات الأسواق الدولية ضمن مساهماتها المحددة وطنيًا، وهي التعهدات والخطط التي تحدد من خلالها الدول إجراءاتها وأهدافها المناخية.
ومن شأن القواعد الأكثر وضوحًا أن تساعد في تعزيز الثقة في هذه الأسواق، إلا أن فاعليتها تظل مرتبطة بمدى الالتزام بالمحاسبة الدقيقة ومنع احتساب التخفيضات نفسها لصالح أكثر من جهة.
وفي الأسواق الطوعية، يتجه الطلب بصورة متزايدة نحو الأرصدة ذات الجودة المرتفعة، ولا سيما الأرصدة المرتبطة بالحلول القائمة على الطبيعة التي تحقق إزالة للكربون، وفقًا للمصدر.
ويأتي هذا التحول في وقت أشار فيه المصدر إلى انخفاض عدد المعاملات في سوق الكربون الطوعية بنسبة 25% خلال عام 2024، رغم استمرار الطلب على بعض فئات الأرصدة عالية الجودة.
ما أنواع أسواق الكربون؟
تنقسم أسواق الكربون إلى نوعين رئيسيين: الأسواق الإلزامية أو أسواق الامتثال، والأسواق الطوعية.
أولًا: أسواق الكربون الإلزامية
تنشأ هذه الأسواق بموجب قوانين أو لوائح تضعها الحكومات أو السلطات التنظيمية على المستوى الوطني أو الإقليمي، وقد ترتبط أيضًا بأطر التعاون الدولي.
ومن أبرز نماذجها أنظمة تداول الانبعاثات التي تعتمد على مبدأ «الحد الأقصى والتداول»، إذ تحدد الجهة المنظمة سقفًا للانبعاثات المسموح بها، وتُصدر أو تخصص وحدات انبعاثات للمنشآت المشمولة بالنظام.
ويمكن للمنشآت تداول هذه الوحدات وفقًا للقواعد المحددة، بينما يُخفض سقف الانبعاثات تدريجيًا في الأنظمة المصممة لتحقيق تخفيضات متزايدة بمرور الوقت.
ويختلف هذا النوع من الوحدات التنظيمية عن أرصدة الكربون الناتجة عن مشروعات خفض الانبعاثات أو إزالتها؛ فلكل منهما طبيعة محاسبية وتنظيمية مختلفة، ولا يجوز افتراض إمكانية استخدامهما بالتبادل إلا إذا سمحت القواعد بذلك.
ثانيًا: أسواق الكربون الطوعية
تتيح هذه الأسواق للشركات والأفراد والحكومات شراء أرصدة الكربون وبيعها لتحقيق أهداف مناخية طوعية، وفقًا للمعايير والبرامج التي تصدر الأرصدة وتتحقق من جودتها.
وتأتي الأرصدة من أنشطة متنوعة، منها إعادة التشجير وإدارة الغابات وتحسين كفاءة استخدام الطاقة ومشروعات الطاقة النظيفة وغيرها من الأنشطة التي تحقق تخفيضات أو عمليات إزالة قابلة للتحقق.
ويشمل الطلب على هذه الأرصدة شركات تسعى إلى دعم أهدافها المناخية، وأفرادًا يرغبون في تعويض جزء من انبعاثاتهم، ومستثمرين يتعاملون مع الأرصدة بوصفها أصولًا قابلة للتداول.
ويتمثل الفارق الأساسي بين السوقين في الغرض التنظيمي من استخدام الرصيد؛ إذ ترتبط أسواق الامتثال بالتزامات قانونية أو تنظيمية، بينما تعتمد الأسواق الطوعية على تعهدات وأهداف يحددها المشاركون لأنفسهم.
تجارب دولية في تطبيق أسواق الكربون
تتبنى دول ومناطق مختلفة آليات متنوعة لتسعير الكربون وتداول الانبعاثات، وفقًا لظروفها الاقتصادية والصناعية وأهدافها المناخية.
الاتحاد الأوروبي.. نظام راسخ لتداول الانبعاثات
يُعد نظام تداول الانبعاثات في الاتحاد الأوروبي من أقدم الأنظمة وأكثرها تطورًا. وبدأ تشغيله عام 2005، ويغطي قطاعات رئيسية، منها توليد الكهرباء والصناعات التحويلية والطيران ضمن نطاق النظام.
ويعتمد النظام على تحديد سقف للانبعاثات وتداول وحدات الانبعاثات بين الجهات المشمولة به، مع خفض السقف بمرور الوقت لدفع المنشآت إلى تقليل انبعاثاتها.
وشهد النظام إصلاحات متتابعة لزيادة طموحه المناخي وتحسين استقراره، بما يعزز دوره في دفع التحول نحو أنشطة اقتصادية أقل كثافة في الانبعاثات.
الصين.. أكبر نظام من حيث حجم الانبعاثات المشمولة
أطلقت الصين نظامها الوطني لتداول الانبعاثات عام 2021، وتوسع نطاقه خلال السنوات التالية.
ووفقًا للمصدر، أصبح النظام يغطي نحو سُبع الانبعاثات العالمية الناتجة عن احتراق الوقود الأحفوري، مع تركيز رئيسي على قطاع الكهرباء.
ويختلف النظام الصيني عن النموذج الأوروبي؛ إذ يعتمد على معايير كثافة الانبعاثات المرتبطة بمستويات الإنتاج، بدلًا من تطبيق سقف مطلق للانبعاثات بالطريقة نفسها المستخدمة في النظام الأوروبي.
وتعمل الصين على توسيع نطاق النظام ليشمل قطاعات صناعية أخرى، مثل الصلب والأسمنت والألومنيوم، بما يدعم أهدافها المتعلقة بالوصول إلى ذروة الانبعاثات وتحقيق الحياد الكربوني.
البرازيل.. إطار قانوني لسوق وطنية
استكملت البرازيل الإطار القانوني لإنشاء نظام وطني لتداول الانبعاثات عام 2024، بعد سنوات من العمل الفني والتشاور مع الأطراف المعنية.
ويستهدف النظام البدء بمتطلبات الرصد والإبلاغ عن الانبعاثات في القطاعات كثيفة الانبعاثات، تمهيدًا لتطوير سوق تشغيلية متكاملة تتماشى مع أهداف البلاد المناخية.
وتكتسب التجربة البرازيلية أهمية خاصة بالنظر إلى مكانة الغابات والنظم البيئية الطبيعية في سياسات المناخ، وإمكانية توجيه التمويل إلى مشروعات الحماية والاستعادة البيئية.
تجارب أخرى حول العالم
أطلقت نيوزيلندا نظام تداول الانبعاثات عام 2008، مع إدراج قطاعات متعددة، من بينها الغابات.
كما بدأت جمهورية كوريا تشغيل نظام وطني لتداول الانبعاثات عام 2015، بينما يرتبط النظام السويسري بنظام الاتحاد الأوروبي منذ عام 2020.
وتوجد أيضًا أنظمة مترابطة في كيبيك وكاليفورنيا ضمن مبادرة المناخ الغربية، التي توفر إطارًا للتعاون في تنظيم تداول الانبعاثات.
وفي المقابل، تعمل دول مثل المكسيك وتايلاند وإندونيسيا وفيتنام على تطوير أنظمتها الخاصة أو اختبار آليات تداول الانبعاثات.
وتقدم هذه التجارب دروسًا بشأن تصميم الأسواق وتوسيع نطاق القطاعات المشمولة وربط الأنظمة المختلفة، بما يساعد الدول على اختيار الآليات الأكثر ملاءمة لظروفها الاقتصادية وأهدافها المناخية.
<
div class=”mceTemp”>
من آلية التنمية النظيفة إلى اتفاق باريس
يشهد نظام تمويل مشروعات خفض الانبعاثات تحولًا من آلية التنمية النظيفة، التي أُنشئت بموجب بروتوكول كيوتو، إلى الآلية الجديدة المنصوص عليها في المادة السادسة، الفقرة 4، من اتفاق باريس.
وكانت آلية التنمية النظيفة تتيح لمشروعات خفض الانبعاثات في الدول النامية إصدار أرصدة يمكن للدول الصناعية استخدامها في الوفاء ببعض التزاماتها المناخية، وفقًا للقواعد التي كانت تنظم تلك الآلية.
وتجري عملية انتقال عدد من المشروعات إلى آلية إصدار الأرصدة بموجب اتفاق باريس، مع تطبيق متطلبات جديدة تتعلق بالنزاهة البيئية وحقوق الإنسان والاستدامة.
ويهدف هذا التحول إلى الحفاظ على استمرارية بعض المشروعات المؤهلة، مع تعزيز القواعد التي تحكم احتساب تخفيضات الانبعاثات واستخدام الأرصدة الناتجة عنها.
الطيران الدولي.. آلية أخرى للحد من الانبعاثات
يُعد برنامج التعويض عن الكربون وخفضه في الطيران الدولي «كورشيا» (CORSIA)، التابع لمنظمة الطيران المدني الدولي، أحد الأطر التي تستهدف معالجة نمو انبعاثات الطيران الدولي.
ويعتمد البرنامج على متطلبات محددة لمراقبة الانبعاثات والتعامل معها، بما في ذلك استخدام أرصدة مؤهلة لتغطية الانبعاثات الخاضعة لالتزامات التعويض، وفقًا لقواعد البرنامج ومراحله الزمنية.
ويسهم ذلك في خلق طلب على أرصدة تستوفي معايير الأهلية المعتمدة، بما في ذلك الأرصدة المرتبطة بمشروعات الطاقة النظيفة والحلول القائمة على الطبيعة، عندما تكون مؤهلة وفقًا لقواعد البرنامج.
ما أبرز التحديات التي تواجه أسواق الكربون؟
على الرغم من الفرص التي توفرها أسواق الكربون، فإن فعاليتها تواجه مجموعة من التحديات التي قد تقوض الثقة فيها إذا لم تُعالج بصورة جادة.
1. جودة أرصدة الكربون
لا تمثل جميع الأرصدة تخفيضات حقيقية أو إضافية أو مستدامة للانبعاثات. فقد ترتبط بعض الأرصدة بمشروعات لم تحقق النتائج المناخية المعلنة، أو كان من الممكن تنفيذها دون الحاجة إلى الإيرادات الناتجة عن بيع الأرصدة.
وأشار برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى وجود ما يقرب من مليار رصيد قديم غير مستخدم في السوق، يرتبط بعضها بمشروعات تحيط شكوك بالقيمة البيئية لنتائجها.
وتؤدي الأرصدة منخفضة الجودة إلى إضعاف الثقة في الأسواق، وقد تسمح للمشترين بإعلان تحقيق تقدم مناخي لا يعكس تخفيضات حقيقية في الانبعاثات.
ولمواجهة هذه المشكلة، تعمل جهات متخصصة، من بينها مجلس النزاهة لسوق الكربون الطوعية، على وضع معايير أكثر صرامة، مثل المبادئ الأساسية للكربون، لمساعدة المشترين والدول على تقييم جودة الأرصدة.
2. الاحتساب المزدوج لخفض الانبعاثات
يحدث الاحتساب المزدوج عندما تطالب أكثر من جهة باحتساب التخفيض نفسه لصالحها؛ كأن تسجل الدولة التي استضافت المشروع التخفيض ضمن تقدمها المناخي، بينما يستخدم المشتري الرصيد نفسه لإعلان تحقيق هدف مناخي آخر، من دون إجراء التسويات المحاسبية المطلوبة.
ويؤدي ذلك إلى تضخيم النتائج المعلنة، ويجعل من الصعب تقييم مدى التقدم الحقيقي نحو تحقيق الأهداف المناخية.
ولهذا السبب، تتضمن قواعد المادة السادسة من اتفاق باريس متطلبات محاسبية وإجراءات تسوية تهدف إلى منع احتساب نتائج التخفيف نفسها مرتين، ولا سيما عند نقل الأرصدة بين الدول.
3. الغسل الأخضر والادعاءات المناخية المضللة
يمثل الغسل الأخضر أحد أبرز المخاطر المرتبطة بأسواق الكربون، إذ قد تستخدم بعض الشركات أرصدة ضعيفة الجودة لتقديم نفسها باعتبارها صديقة للبيئة أو محايدة كربونيًا، رغم استمرار أنشطتها كثيفة الانبعاثات.
وقد تؤدي هذه الممارسات إلى تضليل المستهلكين والمستثمرين، وتقويض الثقة في الالتزامات المناخية للشركات.
ولذلك، تتزايد أهمية مطالبة الشركات بتقديم أدلة واضحة على صحة ادعاءاتها البيئية، وإعطاء الأولوية لخفض انبعاثاتها المباشرة وغير المباشرة، بدلًا من الاعتماد على شراء الأرصدة وحده بوصفه بديلًا عن التحول الفعلي في أنشطتها.
4. حماية المجتمعات المحلية والتنوع البيولوجي
قد تؤدي بعض المشروعات، إذا لم تُصمم وتُدار بصورة سليمة، إلى آثار اجتماعية وبيئية سلبية، مثل تقييد وصول المجتمعات المحلية إلى الأراضي أو الموارد الطبيعية، أو عدم توزيع المنافع المالية بصورة عادلة.
وتبرز هذه المخاطر بصورة خاصة في المشروعات المرتبطة بالغابات واستخدام الأراضي، حيث يجب تحقيق التوازن بين حماية الكربون والتنوع البيولوجي وحقوق السكان المحليين والشعوب الأصلية.
ويتطلب ذلك وضع ضمانات اجتماعية وبيئية قوية، واحترام حقوق المجتمعات المعنية، وضمان مشاركتها في اتخاذ القرارات وتوزيع المنافع الناتجة عن المشروعات.
كيف يدعم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أسواق الكربون؟
يعمل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مع الدول على تصميم أسواق كربون تتسم بالنزاهة والشفافية، وتدعم تحقيق الأهداف المناخية الوطنية، مع تحقيق فوائد للتنمية المستدامة.
ويشمل الدعم المقدم تطوير الأطر القانونية والسياسات العامة، وتعزيز الجاهزية الفنية والمؤسسية، ووضع الضمانات البيئية والاجتماعية، ومواءمة الأنظمة الوطنية مع قواعد اتفاق باريس، ولا سيما المادة السادسة.
ومن خلال مبادرته المعنية بأسواق الكربون عالية النزاهة، يعمل البرنامج مع الحكومات والشركاء والجهات الفاعلة في السوق على وضع قواعد واضحة وأنظمة للتحقق، بما يضمن تحقيق نتائج مناخية قابلة للقياس وتحقيق فوائد ملموسة للناس والبيئة.
كما يساعد البرنامج الدول على بناء القدرات اللازمة للمشاركة في الأسواق الإلزامية والطوعية، والاستفادة من الأدلة والأدوات التي تدعم فهم متطلبات الدخول إلى هذه الأسواق وإدارتها.
وفي البرازيل، دعم البرنامج جهود تطوير نظام وطني لتداول الانبعاثات، يتضمن تخصيص 5% من إيرادات أسواق الكربون للمجتمعات الأصلية، وفقًا لما أورده المصدر.
ويعمل البرنامج كذلك مع تركيا والهند على تطوير الجوانب القانونية والمؤسسية وأنظمة البيانات اللازمة لإعداد أنظمة تداول الانبعاثات.
وفي كمبوديا، يدعم البرنامج دراسة فرص الاستفادة من أسواق الكربون الدولية الإلزامية والطوعية لتعبئة الاستثمارات في قطاعات ذات أولوية، تشمل الطاقة والغابات واستخدام الأراضي، بما يتماشى مع التزامات البلاد المناخية واستراتيجيتها طويلة الأجل للحياد الكربوني.
كما تعمل غانا وبيرو، بالتعاون مع البرنامج الإنمائي وسويسرا، على تطبيق نماذج للتعاون في أسواق الكربون بموجب المادة السادسة، الفقرة 2، من اتفاق باريس.
وتوفر هذه التجارب نماذج عملية للدول التي تسعى إلى دخول أسواق الكربون بصورة موثوقة، مع الاستفادة من التمويل المناخي وتعزيز الاستثمار الخاص في مشروعات خفض الانبعاثات.
أسواق الكربون.. فرصة مشروطة بالنزاهة والشفافية
تتمتع أسواق الكربون بإمكانات مهمة لتعبئة التمويل اللازم للتحول إلى اقتصادات منخفضة الانبعاثات وأكثر قدرة على مواجهة تغير المناخ، من خلال ربط الموارد المالية بمشروعات تحقق نتائج مناخية قابلة للقياس.
لكن هذه الإمكانات لا تتحقق بمجرد إنشاء سوق أو إصدار أرصدة؛ بل تتطلب قواعد واضحة للمحاسبة والتحقق، ومنع الاحتساب المزدوج، وحماية حقوق المجتمعات المحلية، ومواجهة الادعاءات البيئية المضللة.
ومع تطور قواعد اتفاق باريس وتزايد اهتمام الدول والشركات بالأرصدة عالية الجودة، تتوقف قدرة أسواق الكربون على دعم العمل المناخي على مدى نجاحها في إثبات أن التمويل الموجه إليها يؤدي إلى خفض حقيقي ومستدام للانبعاثات، وليس مجرد نقل محاسبي للمسؤولية عن التلوث.
