4 آلاف نهر جليدي قد يختفي في عام واحد بحلول 2041
وداعًا للأنهار الجليدية.. ذروة الفقدان السنوي متوقعة منتصف القرن
توقعت دراسة علمية حديثة أن يبلغ اختفاء الأنهار الجليدية ذروته منتصف القرن الحالي، مع احتمال فقدان ما يصل إلى 4 آلاف نهر جليدي في عام واحد، في مؤشر خطير يربط قرارات المناخ الحالية بمصير مساحات واسعة من الجليد حول العالم.
الدراسة، المنشورة في مجلة Nature Climate Change، تقدم جدولًا زمنيًا دقيقًا لفقدان الأنهار الجليدية، وتحول الظاهرة من أرقام تراكمية إلى خسائر سنوية ملموسة.
تتبع كل نهر جليدي على حدة
اعتمد باحثون من المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ ETH Zurich على بيانات الأقمار الصناعية لرسم حدود الأنهار الجليدية بدقة، ما أتاح تتبع كل نهر جليدي بشكل منفصل.
وقاد الدراسة عالم الجليد Lander Van Tricht، الذي ركز على عدد الأنهار الجليدية التي تختفي سنويًا عند تجاوزها الحد الأدنى من الحجم، بدلًا من الاكتفاء بقياس إجمالي كمية الجليد المفقودة.
هذا النهج العددي كشف عن سنوات الذروة، وأبرز أهمية الأنهار الصغيرة التي قد يكون لاختفائها تأثير محلي كبير على المياه والسياحة والهوية الثقافية.

متى تبلغ الخسائر ذروتها؟
تشير النماذج إلى أن ذروة الانقراض الجليدي ستحدث وفقًا لمسار الاحترار العالمي:
- عند حصر الاحترار في 1.5 درجة مئوية (2.7 فهرنهايت)، قد يبلغ عدد الأنهار الجليدية المختفية نحو 2000 نهر سنويًا بحلول عام 2041، قبل أن يبدأ الرقم في التراجع.
- في سيناريوهات الاحترار الأعلى، تتأخر الذروة وتزداد حدتها، لأن الأنهار الأكبر تستمر في الانكماش حتى تتجاوز عتبة الاختفاء.
- ويؤكد الباحثون أن تراجع عدد الاختفاءات بعد الذروة لا يعني توقف الذوبان، بل ببساطة انخفاض عدد الأنهار المتبقية القابلة للاختفاء.
أرقام 2100.. خريطة جديدة للكوكب
في عام 2025، بلغ عدد الأنهار الجليدية عالميًا نحو 211,490 نهرًا. لكن بحلول عام 2100، تتباين النتائج بشدة حسب مسار الانبعاثات:
عند 1.5 درجة مئوية: يبقى نحو 95,957 نهرًا جليديًا
عند 2.7 درجة مئوية: يتراجع العدد إلى 43,852
عند 4 درجات مئوية: لا يبقى سوى 18,288 نهرًا جليديًا
وتبرز هذه الأرقام الفجوة الهائلة بين مسارات السياسات المناخية المختلفة، حيث يحدد كل جزء من الدرجة مصير عشرات الآلاف من الأنهار الجليدية.

أين ستكون الخسائر الأسرع؟
تتباين سرعة الاختفاء حسب الجغرافيا وحجم الأنهار:
- في جبال الألب الأوروبية والأنديز شبه الاستوائية في تشيلي والأرجنتين، قد يختفي نحو نصف الأنهار الجليدية خلال عقدين فقط.
- في أطراف جرينلاند وبعض مناطق القارة القطبية الجنوبية، تستغرق العملية وقتًا أطول بسبب ضخامة الكتل الجليدية.
- الأنهار الصغيرة أكثر هشاشة، إذ لا تمتلك ارتفاعات كافية تحميها من ارتفاع درجات الحرارة.
لماذا يشكل الاختفاء أزمة محلية؟
رغم أن الأنهار الجليدية الصغيرة تساهم بنسبة محدودة في ارتفاع مستوى سطح البحر مقارنة بالصفائح الجليدية الكبرى، فإن اختفاءها يترك آثارًا مباشرة على المجتمعات المحلية:
- انخفاض تخزين الثلوج الشتوية
- تراجع تدفق المياه الذائبة خلال مواسم الجفاف
- تهديد مصادر الشرب والري
- تراجع السياحة الجبلية والأنشطة المرتبطة بالجليد
بل إن التأثيرات الثقافية تبدأ قبل الاختفاء الكامل، إذ تؤدي التشققات والانهيارات إلى إغلاق مواقع سياحية وإلغاء فعاليات تقليدية.
مثال حي: تفكك الجبل الجليدي A-23A
بعيدًا عن الوديان الجبلية، رصدت النماذج تفكك أحد أكبر الجبال الجليدية في العالم، وهو A-23A.
انفصل هذا الجبل عن القارة القطبية الجنوبية عام 1986، وبحلول يناير 2026 تقلصت مساحته إلى نحو 1,181 كيلومترًا مربعًا.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية بركًا مائية زرقاء على سطحه، وهي علامة على ضعف داخلي متسارع، إذ يزيد وزن المياه من اتساع الشقوق ويُسرّع الانفصال.

فيزياء الذوبان.. لماذا يستمر التراجع؟
يحدث الاختفاء عندما يفوق الذوبان الصيفي تساقط الثلوج الشتوية عامًا بعد عام. ومع ارتفاع خط التجمد، تتحول العواصف الثلجية إلى أمطار، ما يقلل من تراكم الثلوج الجديدة.
كما يؤدي ترقق الجليد إلى بطء انسيابه، وكشف مساحات أغمق تمتص مزيدًا من الحرارة، ما يعجل الذوبان، وحتى لو استقرت درجات الحرارة، فإن العديد من الأنهار الجليدية ستواصل الانكماش لعقود بسبب بطء استجابتها الهندسية للتغيرات المناخية.
السياسة تلتقي بالفيزياء
تشير الدراسة إلى أن كل خفض في الانبعاثات يترجم مباشرة إلى عدد أكبر من الأنهار الجليدية التي تتجاوز عتبة البقاء.
ورغم وجود تحديات في تعريف الحد الأدنى لحجم النهر الجليدي، فإن الاتجاه العام واضح: تقليل الاحترار يمنح الجليد وقتًا أطول، ويمنح المجتمعات فرصة للتكيف مع واقع مائي وسياحي جديد.

الخلاصة
لم يعد تراجع الأنهار الجليدية مسألة بعيدة أو تدريجية فقط، بل بات يحمل موعدًا محددًا لذروة الخسارة، منتصف هذا القرن.
وما بين مسار احترار محدود وآخر مرتفع، تتحدد خريطة الجليد على كوكب الأرض، ويتحدد معها مستقبل المياه والسياحة والهوية البيئية لمناطق بأكملها.





