36 مليار جنيه سنويًا.. فاتورة تغير المناخ تهدد اقتصاد لندن بحلول 2050
تغير المناخ يهدد اقتصاد لندن.. مليارات الجنيهات لخسائر الحرارة والجفاف والبنية التحتية
قد يدفع تغير المناخ اقتصاد العاصمة البريطانية لندن إلى خسائر تصل إلى 36 مليار جنيه إسترليني سنويًا بحلول خمسينيات هذا القرن، نتيجة تزايد موجات الحر والظواهر الجوية المتطرفة وتأثيراتها على ساعات العمل والخدمات والبنية التحتية.
ووفق تقرير أصدره عمدة لندن ومجالس المدينة، فإن ارتفاع درجات الحرارة وتكرار الأحداث المناخية المتطرفة سيؤديان خلال العقود المقبلة إلى خسائر اقتصادية متزايدة، مع تأثيرات مباشرة على إنتاجية العاملين والشركات والنقل والبنية التحتية.
ويحذر التقرير من أن تغير المناخ لم يعد تهديدًا مستقبليًا للعاصمة البريطانية، وإنما بدأ بالفعل في التأثير على حياة السكان والخدمات الأساسية والاقتصاد.
موجات الحر تضغط على لندن
شهد صيف 2026 تعرض المملكة المتحدة لسلسلة من موجات الحر، وصلت إلى خمس موجات متتالية، بالتزامن مع أسابيع من انخفاض هطول الأمطار، ما وضع ضغوطًا كبيرة على الخدمات العامة وأنظمة المياه والبنية التحتية.
وتعرضت مستشفيات لمشكلات مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة، فيما تعاني مساحات واسعة من البلاد من الجفاف.
كما تسببت موجة حر واحدة خلال يونيو الماضي في خسائر قدرت بنحو 1.15 مليار جنيه إسترليني للاقتصاد البريطاني، بعدما اضطر العاملون في القطاعات الخارجية إلى تقليص ساعات العمل، إلى جانب تفاقم المشكلات الصحية المرتبطة بالحرارة.
وكانت لندن من بين المناطق التي سجلت درجات حرارة مرتفعة بشكل خاص، إذ يؤدي تأثير الجزيرة الحرارية الحضرية إلى زيادة الحرارة داخل المدينة مقارنة بالمناطق المحيطة بها.
الحرارة تهدد حياة سكان لندن
لا تحتاج درجات الحرارة إلى تسجيل مستويات قياسية حتى تتسبب في ارتفاع الوفيات المرتبطة بالحرارة.
ووفق التقرير، فإن نحو 90% من الوفيات الإضافية المرتبطة بالحرارة في لندن تحدث عندما تتراوح درجات الحرارة بين 24 و32 درجة مئوية.
كما يواجه سكان لندن في منتصف العمر خطرًا أكبر للوفاة بسبب الحرارة مقارنة بأشخاص من الفئة العمرية نفسها في مناطق أخرى من المملكة المتحدة.
ويعكس ذلك حساسية المدن الكبرى للحرارة، حيث تتضافر الكثافة العمرانية والأسطح الخرسانية والأسفلتية وقلة الظل والمساحات الخضراء في رفع درجات الحرارة، خصوصًا خلال موجات الحر الممتدة.
خسائر اقتصادية تتجاوز ساعات العمل
لا تقتصر تداعيات ارتفاع الحرارة على التأثير المباشر في صحة السكان، وإنما تمتد إلى النشاط الاقتصادي بأكمله.
وتؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى تعطيل خدمات النقل، وانخفاض أعداد المترددين على المتاجر والمنشآت التجارية، وتراجع إنتاجية الموظفين.
كما يمكن أن تتسبب الظروف المناخية القاسية في تعطيل البنية التحتية ورفع تكاليف التشغيل والصيانة، بما يؤثر في الناتج الاقتصادي للمدينة.
وقال جون ديكي، الرئيس التنفيذي لمنظمة BusinessLDN التي تمثل الشركات العاملة في لندن، إن ارتفاع درجات الحرارة يؤثر في الشركات من خلال تعطيل خدمات النقل، وتقليل حركة العملاء، وخفض إنتاجية العاملين.
وأكد أن النتائج الجديدة تبرز أهمية الاستثمار في المرونة المناخية لدعم اقتصاد لندن في مواجهة المخاطر المتزايدة.
45 مليار جنيه لتأهيل المباني
يرى التقرير أن المنازل والمباني العامة في لندن تحتاج إلى عمليات تأهيل واسعة حتى تصبح أكثر قدرة على التعامل مع ارتفاع درجات الحرارة.
وقد تتراوح تكلفة تعديل أكثر المنازل عرضة للخطر بين 9 مليارات و45 مليار جنيه إسترليني.
لكن هذه الاستثمارات يمكن أن تحقق عوائد اقتصادية واجتماعية كبيرة، إذ قد تصل الوفورات الناتجة عن تحسين الإنتاجية والصحة وجودة النوم إلى 1.8 ضعف تكلفة عمليات التأهيل.
وتشمل الإجراءات المقترحة تحسين قدرة المباني على مقاومة الحرارة، إلى جانب تصميم منازل ومبانٍ أكثر برودة وكفاءة في استهلاك الطاقة.
لندن توسع المساحات الخضراء والظل
تعتزم سلطات العاصمة التركيز على حماية وتحسين الحدائق والمساحات الخضراء، إلى جانب زيادة الظلال في الأماكن العامة والترويج للمساحات العامة الباردة خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة.
كما تتضمن خطط التكيف توسيع إمكانية الوصول إلى مياه الشرب ودورات المياه العامة، باعتبارها إجراءات أساسية لحماية السكان خلال موجات الحر.
وتأتي هذه الإجراءات ضمن توجه أوسع لجعل أحياء لندن أكثر خضرة وظلًا وقدرة على التعامل مع المناخ الأكثر حرارة.
وقال عمدة لندن صادق خان إن تغير المناخ أصبح بالفعل يهدد حياة سكان العاصمة، ويعطل الخدمات الحيوية، ويتسبب في خسائر اقتصادية تقدر بمئات الملايين من الجنيهات سنويًا.
وشدد على ضرورة إنشاء منازل ومبانٍ أكثر برودة، وأحياء أكثر خضرة وظلًا، وبنية تحتية قادرة على تحمل المناخ الأكثر حرارة.

مترو لندن أمام تحدي الحرارة
يمتد تأثير تغير المناخ أيضًا إلى شبكة النقل.
ويدعو التقرير هيئة النقل في لندن إلى تزويد قطارات مترو الأنفاق الجديدة بأنظمة تكييف هواء، إلى جانب البحث عن حلول جديدة لخفض درجات الحرارة داخل العربات وعلى أرصفة المحطات.
ويمثل ارتفاع الحرارة تحديًا خاصًا لشبكة المترو، التي تعمل أجزاء كبيرة منها في بيئات مغلقة وتحت الأرض، حيث يمكن أن تتراكم الحرارة خلال موجات الحر.
صيف 2022 كشف حجم الخطر
قدمت موجة الحر التي شهدتها المملكة المتحدة عام 2022 نموذجًا واضحًا للتكلفة الاقتصادية المحتملة للحرارة الشديدة.
وفي ذلك العام، تجاوزت درجات الحرارة في بريطانيا 40 درجة مئوية للمرة الأولى، وتسببت الحرارة في أضرار لشبكات السكك الحديدية، من بينها التواء بعض القضبان، إلى جانب أعطال في مراكز بيانات تستخدمها المستشفيات، ما تطلب إنفاق 1.4 مليون جنيه إسترليني إضافية لمعالجة آثارها.
كما ارتفع استهلاك المياه بنحو 50% خلال ذلك الصيف.
وقدرت التكلفة الإجمالية لموجات الحر التي شهدتها لندن خلال صيف 2022 بنحو 1.5 مليار جنيه إسترليني.
وتشير هذه التجربة إلى أن تكلفة التأقلم مع تغير المناخ قد تصبح أكبر بكثير مع تزايد تكرار موجات الحر وشدتها خلال العقود المقبلة.

التكيف المناخي لم يعد خيارًا
تواجه لندن معادلة واضحة: كلما ارتفعت درجات الحرارة وتكررت الظواهر المناخية المتطرفة، ارتفعت تكلفة عدم الاستعداد لها.
ومن ثم، لا تقتصر الاستجابة المطلوبة على خفض الانبعاثات، بل تشمل أيضًا الاستثمار في البنية التحتية والمباني والنقل والمساحات الخضراء والخدمات العامة القادرة على العمل بكفاءة في مناخ أكثر حرارة.
ومع توقع وصول الخسائر الاقتصادية إلى 36 مليار جنيه إسترليني سنويًا بحلول خمسينيات القرن، يتحول التكيف مع تغير المناخ بالنسبة إلى لندن من قضية بيئية إلى ضرورة اقتصادية وصحية وعمرانية.

