135 هجومًا على البنية التحتية الخليجية.. كيف ضربت إيران شرايين النفط والغاز والمياه وأربكت أمن الطاقة العالمي؟
هجمات دقيقة تضرب قلب البنية التحتية الخليجية
كشف تحقيق موسع لوكالة «رويترز» أن إيران وحلفاءها نفذوا ما لا يقل عن 135 هجومًا بالصواريخ والطائرات المسيّرة على 84 موقعًا للبنية التحتية في دول الخليج منذ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026، في حملة استهدفت منشآت حيوية للطاقة والنقل والمياه والصناعة، وألحقت أضرارًا اقتصادية واسعة بالمنطقة.
ووفقًا للتحقيق المنشور في 15 أكتوبر، لم تقتصر الهجمات على إصابة منشآت كبيرة أو أهداف ظاهرة، بل طالت معدات تشغيلية محددة داخل مواقع استراتيجية، من بينها أنظمة نقل النفط إلى أرصفة الشحن، ومعدات تسييل الغاز الطبيعي، ومحطات ضخ خطوط الأنابيب، وأنظمة كهربائية داخل محطة نووية، ومرافق إنتاج المياه المحلاة.
وتشير مراجعة صور الأقمار الصناعية ومقاطع الفيديو والبيانات الرسمية، إلى جانب مقابلات مع 36 شخصًا مطلعًا على الهجمات، إلى أن الأضرار أصابت في حالات عديدة معدات ضرورية لتشغيل المنشآت، ما أدى إلى توقفات امتدت لأسابيع أو أشهر، مع توقع استمرار إصلاح بعض المواقع حتى عام 2027 وما بعده.
ويقدم التحقيق صورة عن تحول البنية التحتية الاقتصادية إلى إحدى ساحات المواجهة الرئيسية في الحرب، بما يهدد إمدادات الطاقة ويزيد مخاطر اضطراب التجارة العالمية، حتى في الدول التي تمتلك أنظمة دفاع جوي متقدمة.

الفجيرة.. ضرب المنفذ الذي يلتف على مضيق هرمز
كانت منشآت الفجيرة النفطية في الإمارات من أكثر المواقع استهدافًا، نظرًا إلى موقعها الاستراتيجي جنوب مضيق هرمز، الذي جعلها منفذًا مهمًا لتصدير النفط والمنتجات البترولية بعيدًا عن المضيق الذي فرضت الحرب قيودًا شديدة على الملاحة عبره.
ووفقًا لتحليل «رويترز»، تعرضت الفجيرة لما لا يقل عن 19 هجومًا إيرانيًا منذ بداية الحرب، استهدفت خزانات النفط وأنظمة نقل الخام والمنتجات النفطية إلى أرصفة الشحن.
وبدأت الهجمات المعلنة في 3 مارس، عندما اشتعلت النيران في خزانات نفط استمرت آثارها ظاهرة عبر صور الأقمار الصناعية لعدة أيام. وفي هجمات لاحقة خلال مارس، تضررت أنظمة توزيع النفط المعروفة باسم «مشعبات الأنابيب»، وهي نقاط تجمع وتحويل تربط خطوط نقل النفط بمحطات التخزين وأرصفة تحميل السفن.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية، بحسب التحقيق، تضرر نظامين رئيسيين من هذه الأنظمة، ما ألحق أضرارًا مباشرة بقدرة الميناء على نقل الخام والمنتجات المكررة إلى السفن.
وانخفضت صادرات الفجيرة إلى نحو 440 ألف برميل يوميًا خلال الأسبوع الذي بدأ في 16 مارس، أي إلى أقل من نصف متوسطها اليومي في عام 2025، وفق بيانات شركة «كبلر» لتحليل أسواق الطاقة.
ورغم تعافي الصادرات لاحقًا، استمرت الهجمات. ففي 4 مايو، أصابت طائرة مسيّرة خطوطًا مرتبطة بأحد أنظمة نقل النفط المتضررة سابقًا، وأعقب ذلك توقف شبه كامل لصادرات المنتجات النفطية المكررة من الميناء لمدة شهر تقريبًا، قبل أن تبدأ في التعافي بصورة أوسع في سبتمبر.
وتكشف هذه الوقائع أن تعطيل جزء محدود من المعدات قد يكون كافيًا لعرقلة منظومة تصدير كاملة، حتى إذا بقيت الخزانات وخطوط الأنابيب الرئيسية قائمة.

قطر.. ضرب منشآت الغاز المسال يهدد الإمدادات العالمية
امتدت الهجمات إلى منشآت رأس لفان في قطر، أحد أهم مراكز إنتاج الغاز الطبيعي المسال في العالم، حيث أصابت ضربات إيرانية وحدتين من المعدات المعروفة باسم «الصناديق الباردة»، التي تستخدم درجات حرارة شديدة الانخفاض لتحويل الغاز إلى سائل يسهل نقله بالسفن.
وتكمن أهمية هذه المعدات في أنها جزء أساسي من عملية تسييل الغاز، بينما يتطلب تصنيعها واستبدالها وقتًا طويلًا بسبب طبيعتها الصناعية المعقدة.
ونقل تحقيق «رويترز» عن الرئيس التنفيذي لشركة قطر للطاقة، سعد الكعبي، تقديراته في مقابلة سابقة بأن إصلاح الصناديق الباردة التي دُمرت في هجومين إيرانيين قد يستغرق من ثلاث إلى خمس سنوات.
وأشار التحقيق إلى أن الأضرار التي لحقت برأس لفان هددت ما يقارب 20% من تدفقات الغاز الطبيعي المسال العالمية، ما يوضح حجم المخاطر التي يمكن أن تتجاوز حدود الخليج لتصل إلى أسواق الغاز في الدول المستوردة.
كما شملت المواقع التي يُتوقع أن يستغرق إصلاحها عامًا أو أكثر مجمع حبشان للغاز في الإمارات، ومصفاة «بيرل» لتحويل الغاز إلى سوائل في قطر، ومصهر الطويلة للألومنيوم في الإمارات.

السعودية.. تعطيل المصافي وخطوط نقل النفط
في السعودية، طالت الهجمات مصافي ومراكز معالجة نفطية وخطوط أنابيب تمثل جزءًا أساسيًا من قدرة المملكة على الإنتاج والتصدير.
وبحسب التحقيق، تضررت خمسة من أكبر تسع مصافٍ سعودية، إلى جانب ثلاثة مراكز رئيسية لمعالجة النفط، بينها منشأة تصفها أرامكو بأنها الأكبر عالميًا من نوعها.
وتعرضت مصفاة ينبع لهجوم بطائرة مسيّرة في 19 مارس، ما أدى إلى خفض إنتاجها إلى نحو 70% من طاقتها حتى 9 أبريل، وفق تقديرات شركة «آي آي آر إنرجي» المتخصصة في استخبارات الطاقة.
كما تعرضت مصفاة جازان لأربع هجمات على الأقل بين 25 يوليو و7 سبتمبر. وأشار التحقيق إلى أن الهجمات ألحقت أضرارًا بمنطقة خزانات المصفاة ومجمع صناعي يوفر الغاز المستخدم في تشغيلها، وأن أحجام التكرير انخفضت إلى الصفر عقب الهجمات، وفق مصادر وبيانات استشهد بها التقرير.

وفي 10 سبتمبر، تعرضت ثلاث محطات ضخ على خط الأنابيب السعودي شرق–غرب لهجوم جوي، ما أدى إلى تدمير إحدى المحطات ووقف تدفق الخام عبر الخط لمدة 11 يومًا.
ويكتسب هذا الخط أهمية استراتيجية لأنه يتيح نقل النفط من شرق السعودية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، متجاوزًا مضيق هرمز. لكن الوصول إلى البحر الأحمر لا يخلو بدوره من مخاطر أمنية مرتبطة بالملاحة في باب المندب والهجمات المنطلقة من اليمن.
ووفق التحقيق، هبط إنتاج السعودية النفطي إلى أقل من 7 ملايين برميل يوميًا خلال معظم الأشهر الستة الأولى من الحرب، مقارنة بأكثر من 10 ملايين برميل يوميًا قبلها. وقدّر التقرير الخسارة المالية الناتجة عن تراجع الإنتاج بأكثر من 50 مليار دولار وفق الأسعار المستخدمة في حساباته.
وتوضح هذه التطورات أن امتلاك مسارات بديلة لتصدير النفط لا يوفر حماية كاملة، إذا أمكن استهداف محطات الضخ والمصافي والمرافق التي تربط حلقات منظومة الإنتاج والتصدير ببعضها.
محطة براكة النووية.. ضربة أصابت نظامًا كهربائيًا حيويًا
من بين أكثر الهجمات حساسية، الضربة التي استهدفت مبنى يضم معدات كهربائية في محطة براكة للطاقة النووية بالإمارات في 17 مايو.
وبحسب ما نقلته «رويترز» عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أدى الهجوم إلى اضطرار أحد المفاعلات الأربعة إلى الاعتماد على مولدات الديزل الاحتياطية.
وقال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، إن الواقعة أظهرت مستوى تفصيليًا من المعرفة بالموقع، بينما لم تعترض المؤسسة الإماراتية للطاقة النووية على تحليل الأضرار الذي عرضه التحقيق.
وأكدت المؤسسة أن أنظمة السلامة والإجراءات المعتمدة عملت كما صُممت، وأنه لم تقع إصابات أو انبعاثات إشعاعية، وظلت مستويات الإشعاع ضمن المعدلات الطبيعية، ولم ينشأ خطر على الجمهور أو البيئة.
وتوضح الواقعة حساسية الأنظمة الكهربائية المساندة في المنشآت النووية، حتى عندما لا تتعرض المفاعلات نفسها لأضرار مباشرة. ومع ذلك، لا يشير التقرير إلى وقوع تسرب إشعاعي أو فقدان السيطرة على سلامة المحطة.

الكويت.. البنية التحتية للمياه تتحول إلى نقطة ضعف
لم تقتصر الهجمات على النفط والغاز، بل امتدت إلى مرافق الكهرباء وتحلية المياه في الكويت، التي تعتمد بصورة كبيرة على تحلية مياه البحر لتأمين احتياجات السكان.
وبحسب التحقيق، تعرضت أربع محطات على الأقل من أصل ثماني محطات تجمع بين إنتاج الكهرباء وتحلية المياه لهجمات إيرانية خلال الفترة من 2 مارس إلى 20 يوليو، مع تعرض بعض المواقع لضربات متكررة.
وتنتج محطة الصبية للكهرباء وتحلية المياه نحو 20% من مياه الشرب في الكويت، وقد تعرضت لأضرار وصفها خبير في تحلية المياه بأنها واسعة خلال هجوم في 18 يوليو.
وتكتسب هذه الهجمات خطورتها من طبيعة البيئة الصحراوية في الكويت، حيث تمثل محطات التحلية مصدرًا رئيسيًا للمياه العذبة، كما ترتبط بعض هذه المنشآت بمحطات كهرباء توفر الطاقة اللازمة لعمليات المعالجة.
وبالتالي، فإن تعطيل هذه المنشآت قد يؤدي إلى أزمة تتجاوز خسائر الطاقة لتصل إلى إمدادات المياه والخدمات الأساسية، خاصة إذا تضررت قدرات الإنتاج لفترات طويلة ولم تتوافر بدائل كافية.

المطارات ومراكز البيانات ومصانع الألومنيوم ضمن دائرة الاستهداف
امتدت الهجمات إلى مطارات في البحرين والكويت والإمارات والسعودية، إضافة إلى مراكز بيانات تابعة لشركة «أمازون» في الإمارات والبحرين.
وأشار التحقيق إلى أن بعض الخدمات في مراكز البيانات المتضررة ظلت معطلة بعد الهجمات، بسبب تعذر إصلاح المعدات المتضررة سريعًا، بينما أعلنت الشركة أنها تواصل العمل على استعادة الموارد التشغيلية في المنطقة.
كما أصابت هجمات مصهر الطويلة للألومنيوم في الإمارات محطة الكهرباء وخطًا من خطوط خلايا الصهر، ما أدى إلى توقف الخلايا البالغ عددها 1262 خلية عن العمل.
واستغرق الأمر شهرين قبل إعادة تشغيل أول خلية، وبحلول أواخر أغسطس لم يكن قد عاد إلى العمل سوى نحو ربع الخلايا، وفق بيانات الشركة التي نقلها التقرير. ومن المتوقع ألا يعود الإنتاج إلى مستوياته الطبيعية قبل عام 2027.
وعقب الهجمات على المصهر الإماراتي ومصهر آخر في البحرين، ارتفع السعر العالمي للألومنيوم بنحو 5% إلى أعلى مستوى له في أربع سنوات، بحسب التحقيق.
وتبرز هذه الوقائع كيف يمكن للهجمات على منشآت محددة أن تؤثر في قطاعات صناعية عالمية، من المعادن إلى الخدمات الرقمية والنقل الجوي.

لماذا يصعب اعتراض جميع الهجمات؟
يرى خبراء استشارهم تحقيق «رويترز» أن اختيار معدات صغيرة أو موجودة داخل مبانٍ قد يجعل اكتشافها واستهدافها أكثر تعقيدًا، كما أن تعطيل مكون واحد بالغ الأهمية قد يوقف منشأة أكبر بكثير.
وأشار التقرير إلى أن بعض الأهداف لا يتجاوز عرضها بضعة أمتار، بينما توجد معدات أخرى داخل مبانٍ أو تحت أسقف ومظلات يصعب رصدها من صور الأقمار الصناعية.
كما نقل عن مسؤولين مطلعين أن إيران قد تكون حصلت على معلومات استخباراتية عن مواقع حساسة، من بينها مخططات لمحطة براكة النووية وموقع محطة كهربائية تعرضت للهجوم. وذكر التقرير أن مسؤولين يعتقدون باحتمال حصول إيران على معلومات من روسيا والصين، إلى جانب الاعتماد على مصادر بشرية وشبكات محلية.
لكن هذه المزاعم لا تثبت وحدها مصدر المعلومات أو دور أي دولة في توفيرها؛ إذ لم تقدم المادة دليلًا قاطعًا يحدد مسؤولية روسيا أو الصين عن توفير بيانات استُخدمت في الهجمات.
وفي المقابل، تؤكد القيادة المركزية الأمريكية أن القوات الأمريكية اعترضت آلاف الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية، وأن منظومات الدفاع ساعدت في حماية دول المنطقة وتقليل الخسائر.
اتهامات متبادلة بشأن حجم الأضرار
وجد تحقيق «رويترز» أن حكومات خليجية نسبت الأضرار في 34 بيانًا رسميًا على الأقل إلى حطام صواريخ أو طائرات مسيّرة جرى اعتراضها، بدلًا من الإقرار بأن الضربات أصابت المعدات مباشرة.
وبحسب الوكالة، راجع 14 خبيرًا ومسؤولًا سابقًا ومطلعًا على المنشآت الصور والنتائج التي توصل إليها التحقيق، ورأوا أن تفسير الأضرار الواسعة التي لحقت بمعدات تشغيلية أساسية على أنها ناتجة أساسًا عن حطام عشوائي أمر غير مرجح.
في المقابل، فرضت بعض دول الخليج قيودًا على تصوير آثار الهجمات ونشر الصور ومقاطع الفيديو المتعلقة بها، مستندة إلى اعتبارات الأمن العام وسلامة التحقيقات ومنع استخدام المعلومات في التخطيط لهجمات جديدة.
وقالت حكومة الإمارات إن تجدد الجهود لخفض التصعيد ضروري لتجنب اتساع الصراع، بينما أوضحت البحرين أن القيود المفروضة على تداول بعض المواد تهدف إلى حماية السلامة العامة ومنع استغلالها في التخطيط لهجمات أخرى.
وتؤكد هذه التباينات أهمية التمييز بين الأضرار التي وثقها التحقيق، والتفسيرات الرسمية بشأن أسبابها، والادعاءات التي لم يتسن التحقق منها بصورة مستقلة.
أزمة تتجاوز النفط إلى أمن الغذاء والمياه والاقتصاد العالمي
تكشف الهجمات أن أمن الطاقة لا يعتمد فقط على حجم الاحتياطيات أو القدرة الإنتاجية، بل على سلامة سلسلة كاملة تبدأ من آبار النفط والغاز، مرورًا بخطوط الأنابيب والمصافي ومرافق المعالجة، وصولًا إلى محطات التصدير والسفن.
كما أن تضرر منشأة واحدة قد يفرض خسائر تتجاوز قيمتها المباشرة؛ فتعطل محطة ضخ قد يوقف تدفق النفط، وإصابة معدات تسييل الغاز قد تقلص الصادرات لسنوات، بينما يمكن لهجوم على محطة تحلية أن يهدد إمدادات المياه في بلد يعتمد عليها بصورة واسعة.
وعندما تتزامن هذه الاضطرابات مع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وتراجع المخزونات، تصبح آثارها أكثر اتساعًا على أسعار الطاقة والنقل والصناعة والغذاء.
وبالنسبة إلى الاقتصادات المستوردة للطاقة، لا تتوقف المخاطر عند سعر برميل النفط، بل تشمل فاتورة استيراد الوقود والغاز والسلع الصناعية، وتكاليف تشغيل المصانع ونقل المنتجات الزراعية والغذائية.
الخلاصة: يوضح تحقيق «رويترز» أن الحرب كشفت هشاشة بعض أهم شرايين الاقتصاد الخليجي أمام الهجمات الدقيقة والمتكررة. فالتحدي لا يتمثل فقط في اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة، بل في حماية المعدات التي يعتمد عليها استمرار عمل المنشآت، وبناء بدائل حقيقية للطاقة والمياه والنقل، وتقليل قدرة أي ضربة محدودة على تعطيل منظومة اقتصادية كاملة.





