قدّرت دراسة علمية حديثة القيمة المحتملة للخدمات البيئية التي يمكن أن تقدمها شعاب المحار حول العالم بنحو 12 تريليون دولار سنويًا، إذا جرى استعادة موائلها الطبيعية وحمايتها، بما يعزز قدرتها على تنقية المياه، واحتجاز الكربون، وتوفير الغذاء، وحماية السواحل، ودعم التنوع البيولوجي البحري.
وتشير الدراسة إلى أن تحقيق هذه الإمكانات يتطلب إعادة تأهيل نحو 90% من المواقع الملائمة لوجود شعاب المحار، إلى جانب توفير الحماية لما يصل إلى 80% من هذه المواقع من خلال جهود صون الطبيعة.
وتكشف النتائج عن القيمة الاقتصادية والبيئية الكبيرة لنظم بيئية بحرية تراجعت بشدة خلال القرن الماضي، رغم دورها في دعم صحة المحيطات ورفاهية المجتمعات الساحلية.
ما الناتج البيئي الإجمالي لشعاب المحار؟
سعى الباحثون إلى تقدير ما يُعرف باسم «الناتج البيئي الإجمالي» (GEP)، وهو مفهوم يهدف إلى قياس القيمة الإجمالية للسلع والخدمات التي تقدمها النظم البيئية، على غرار الطريقة التي يقيس بها الناتج المحلي الإجمالي قيمة النشاط الاقتصادي.
وتوضح الدراسة أن شعاب المحار تمثل موردًا طبيعيًا لا تزال إمكاناته غير مستغلة بالكامل، إذ تتجاوز أهميتها توفير المحار للاستهلاك البشري إلى مجموعة واسعة من الخدمات التي تدعم البيئة والاقتصاد والمجتمعات المحلية.
وقال الدكتور ماتيو كونفرتينو، الأستاذ المشارك بجامعة تسينغهوا والمؤلف المراسل للدراسة المنشورة في مجلة «Frontiers in Marine Science»، إن استعادة شعاب المحار في الدول العشر الأكثر أهمية من حيث إمكاناتها البيئية يمكن أن تحقق، وفق تقديرات الباحثين، ناتجًا بيئيًا إجماليًا يصل إلى 12 تريليون دولار سنويًا.
وتتوافق أهمية استعادة هذه الشعاب مع الهدف الرابع عشر من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، المتعلق بالحياة تحت الماء، والذي يدعو إلى صون الموارد البحرية والساحلية واستخدامها على نحو مستدام.
لكن شعاب المحار تواجه ضغوطًا متزايدة بسبب الاستغلال المفرط والتلوث وتغير المناخ. وتشير التقديرات الواردة في الدراسة إلى أن العالم فقد نحو 85% من هذه الشعاب خلال القرن الماضي، ولا سيما في مصبات الأنهار والدلتاوات.
أكثر من مجرد مصدر للغذاء
لا تقتصر فوائد شعاب المحار على توفير الغذاء، بل تشمل تنقية المياه من بعض الملوثات والمواد العالقة، والمساهمة في إزالة النيتروجين الزائد من النظم المائية، ودعم دورات المغذيات، وتوفير الغذاء والمأوى ومناطق الحضانة للأسماك واللافقاريات البحرية.
كما تسهم بعض الشعاب في الحد من تأثير الأمواج وحماية أجزاء من الشريط الساحلي، بما يساعد على تقليل مخاطر التعرية الساحلية في المواقع المناسبة.
وتشمل الخدمات البيئية التي قيّمها الباحثون احتجاز الكربون، إلى جانب تنقية المياه وإزالة النيتروجين وحماية السواحل ودعم الموائل البحرية.
وتعتمد قيمة هذه الخدمات على خصائص الشعاب وموقعها وظروف المياه المحيطة بها، ولذلك تختلف المنافع المحتملة من منطقة إلى أخرى.
الذكاء الاصطناعي يحدد المواقع المناسبة لاستعادة الشعاب
لتقدير الإمكانات البيئية لشعاب المحار، جمع الباحثون آلاف التسجيلات الجغرافية لمواقعها من قاعدتي بيانات عامتين، ثم استخدموا خوارزمية للذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالتوزيع الجغرافي للشعاب وتحديد الموائل المناسبة الحالية والمواقع التي يمكن أن تستعيد فيها الشعاب وجودها مستقبلًا.
واعتمد تقييم ملاءمة الموائل على مجموعة من العوامل البيئية، من بينها درجة حرارة المياه والملوحة والضوء ومستويات المغذيات وتركيز الأكسجين.
وصنّف الباحثون المواقع التي حققت درجة ملاءمة بلغت 65% أو أكثر باعتبارها مواقع صالحة لوجود شعاب المحار.
وبعد ذلك، جمعوا بين درجة ملاءمة الموائل والخدمات البيئية المحتملة لكل موقع، لتقدير ما أطلقوا عليه «الإمكانات البيئية». وكلما ارتفعت هذه الإمكانات، زادت المنافع التي يمكن أن تحققها الشعاب في حال استعادتها وحمايتها.
10 دول تتصدر فرص استعادة شعاب المحار
حددت الدراسة عشر دول تتمتع بأعلى الإمكانات البيئية المتوقعة لشعاب المحار، وهي الولايات المتحدة وأستراليا وتشيلي والصين واليابان وكوريا الجنوبية والأرجنتين وفرنسا وألمانيا وإيطاليا.
وتبلغ المساحة الملائمة لوجود الشعاب في هذه الدول نحو 295 ألف كيلومتر مربع، بما يعادل قرابة 6% من مناطقها الساحلية، وفق تقديرات الدراسة.
ومع ذلك، لا تشغل الشعاب الحالية سوى نحو 10% من هذه المساحة، وتتركز في مواقع تشمل البحيرات الشاطئية والخلجان ومصبات الأنهار، وهو ما يشير إلى وجود مساحة واسعة يمكن استكشاف فرص استعادتها.
وتكشف النتائج أيضًا أن نحو 23% فقط من المساحات الملائمة تخضع حاليًا لشكل من أشكال الحماية البحرية، ما يسلط الضوء على الفجوة بين الإمكانات البيئية المتاحة ومستوى الحماية القائم.
تريليونات اللترات من المياه يمكن تنقيتها
توضح تقديرات الدراسة حجم المنافع المحتملة إذا امتدت شعاب المحار إلى جميع المساحات التي تتمتع بإمكانات بيئية إيجابية.
ففي الولايات المتحدة، قد تصل كمية المياه التي يمكن للشعاب تصفيتها إلى نحو 77.58 كوادريليون لتر، مقابل 69.92 كوادريليون لتر في أستراليا، و46.58 كوادريليون لتر في تشيلي.
كما قد تصل قدرة الشعاب على احتجاز الكربون إلى 12.3 مليون طن متري سنويًا، وفق حسابات الباحثين.
وفي الولايات المتحدة وحدها، قُدّرت القيمة السنوية المجمعة المحتملة لخدمات إزالة النيتروجين واحتجاز الكربون وتنقية المياه التي توفرها شعاب المحار بنحو 25.1 مليار دولار.
وتوضح هذه الأرقام أن استعادة الشعاب لا تمثل مجرد مشروع لحماية التنوع البيولوجي، بل يمكن أن تدعم أيضًا إدارة الموارد المائية والحد من بعض أشكال التلوث وتعزيز قدرة النظم الساحلية على مواجهة الضغوط البيئية.
90 % من المواقع تحتاج إلى إعادة تأهيل
على الرغم من الإمكانات الكبيرة التي تكشف عنها الدراسة، فإن تحويلها إلى منافع فعلية يتطلب استثمارات وجهودًا طويلة الأجل لاستعادة الموائل المتدهورة، والحد من مصادر التلوث، ومنع تدمير الشعاب القائمة.
وقال كونفرتينو إن الباحثين يقدرون أن نحو 90% من المواقع الملائمة لشعاب المحار تحتاج إلى إعادة تأهيل، بينما تتطلب 80% منها الحماية من خلال جهود صون الطبيعة.
وأضاف أن الوضع الحالي لهذه الشعاب لا يحقق سوى جزء محدود من إمكاناتها، رغم ما يمكن أن توفره من فوائد بيئية واقتصادية واسعة.
لكن الباحثين شددوا على أن تقدير 12 تريليون دولار يمثل قيمة محتملة للخدمات البيئية، وليس إيرادات نقدية مضمونة أو عائدًا ماليًا يمكن تحصيله مباشرة. كما تستند الحسابات إلى متوسطات عالمية لمؤشرات الخدمات البيئية، وقد تتغير النتائج تبعًا للظروف المحلية والتغيرات التي تتعرض لها الشعاب مع مرور الوقت.
تغير المناخ قد يغير خريطة الشعاب
يحذر الباحثون من أن الاحترار العالمي قد يؤدي عمومًا إلى تراجع جودة الموائل المناسبة لشعاب المحار، ما قد يخفض قيمتها البيئية المحتملة مستقبلًا.
وفي المقابل، قد تصبح بعض المناطق أكثر ملاءمة لنمو المحار وانتشاره نتيجة تغير الظروف البيئية، وهو ما قد يتيح فرصًا للتوسع في دول ومناطق معينة، من بينها أستراليا وإندونيسيا وكوريا الجنوبية واليابان وفرنسا، وفق تقديرات الدراسة.
وتعني هذه النتائج أن استعادة الشعاب تحتاج إلى تخطيط يأخذ في الاعتبار التغيرات المناخية المتوقعة، إلى جانب حماية الموائل الحالية وتحديد المناطق الأكثر قدرة على دعم نمو الشعاب على المدى الطويل.
وتؤكد الدراسة أن استعادة شعاب المحار وحمايتها يمكن أن تشكل جزءًا مهمًا من الجهود العالمية لصون النظم البيئية البحرية، وتحسين جودة المياه، ودعم التنوع البيولوجي، وتعزيز قدرة المجتمعات الساحلية على مواجهة التحديات البيئية والمناخية.
