يوم الأرض.. إعطاء الطبيعة مساحة للتنفس يعزز القدرة على التكيف مع المناخ.. تجارب ملهمة
يتزايد عدد المجتمعات التي تتطلع إلى "حلول قائمة على الطبيعة" لمواجهة تهديدات المناخ
تأتي الذكرى الخامسة والخمسون ليوم الأرض في وقتٍ حرجٍ يمرّ به كوكبنا، يواجه العالم سلسلةً من التهديدات البيئية غير المسبوقة خلال العقود الستة التي انقضت منذ بدء هذا الحدث.
من الطقس المتطرف إلى انحدار الأنواع، ومن إزالة الغابات إلى انعدام الأمن المائي، تتزايد هذه المخاطر في الحجم والشدة مع ارتفاع درجة حرارة الكوكب وتغير المناخ.
ترتبط العديد من هذه التهديدات ببعضها البعض، ويدرك العلماء وصانعو السياسات على نطاق واسع ضرورة التصدي لها معًا، فعلى سبيل المثال، يمكن لزيادة الغطاء الحرجي أن تدعم استقرار هطول الأمطار وتقلل انبعاثات الكربون.
هناك أمثلة عديدة حول العالم لأشخاص يطبقون هذه الأفكار عمليًا.
ويتزايد عدد المجتمعات التي تتطلع إلى “حلول قائمة على الطبيعة” لمواجهة التهديدات الجديدة لسبل عيشها وبيئتها المحلية.
استعادة الأرض
وتدور إحدى قصص الصمود هذه في السلفادور.
السلفادور دولة صغيرة ذات كثافة سكانية عالية في أمريكا الوسطى، تعادل مساحتها مساحة ولاية نيوجيرسي الأمريكية.
وتعاني من تنوع مناخي واسع، حيث تكثر فيها موجات الجفاف والفيضانات وتآكل التربة.
كما أن سلسلتيها الجبليتين تجعلان معظم أراضيها الزراعية تقع على منحدرات معرضة للانهيارات الأرضية.
جنوب أهواتشابان منطقة ساحلية جافة تبعد حوالي 90 كيلومترًا عن العاصمة سان سلفادور.
يُنفّذ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) مشروعًا في هذه المنطقة، بتمويل من صندوق التكيف، للحد من تأثر المجتمعات المحلية بصدمات المناخ.
ويسعى البرنامج إلى تحقيق ذلك من خلال استصلاح الأراضي، والإدارة الفعالة للمياه، وممارسات الزراعة الذكية مناخيًا.
يهدف المشروع إلى استصلاح 3865 هكتارًا من الأراضي المتدهورة، وذلك بشكل رئيسي من خلال تطبيق تقنيات الزراعة الحراجية.
ويشمل ذلك دمج المحاصيل الأساسية، مثل الذرة، مع زراعة الأشجار المحلية.
يوفر ذلك الظل للمحاصيل، ويحسن صحة التربة، ويحميها من الانهيارات الأرضية.
وقالت رينا أفيلا، أخصائية التنمية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومقرها السلفادور، لموقع كلايمت هوم نيوز: “إن العديد من المستفيدين هم من صغار المزارعين ذوي التعليم الرسمي المحدود وفرص قليلة سابقة للتدريب الفني”، “ومن خلال المشروع، حصلوا على مساعدة فنية متخصصة ومستدامة، وتدريب ميداني، ودعم مباشر في تبني الممارسات الزراعية البيئية.”
وأوضحت أن المجتمعات المحلية تم تجهيزها أيضًا بخزانات مياه، وهياكل للحفاظ على التربة، وقدرات الإنذار المبكر، مما يحمي من الصدمات المناخية مثل الجفاف الناجم عن ظاهرة النينيو والعواصف غير الموسمية.

“قالوا لي أنني مجنون”
كنت أعيش على العمل اليومي، كانت الأرض مهجورة، ولم يكن هناك أي شيء في أرضي، شعرت بالاكتئاب لأنني لم أكن أعرف ماذا أفعل، هكذا قال ريكاردو غارسيا، مزارع كفاف في بلدية سان فرانسيسكو مينينديز، لشركاء المشروع. “سيأتي الجفاف، وسأفقد كل شيء”.
وقد استفادت قطعة أرضه من الممارسات المستدامة، وهو يزرع الآن 12 محصولاً مختلفاً يمكنها تحمل الظروف الجوية القاسية وتوفر له خيارات في حالة فشل بعض المحاصيل.
لم أفكر قط في كيفية عمل التربة، وانظروا إلى حالتي الآن. عندما زرعتُ جوز الهند، قالوا لي إنني مجنون.
توضح أفيلا، أنه من خلال المشروع، فإن “إدخال سبل عيش متنوعة، مثل المحاصيل المقاومة للتغير المناخي وأنظمة المراعي المحسنة، يقلل من الاعتماد على الزراعات الأحادية التقليدية”.
وأضافت: “هذه التحولات ليست ذكية مناخيًا فحسب، بل مفيدة اقتصاديًا أيضًا، إذ تساعد الأسر على توليد الدخل مع الحفاظ على خدمات النظام البيئي”.
ونتيجة لهذه التدخلات، أصبح السكان المحليون أكثر استعدادًا لمواجهة ضغوط المناخ، مع تحسن جودة حياتهم.
السبب الجذري
من الأهداف الرئيسية للمشروع تعزيز كفاءة استخدام المياه خلال فترات الجفاف، وذلك بالأساس من خلال تحسين جمع البيانات المناخية والهيدرولوجية.
وقد أتاحت المراقبة الدقيقة لكمية ونوعية المياه المتاحة – من خلال الوسائل المحلية وبيانات الأقمار الصناعية – للمزارعين خيارات أوسع للتكيف.
جُمعت بياناتٌ أيضًا حول فعالية هذه التدخلات، ومن بين التقنيات الذكية مناخيًا المستخدمة الري بالتنقيط، وهي طريقةٌ مصممةٌ لتقليل استهلاك المياه بشكلٍ كبيرٍ من خلال استهداف “منطقة جذور” النبات مباشرةً بكمياتٍ قليلةٍ من الماء.
أثارت النتائج إعجاب ميفين بيريز، أحد المزارعين المحليين في المنطقة، وصرح لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي قائلاً: “لدينا أنظمة ري تُساعدنا على الحفاظ على المياه وإحياء النباتات”.
كعائلة، نشعر بالامتنان لأننا جميعًا نعمل على رعاية النباتات، كان من الصعب علينا سابقًا جلب الماء، أما الآن فلم نعد نقضي نصف ساعة في جلب إبريق الماء، كما أضاف.
وقد رأى مديرو المشاريع أن زيادة المعرفة المحلية بهذه التقنيات – والبيانات التي تدعمها – أمر بالغ الأهمية لبناء القدرة على التكيف مع تغير المناخ.

دفع الأرباح
يمكن لأكثر من 30 ألف شخص يعيشون في المناطق الريفية في سان فرانسيسكو مينينديز الاستفادة من تقنيات الحفاظ على البيئة التي تعمل مع الطبيعة بدلاً من العمل ضدها.
يمكن أن يُحدث المشروع – الذي يمر حاليًا بمراحلها النهائية – تأثيرًا مستدامًا في المنطقة، وأن يُقدم نموذجًا يُحتذى به لأجزاء أخرى من السلفادور تعاني من ضغوط مناخية.
ويعتقد الباحثون أن أمثلة كهذه يُمكن تكرارها على نطاق أوسع بكثير، مما يُوفر بيانات مفيدة حول كيفية تطبيق الحلول القائمة على الطبيعة في البيئات الزراعية في أماكن أخرى من العالم.
ومن المتوقع مناقشة هذه المواضيع والترويج لها في مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ – COP30 – في بيليم، البرازيل، في وقت لاحق من هذا العام.
وقالت أفيلا: “إن نموذج التكيف القائم على النظام البيئي المقترن بتنويع سبل العيش يوفر استراتيجية قابلة للتكرار في مناطق أخرى تواجه مخاطر مرتبطة بالمناخ”.
وأضافت أن “المشروع أظهر أن استعادة المناظر الطبيعية المتدهورة، عندما يقترن ذلك بالتمكين والتدريب والشراكات الشاملة، يمكن أن يؤدي إلى تحقيق مرونة دائمة – خاصة بالنسبة لأولئك الذين غالبًا ما يتخلفون عن الركب في العمل المناخي”.
يبدو الجواب بسيطًا للغاية: استخدام الطبيعة لمعالجة اختلالاتها، إذا اعتُبر المناخ والطبيعة وجهين لعملة واحدة، فإن استخدام الغابات وأنظمة المياه كاستراتيجية دفاعية ضد الاحتباس الحراري قد يعود بالنفع على الأرض وعلى من يعتمد رفاههم عليها.





