مع تصاعد التوترات في واحد من أهم الشرايين المائية في العالم، مضيق هرمز، تشهد أسواق الطاقة العالمية حالة من الغليان؛ فقد قفزت أسعار خام برنت لتلامس مستويات 112 دولارًا للبرميل.
وتشير المعطيات الميدانية وتحليلات خبراء إلى أن العالم لم يعد يواجه مجرد طفرة سعرية مؤقتة، بل قد يدخل مرحلة “أزمة استنزاف” تعيد تشكيل خارطة الاقتصاد العالمي وتدفع الأسعار إلى حدود غير مسبوقة.
وتؤكد البيانات الملاحية الأخيرة أن حركة السفن في مضيق هرمز لا تزال عند أدنى مستوياتها، إذ لم تُسجل سوى 3 ناقلات عبر المسار الدولي خلال الـ24 ساعة الماضية.
غير أن القلق يتجاوز حركة المرور؛ إذ كشفت صور الأقمار الصناعية (سنتينل 1 و2) عن تجمع نحو 20 سفينة حول جزيرة خارك الإيرانية دون القدرة على تحميل الشحنات.
وبحسب تقارير وكالة بلومبيرغ، فإن هذا المشهد يعكس حالة “اختناق” نتيجة امتلاء الخزانات تدريجيًا وعدم القدرة على تصريف الإنتاج، ما يضع سلاسل الإمداد العالمية أمام مأزق حقيقي.
نقطة الاستنزاف الخطيرة
يحذر خبير أسواق النفط والطاقة عامر الشوبكي من أن العالم قد يكون على بعد أسابيع قليلة من تسجيل مستويات قياسية للأسعار، إذ قد يصل خام برنت إلى 130 دولارًا للبرميل، وهي مستويات قد تؤدي إلى “تدمير الطلب” العالمي، مع احتمال تخفيف الضغوط في حال عودة جزئية لحركة الملاحة.
وأشار إلى أن التصعيد الأخير، بما في ذلك استهداف منشآت حيوية في المنطقة، يزيد من حدة الأزمة ويضغط على قدرة الدول على دعم الأسعار، بالتزامن مع تراجع المخزونات العالمية.
وأكد أن أكثر من 60% من المخزون العالمي قد تم استنزافه، ولم يتبقَّ سوى نحو 800 مليون برميل، نتيجة تعويض النقص في إمدادات هرمز من الاحتياطيات الإستراتيجية والتجارية.
هذا الوضع يضع أمن الطاقة العالمي في دائرة الخطر، ويدفع البنوك المركزية إلى مواصلة رفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم، ما قد يفاقم الأزمات الاقتصادية والمالية.
ويرى الشوبكي أن آسيا ستكون الأكثر تضررًا، لاعتمادها بنسبة تتجاوز 60% على إمدادات الطاقة عبر هرمز، مع بروز اليابان كنموذج واضح للضغوط الاقتصادية.

اليابان نموذجًا للأثر الآسيوي
تواجه اليابان ضغوطًا متزايدة، إذ اضطرت الحكومة إلى طلب ميزانية تكميلية لعام 2026 لمواجهة ارتفاع تكاليف الطاقة.
وتنفق طوكيو نحو مليار دولار شهريًا لدعم أسعار البنزين والحفاظ على سقف سعري يبلغ 170 ينًا للتر، ما يضع الحكومة في مأزق مالي وسياسي.
وفي حين تأتي آسيا في مقدمة المتضررين، تليها أوروبا، تبقى الدول الفقيرة الأكثر عرضة للخطر، لعدم قدرتها على دعم الأسعار، ما ينذر باضطرابات اجتماعية ومعيشية واسعة.

تحذيرات دولية من استنزاف المخزونات
حذر المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، من أن مخزونات النفط التجارية تتآكل بسرعة، وقد لا تكفي سوى لأسابيع قليلة.
وأشار إلى أن السحب من الاحتياطيات الإستراتيجية أضاف 2.5 مليون برميل يوميًا للأسواق، لكنه حل مؤقت في ظل محدودية هذه الاحتياطيات.
وأوضح أن زيادة الطلب مع دخول موسم الزراعة والسفر ستسرّع من وتيرة استنزاف المخزونات، خاصة مع ارتفاع الطلب على الوقود والأسمدة.
كما أظهرت بيانات الوكالة انخفاضًا غير مسبوق في المخزونات خلال مارس وأبريل الماضيين بنحو 246 مليون برميل، مع توقع تراجع الإمدادات العالمية بنحو 3.9 ملايين برميل يوميًا خلال 2026.

اختلالات اقتصادية عالمية
في هذا السياق، يسعى وزراء مالية مجموعة السبع إلى احتواء التداعيات الاقتصادية، وسط تحذيرات من اختلالات متزايدة في الاقتصاد العالمي قد تؤدي إلى اضطرابات في الأسواق المالية.





