سألني صديق من الإعلام عن رأيي وتقييمي لسرقة التيار الكهربائي وما إذا استعملت تقنية الشبكات العصبونية متعددة الطبقات وخاصة تلك ذات الطبقات الإلتفافية لتفادي السرقة.
سعدت باهتمام الصديق بالبحث عن أدوات تصلح – ولو مؤقتا – لتحرير الشعب المصري من انقطاعات الكهرباء صيفا الذي ابتلتنا يه وزارة الكهرباء السابقة، سعدت أولا لأن من يحترف الإعلام فهو شخص يحب العلم لأن كلمة الإعلام مصدرها ع_ل_م وتشير إلى أن هذا الشخص لا يكتفي بالعلم لنفسه بل ينشره بقدر استطاعته. وغني عن القول أن المقصود بالعلم هو العلم الصحيح غير المنقوص ولا المشوه.
الشق الأول من السؤال “سرقة الكهرباء” حيرت فقهاء القانون لفترة لأنه لا يوجد في فعل السرقة انتقال لحيازة “شيء” ولكن سرعان ما تنبهت دولة القانون والعدالة لهذه الثغرة في الصياغة القانونية وعالجتها.
وسرقة الكهرباء قد تبدو جريمة قليلة الشأن يمكن التغاضي عنها حيث لا يوجد شخص طبيعي متضرر منها ولكنها في حقيقة الأمر جريمة في حق الإنسانية كلها.
بالتدقيق في الأمر بعين المسؤول عن تنمية المجتمع وفي نفس الوقت حماية هذا المجتمع من أطماع فلول القوى الاستعمارية – ونحن في مصر عانينا ما يكفي من تحكم بريطانيا في مصائر شعبنا – ولولا جذورنا الحضارية الضاربة في أعماق التاريخ لكان مصيرنا التمزيق والتفتيت.
إن الكهرباء ليست سلعة مثل غيرها، فهي تبدأ باستيراد وقود من منتجات النفط ثم نقله إلى مكان ترقيته إلى كهرباء، وهذه الترقية تحدث بحرقه واستخدام الحرارة الناتجة في مجموعة من الآلات المستوردة لدفع دوران تربينة بتوافق مع تربينات أخرى بحيث لا يختلف التوافق إلا في حدود متناهية الصغر لأن دوران التربينات مرتبط بدوران مولدات الكهرباء.
عند هذا الحد لم تنته المنظومة بعد، بل يجب نقل الكهرباء المنتجة إلى من يحتاج إليها في مجتمعنا المدني الصناعي بحيث يأخذ منها كل مستخدم للكهرباء حاجته بعد مرورها على جهاز يقيس مقدار ما أخذه ولذلك يقال لكل منهم “مشترك” لأنه شريك في منظومة تغطي الجمهورية بأكملها بشبكتي نقل وتوزيع الكهرباء … سبقتها شبكة نفطية من الانابيب المدفونة في الارض.
يتبع هاتين الشبكتين مسؤوليات الصيانة والتجديد وأخيرا إدارة التحصيل الذي يمول شراء الوقود النفطي في بداية المنظومة وشراء محطات الكهرباء العملاقة.
سرقة مقدار من الكهرباء المنتجة معناه أن هذا المقدار لم يسجل حيث أنه لم يمر على جهاز القياس الذي نسميه “العداد” ومع ذلك أنتج هذا المقدار بحرق نصيبه في المنتج النفطي الذي أطلق بدوره في الهواء مقدارا من الغازات الضارة بمناخ الأرض. بذلك تكون السرقة قد تسببت في ضرر غير محسوب لكل سكان الأرض بجانب الضرر المحسوب، أي الذي تم دفع مقابل مادي له.
بغض النظر عن كون المبلغ المدفوع من المشتركين يغطي الضرر من عدمه، والمعروف أنه لا يغطي إلا أقل من ثلث الضرر الذي يسببه للبشرية.
من هنا نبعت فكرة مراقبة شبكتي نقل وتوزيع الكهرباء بتقنيات تشبه في تعقيدها أعصاب المخ البشري، ولأن الإنسان لا يمكن أن يصل في علمه أو مهارته العقلية إلى عتبة ابداع خالق الكون لذلك يشوب تقليده لأعصاب المخ كثير من العقبات التي تمنع استعمال هذه التقنيات منها ان المجسّات الخاصة بها يجب أن توضع في أماكنها عند إنشاء الشبكة وغيرها من العقبات التي تتسبب في نهاية المطاف إلى غلاء فاحش.
لذلك وجد أن الطرق التقليدية وهي التفتيش الدوري على توصيلات الكهرباء للتأكد من مرورها علي العداد وتحرير المذكرات للمخالفين مع تغليظ العقاب يأتي بنتائج موثوقة وفعالة.
ومن الطبيعي لكل ذي علم أن يبحث عن حلول مناسبة للإقلال من استهلاك الكهرباء فذهبت الوزارة السابقة – على عادتها في طلب النصيحة من بعض ما يسمون أنفسهم بالخبراء الأجانب – دون النظر إلى مدي صلاحية نصيحتهم لظروفنا المصرية ولتطور الوعي عند الشعب المصري.
وأقصد بتطور الوعي الإقبال غير المسبوق على استبدال المصابيح الكهربائية بنظيرتها المسماة “ليد” الموفرة 85% للكهرباء أي نستهلك 15% فقط مما كانت نظيراتها تستهلكه.
فنصحهم الأجانب بتقديم الساعة 60 دقيقة في الصيف لإطالة فترة ضوء الشمس وبالتالي إنقاص ساعات الإضاءة الكهربائية، وفات عليهم أن وعي الشعب المصري سبق فتاوي الخواجات لأن المشكلة لم تعد محصورة في الإضاءة فقط بل نمت مشكلة أخرى هي تزايد استعمال أجهزة التكييف في المباني سواء المكاتب أو السكن وهذه الأجهزة تستهلك أضعاف أضعاف استهلاك مصابيح الـ “ليد” وبالتالي تكون زيادة ساعات ضوء النهار ملازمة لزيادة ساعات تشغيل التكييفات.
فمن المنطقي أن يزداد استهلاك الكهرباء عند تطبيق التوقيت الصيفي في مصر.
ومن لا يقتنع بهذا المنطق فعليه أن يلقي نظرة على نمط استهلاك الكهرباء اليومي في مصر ويقارنه بنمط استهلاك الكهرباء في الشبكة الأوروبية … سيجد أن استهلاك مصر في الصيف 20% أكثر من الاستهلاك الشتوي بينما في شبكة أوروبا العكس تماما، أي استهلاكهم في الشتاء يفوق استهلاكهم في الصيف بمقدار 20% تقريبا.
هنا يجب أن نترك الذكاء الاصطناعي جانبا ونستعمل الذكاء المصري لنتساءل: لماذا جيراننا في الشمال نمط استهلاكهم للكهرباء معكوس بالنسبة لنا؟
والرد على السؤال جاهز: لأن شتاءهم يجبرهم على استعمال الكهرباء للتدفئة بينما صيفنا يجبرنا على استعمال الكهرباء للتكييفات.
إذن إطالة ساعات العمل نهارا – وهو هدف التوقيت الصيفي – يتبعها حتما زيادة ساعات تشغيل التكييفات.
والسؤال المهم الآن: ما العمل لخفض استهلاك الكهرباء؟
والحل هو “خميسة” لأنها لا تستهلك وقودا إطلاقا أما الأهم فهو أن تقنية خميسة تنتج كهرباء أكثر كلما زادت حرارة الجو بينما الخلايا الضوئية نتنج أقل مع ارتفاع حرارة الجو والبطاريات التي زعم موردوها الأجانب أنها تخزن الكهرباء من الخلايا الضوئية لتعطيها للشبكة بعد الغروب (وهو وقت ذروة الطلب) طبعا ستفعل ذلك ولكن هل ستعمل بنفس الكفاءة في حرارة جو كوم أمبو أو بنبان؟
خاصة أن الكهرباء اللازمة لشحن البطاريات نهارا ستكون منقوصة من الكهرباء المخصصة للشبكة وهي أصلا أقل من الكهرباء المعلنة بسبب حرارة الهواء المحيط بها وتنقص كل سنة 1-2% بسبب تدهور الخلايا الضوئية. وكلما ازدادت الحرارة زادت معها المشكلات
بينما خميسة تتألق بانتظام انتاجها للكهرباء وهي ليست أي كهرباء بل هي تلبي الطلب إذا زاد أو قل وهي عصية على السرقة والأهم أنها تقاوم الهجمات السيبرانية وتستمر في توافقها مع التربينات المائية في السد العالي وخزان أسوان وبعد ذلك تستطيع تحلية مياه البحر بلا تكلفة إضافية تذكر لأن الحرارة المطلوبة لتبخير الماء جاهزة في كل محطة شمسية بتركيز الاشعاع الشمسي بنظام خميسة.
عودة لموضوع سرقة الكهرباء. كهرباء خميسة عند تنفيذ المخطط على النحو السليم (وليس المناقصة التي أعلن عنها في أغسطس 2023 بعد صدمة انقطاع الكهرباء) ستكون أرخص من أي كهرباء أخرى تنتج لاستيفاء متطلبات التنمية وحماية الوطن وعند انتشار الرخاء لن يفكر أي إنسان في سرقة الكهرباء.
وعند توفير المليارات التي تحرق لشراء الوقود سيكون لمصر نظامها الخاص بالكواكب الصناعية لحماية قواتها الأرضية من الصواريخ الباليستية.
بمعنى أن خميسة ستخلق الفرصة لتعزيز نسور الجو بـ جوالي الفضاء





