نموذج جديد لتسهيل إعادة تدوير المنازل بدل هدمها.. ثورة في البناء المستدام
منازل نرويجية تتحول إلى "بنوك مواد".. نموذج ذكي يحول مخططات المنازل القديمة إلى بيانات لإعادة التدوير
التكنولوجيا الرقمية تُعيد تعريف إعادة التدوير.. طريقة لتقدير مواد البناء القابلة لإعادة الاستخدام بدقة 95%
في بلدٍ يشتهر بتقدّمه في قضايا البيئة والاستدامة مثل النرويج، ما زال قطاع البناء يمثل تحديًا بيئيًا ضخمًا، إذ يُقدَّر أن نحو 1,100 منزل منفصل يُهدم سنويًا، لكن فقط 7% من الخشب الناتج يُعاد تدويره.
هذه الفجوة البيئية دفعت فريقًا من الباحثين في جامعة العلوم والتكنولوجيا النرويجية (NTNU) إلى تطوير نموذج رقمي جديد قد يُحدث تحولًا جذريًا في طريقة إدارة مخلفات البناء وإعادة استخدامها.

قطاع البناء بين الهدم والهدر
يُعدّ قطاع البناء العالمي أحد أكبر مستهلكي الموارد الطبيعية في العالم، ومسؤولًا عن نحو 40% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن الأنشطة البشرية.
وفي النرويج، رغم التقدّم في تشريعات الاستدامة، إلا أن حجم النفايات الناتجة عن أعمال الهدم والتجديد لا يزال كبيرًا.
يقول الباحث جورجيوس تريانتافيلليديس، الزميل في قسم التكنولوجيا الصناعية بجامعة NTNU في جيوفيك: “قطاع البناء يستهلك كميات هائلة من المواد الخام، ويولّد نفايات ضخمة. وإذا استمرت هذه الوتيرة، فإن الأثر البيئي سيتفاقم مع زيادة أعمال التجديد العمراني.”
ويضيف: “لكن إذا استطعنا إعادة استخدام المواد من المباني القديمة بدقة وفعالية، فإننا نفتح الباب أمام خفض ملموس للانبعاثات وتحقيق اقتصاد دائري حقيقي.”

من فكرة بسيطة إلى نموذج ثوري
بالتعاون مع البروفيسورة ليزهن هوانغ وعدد من الزملاء، طوّر تريانتافيلليديس نموذجًا حسابيًا يعتمد على تقنيات نمذجة معلومات البناء (Building Information Modeling – BIM)، وهي تقنية تُستخدم لإنشاء تمثيلات رقمية ثلاثية الأبعاد للمباني تتضمن تفاصيل دقيقة عن المواد والمواصفات الهندسية والأنظمة التقنية.
لكن الجديد في المشروع أن الباحثين لم يستخدموا تقنيات مكلفة مثل المسح ثلاثي الأبعاد أو أجهزة الليزر، بل لجأوا إلى البيانات المتوفرة بالفعل في السجلات العامة:
- الرسومات المعمارية،
- المواصفات الفنية،
- سجلات الأراضي والعقارات،
- الصور الفوتوغرافية،
- ولوائح البناء والتنظيم العمراني.

تقول هوانج: “لكي نتحول إلى اقتصاد دائري في البناء، يجب أولًا أن نعرف بدقة ما هي المواد المتاحة لإعادة الاستخدام، وما جودتها. والمشكلة أننا نعرف القليل جدًا عن ذلك، خصوصًا في المباني القديمة التي لم تُوثق رقميًا.”

التجربة: منزل نرويجي من الثمانينيات
لاختبار الفكرة، استخدم الفريق نموذجًا لمنزل نرويجي تقليدي بُني في ثمانينيات القرن الماضي بمساحة 140 مترًا مربعًا.
قام الباحثون أولًا بإنشاء نموذج معايرة يدوي للمبنى، ثم أدخلوا جميع البيانات المتاحة عنه.
ومع معالجة الخوارزمية للمعلومات، تكوّن نموذج BIM آلي متكامل كشف تفاصيل المواد في الجدران والأسقف والعناصر الإنشائية.
كانت النتيجة مفاجئة: نسبة دقة بلغت 95% في حساب كميات المواد القابلة لإعادة التدوير في الجدران الخارجية والسقف.
يقول تريانتافيلليديس: “ما يجعل هذه الطريقة واعدة هو أنها لا تتطلب معدات باهظة أو فرقًا هندسية متخصصة، بل تعتمد على معلومات موجودة أصلًا. كل وثيقة أو صورة تبدو بلا قيمة منفردة، لكن عند دمجها نحصل على صورة متكاملة ودقيقة للبناء.”

كيف يعمل النموذج؟
يعمل النظام الجديد بطريقة تشبه “تجميع الأحجية الرقمية”، إذ تُغذى الخوارزمية ببيانات جزئية من مصادر مختلفة، وتُقارن بين المعلومات الهندسية والفنية والتشريعية لتقدير:
- نوعية المواد (خشب، خرسانة، فولاذ، إلخ)،
- الكميات التقريبية لكل مادة،
- الحالة الفيزيائية المحتملة (جديدة، متوسطة، متدهورة)،
- وإمكانية إعادة الاستخدام أو التدوير.
ويُمكن للنموذج أن يُحدث ثورة في خرائط “بنوك المواد”، وهي قواعد بيانات رقمية تحتوي على كميات وأنواع المواد القابلة لإعادة الاستخدام في المباني القائمة، ما يمكّن الشركات والبلديات من التخطيط المستدام للبناء والهدم.
إشراك المواطنين… مستقبل الاقتصاد الدائري
رغم النتائج المشجعة، يرى الباحثون أن دقة النماذج قد تتأثر في حالة وجود تعديلات داخلية لم تُسجل رسميًا، مثل إزالة جدران أو تغيير الأسقف الداخلية.
ولذلك يقترح الفريق أن يُسمح لأصحاب المنازل أنفسهم بتحديث البيانات الخاصة بمنازلهم عبر منصة رقمية، لتسجيل أي تغييرات إنشائية أو تجميلية تطرأ.
يوضح تريانتافيلليديس: “الكثير من المنازل في النرويج شهدت تجديدات كبيرة منذ بنائها، لكن ليست كل هذه التغييرات موثقة. إشراك الملاك سيضمن تحديث البيانات بدقة، ويجعل النماذج تعكس الواقع الفعلي للمباني.”
هذا المقترح يتماشى مع رؤية الحكومة النرويجية لتحقيق “مجتمع بلا نفايات بحلول عام 2050”، عبر إعادة تدوير أكبر قدر من المواد وتقليل الاعتماد على المواد الخام الجديدة.
أهمية المشروع عالميًا
يأتي هذا الابتكار في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى تبنّي مفهوم الاقتصاد الدائري في قطاع البناء، الذي يُعدّ ثاني أكبر منتج للنفايات في العالم بعد قطاع الزراعة.
ويمكن لتقنية مثل هذه أن تُطبّق في أي بلد يحتفظ بسجلات رقمية أو ورقية للمباني، ما يجعلها قابلة للتوسّع عالميًا دون الحاجة لاستثمارات ضخمة.
يقول تريانتافيلليديس: “الهدف ليس فقط جعل عملية إعادة التدوير أكثر سهولة، بل خلق ثقافة جديدة ترى في كل مبنى مصدرًا مستقبليًا للمواد، وليس مجرد هيكل سينتهي إلى مكب النفايات.”
التحليل والتأثير المستقبلي
يشير الخبراء إلى أن اعتماد هذا النموذج على نطاق وطني يمكن أن:
- يقلل من الانبعاثات الناتجة عن إنتاج مواد البناء الجديدة بنسبة تصل إلى 30%،
- ويوفر ملايين الكرونات النرويجية سنويًا في تكاليف الهدم والنقل،
- ويساعد في إنشاء قاعدة بيانات وطنية للمواد الإنشائية القابلة لإعادة الاستخدام.
كما أنه يعزز مبدأ “الاستدامة الرقمية”، إذ يُظهر كيف يمكن للتكنولوجيا والبيانات أن تتحول إلى أدوات بيئية فاعلة.





