نبات بري بسيط يفتح باب الأمل أمام محاصيل مقاومة للجفاف
ابتكار علمي يُظهر قدرة النباتات على التعافي من الجفاف طبيعيًا
تعاني النباتات بشدة خلال فترات الجفاف الصيفية، مما يؤدي إلى خسائر في المحاصيل تُقدّر بمليارات الدولارات، وزيادة في الطلب على مياه الري، وقد يتسبب ذلك في انخفاض الإنتاجية، ونقص الغذاء، وارتفاع الأسعار، إنها قصة مألوفة، لكنها قد تتغير قريبًا.
فقد أثبت باحثون من جامعة ولاية كولورادو، وجامعة كولورادو، ووزارة الزراعة الأمريكية بشكل قاطع أن النباتات قادرة على مساعدة نفسها على التعافي من الجفاف الشديد، دون تدخل خارجي.
نُشرت الدراسة كاملة في دورية “وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم“، وسلطت الضوء على عملية طبيعية تسمى “إعادة التعبئة”، والتي كانت موضع جدل علمي لسنوات، لكن الأبحاث الجديدة أثبتت حدوثها فعليًا داخل النباتات.

العلم وراء استعادة النباتات
عندما تتعرض النباتات للجفاف، تتعرض أنسجتها الداخلية لأضرار كبيرة، إذ يُسد نظام نقل الماء المعروف بـ”الخشب” بفقاعات غازية تُسمى “انسدادات”، ما يمنع تدفق الماء ويُعطل وظائف النبات الحيوية.
وفي كثير من الحالات، يكون التعافي من هذه الانسدادات صعبًا، بل مستحيلًا، وقد دار جدل علمي طويل حول قدرة النباتات على إزالة هذه الفقاعات بشكل طبيعي، ورغم أن بعض التجارب أشارت إلى إمكانية ذلك، إلا أن الأساليب المستخدمة أثارت شكوكًا لكونها غير ممثلة للطبيعة.
فغالبًا ما اعتمدت الدراسات التقليدية على قطع النباتات وإعادة الماء إلى الأنسجة تحت ضغوط غير طبيعية، مما قد يؤدي إلى نتائج لا تعكس الواقع الطبيعي.

مراقبة تعافي النبات في الوقت الحقيقي
لحسم هذا الجدل، استخدم فريق الباحثين جهاز تصوير مقطعي محوسب دقيق (Micro-CT)، وهو نوع متطور من أجهزة الأشعة السينية، لمراقبة النباتات من الداخل دون التسبب بأي ضرر.
وكانت النتائج مذهلة. فخلال 24 ساعة فقط من الري، أظهر نوع من العشب البري – كان قد جُفف – شفاءً تامًا من الانسدادات. إذ عاد نظامه الوعائي، الذي كان شبه معطل، إلى كامل وظائفه.
وقال شون جليسون، الباحث في دائرة البحوث الزراعية بوزارة الزراعة الأمريكية والمنتسب إلى جامعة ولاية كولورادو: “هذا هو أول دليل مقنع على عكس الانسداد أو إعادة ملئه في النباتات الوعائية، حيث تستعيد النباتات قدرتها الوظيفية بالكامل بعد الجفاف”

ما الذي يعنيه هذا للمحاصيل؟
للنتائج آثار بالغة على الزراعة. فإذا تمكن العلماء من فهم الآليات الجينية التي تقف خلف “إعادة التعبئة”، فقد يكون بالإمكان إنتاج محاصيل زراعية تتحمل الجفاف وتتعافى منه بفعالية أكبر.
وقد بدأ الفريق بالفعل في البحث عن نباتات أخرى تمتلك هذه القدرة، مع محاولة تحديد المحفزات الجينية المسؤولة عن هذه الآلية. وعند اكتشافها، يمكن إدماج هذه الصفات في المحاصيل التجارية.
وقال تروي أوشيلتري، الأستاذ المشارك في كلية وارنر للموارد الطبيعية بجامعة ولاية كولورادو: “إذا تمكن النبات من التعافي بسرعة من الجفاف عن طريق إعادة التعبئة، فقد ننجح في تقليل الخسائر أثناء فترات الجفاف.”
وأضاف: “قد تسمح هذه العملية بالمرونة في توقيت وكميات الري، لكننا بحاجة إلى المزيد من الأبحاث لفهم تأثيرها على استخدام المياه لدى المحاصيل”.

نبات مرن يختبئ في مكان غير متوقع
المفاجأة أن النبات الذي أثبت هذه النظرية لم يُعثر عليه في حقل زراعي أو مختبر، بل نبت في شقوق الإسفلت الجاف الساخن داخل موقف للسيارات.
وقد اختار فريق البحث، بقيادة المؤلف الرئيسي جاريد ستيوارت وبمشاركة طلاب الدراسات العليا بريندان ألين وستيفاني بولوتشكو، هذا العشب البري تحديدًا بسبب مرونته الاستثنائية.
فبعد فترة طويلة من الجفاف، بدا النبات ميتًا، وكان نظامه الوعائي مسدودًا بنسبة وصلت إلى 88%. لكنه تعافى بشكل شبه كامل خلال أقل من يوم واحد بعد ريّه.
حتى الآن، يُعد هذا النوع البري من الأعشاب الوحيد المعروف بقدرته على إعادة التعبئة بشكل طبيعي. إلا أن الباحثين يعتقدون بإمكانية وجود أنواع أخرى مماثلة.
قال أوشيلتري: “لا نعرف بعد مدى شيوع هذه الظاهرة، لكن اكتشافنا لعشبة تعيد تعبئة نظامها الوعائي في موقف سيارات، يجعلني أعتقد أننا سنجد نباتات أخرى تقوم بالأمر ذاته، هذا الاكتشاف يُغيّر رؤيتنا بالكامل.”
التقنيات وراء الاكتشاف
كان أحد مفاتيح نجاح الدراسة هو جهاز التصوير المقطعي المحوسب الدقيق، الموجود في كلية الطب البيطري والعلوم الطبية الحيوية بجامعة ولاية كولورادو. وهو جهاز يُستخدم عادة للحيوانات الصغيرة، ويصدر مستويات منخفضة من الإشعاع، ما سمح للباحثين بمراقبة النباتات مرارًا دون الإضرار بها.
وقد لعب فريق المختبر دورًا أساسيًا في الدراسة، لا سيما البروفيسورة نيكول إيرهارت، مديرة مركز الشيخوخة الصحية في الجامعة، وفنية المختبر لورا تشاب، التي أجرت المسوحات الأولية ودرّبت الباحثين على تشغيل الجهاز.
قالت إيرهارت: “قدرة هذا العشب المتواضع على التعافي واستعادة نظامه الوعائي بين عشية وضحاها كانت مفاجئة ومبهرة”، وأضافت: “مثل هذا التعاون يُظهر مدى فاعلية توظيف أدوات الطب الحيوي في اكتشافات تغير فهمنا للحياة النباتية.”
تربية نباتات مقاومة للجفاف
يفتح هذا الاكتشاف آفاقًا جديدة للزراعة المستدامة، حيث يمكن، من خلال المزيد من الأبحاث، اكتشاف أنواع نباتية أخرى قادرة على “إعادة التعبئة”، ما يُمهّد الطريق لاستنباط محاصيل أكثر مقاومة للجفاف.
وقد تُحدث هذه التقنية تحوّلًا في الزراعة العالمية، من خلال تحسين الأمن الغذائي ومساعدة المزارعين على التكيف مع آثار تغير المناخ.
حتى ذلك الحين، تُخبرنا نبتة صغيرة نبتت بين شقوق الأسفلت أن التعافي من الجفاف ليس ممكنًا فحسب، بل هو حقيقة قابلة للتطبيق.





