أهم الموضوعاتأخبارالاقتصاد الأخضر

موجات الحر والفيضانات تقود إلى «تضخم المناخ».. الطعام أغلى من أي وقت مضى

المزارعون على خط النار.. «تضخم المناخ» يهدد الأمن الغذائي

يشهد العالم موجة غير مسبوقة من ارتفاع أسعار الغذاء بسبب ما يُعرف بـ”تضخم المناخ” (Climateflation)، حيث تقود موجات الحر والجفاف والفيضانات والحرائق إلى خسائر فادحة في المحاصيل الزراعية، ما يهدد المزارعين والمستهلكين معًا.

في المملكة المتحدة، تضرر مربو الماشية بشدة هذا العام؛ إذ انخفض محصول التبن بنسبة 50% نتيجة غياب الأمطار الربيعية، وهو ما دفع بعضهم إلى بيع أبقارهم خشية عدم توافر علف كافٍ لفصل الشتاء.

ويؤكد أكثر من 80% من المزارعين البريطانيين أن تقلبات الطقس المتطرفة باتت تهدد مصادر رزقهم بشكل مباشر.

المشهد لا يقتصر على بريطانيا؛ ففي الهند تسببت موجة حر شديدة في القضاء على محاصيل البصل، بينما تكبدت ساحل العاج خسائر ضخمة في إنتاج الكاكاو.

أما أوروبا فقد عانت من حرائق وغابات وحرارة قياسية أدت إلى تراجع إنتاج الزيتون والحمضيات والخضراوات.

وفي بريطانيا نفسها تأثرت محاصيل الحبوب والبطاطس والجزر والبروكلي بسبب فترات الجفاف الطويلة، فيما حذرت سلاسل التجزئة الكبرى من أن أسعار المواد الغذائية ترتفع بالفعل بفعل الطقس الحار.

الجفاف

ارتفاع أسعار عالمية

ولا تقتصر الكارثة على أوروبا وحدها؛ إذ شهدت منطقة القرن الأفريقي أسوأ موجة جفاف منذ 40 عامًا، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الغذاء بنسبة 40% خلال عام واحد.

وفي الولايات المتحدة ارتفعت أسعار الخضراوات بنسبة 80% بعد موجة جفاف صيفية قاسية ضربت ولايتي أريزونا وكاليفورنيا.

أما على مستوى السلع العالمية، فقد ارتفعت أسعار الكاكاو بنسبة 280% في أبريل 2024 إثر موجة حر ضربت ساحل العاج وغانا، وهما دولتان تمثلان معًا 60% من الإنتاج العالمي.

كما شهدت الهند ارتفاع أسعار البصل والبطاطس بنسبة 80% نتيجة موجة حر مفاجئة.

ويشرح الخبراء أن الأزمة في جوهرها ترتبط بعرض وطلب؛ فإذا أتلفت موجات الحر أو الجفاف المحاصيل، ينخفض المعروض ويرتفع السعر.

غير أن المحاصيل الطازجة مثل الخضراوات والفواكه أكثر عرضة للصدمات السعرية، نظرًا لقصر فترة صلاحيتها وصعوبة تخزينها، على عكس الحبوب والأرز القابلة للتخزين.

هذه الصدمات المناخية لا تقتصر على ارتفاعات مؤقتة للأسعار، بل تؤدي أيضًا إلى موجات تضخم طويلة الأمد.

فقد أثبتت أبحاث حديثة أن ارتفاع درجات الحرارة يتسبب في زيادات في أسعار الغذاء تستمر حتى 12 شهرًا.

وتشير تقديرات “معهد أوتونومي” إلى أن الظروف المناخية القاسية قد ترفع أسعار الغذاء بأكثر من الثلث بحلول عام 2050 بالنسبة للمستهلكين البريطانيين.

تظهر أبحاث حديثة أجريت بالتعاون مع مركز برشلونة للحوسبة الفائقة (BSC-CNS) أن بلدانًا عديدة حول العالم تشهد صدمات حادة في أسعار المواد الغذائية بسبب الظروف المناخية المتطرفة، في وقت تتعرض فيه سلع أساسية مثل البطاطس والأرز والفواكه والخضروات وزيت الزيتون والكاكاو والقهوة لأضرار غير مسبوقة نتيجة موجات حر وجفاف وأمطار وفيضانات تتجاوز كل السوابق التاريخية.

وقال ماكسيميليان كوتز، الباحث في مركز العلوم البيولوجية والمؤلف الرئيسي للدراسة:

“حتى نصل إلى انبعاثات صفرية صافية، فإن الطقس المتطرف سوف يزداد سوءًا، وهو بالفعل يلحق الضرر بالمحاصيل ويدفع أسعار الغذاء إلى الارتفاع في جميع أنحاء العالم.”

الجفاف يهدد الملايين بسبب تصاعد انبعاثات الكربون
الجفاف يهدد الملايين بسبب تصاعد انبعاثات الكربون

 

أبرز الأمثلة التي رصدتها الدراسة (2022 – 2024):

• المملكة المتحدة: ارتفعت أسعار البطاطس بنسبة 22% بين يناير وفبراير 2024 بعد أمطار شتوية شديدة أصبحت – بفعل تغير المناخ – أكثر غزارة بنسبة 20% وأكثر احتمالًا بعشر مرات.

• كاليفورنيا وأريزونا (الولايات المتحدة): أسعار الخضروات قفزت 80% في نوفمبر 2022 بعد صيف قاسٍ عانت فيه الولايات من نقص المياه والجفاف وحرارة شديدة.

• إثيوبيا: ارتفعت أسعار الغذاء 40% في مارس 2023 بعد أسوأ موجة جفاف منذ 40 عامًا، قال العلماء إنها أصبحت أكثر احتمالًا بنحو 100 مرة بسبب تغير المناخ.

• إسبانيا وإيطاليا: جفاف جنوب أوروبا رفع أسعار زيت الزيتون 50% بحلول يناير 2024، مع تراجع تاريخي في الإنتاج، خاصة أن إسبانيا تنتج أكثر من 40% من الزيت عالميًا.

• ساحل العاج وغانا: موجة حر في أوائل 2024 رفعت أسعار الكاكاو العالمية بنحو 280%، وهما بلدان يمثلان 60% من الإنتاج العالمي.

• البرازيل وفيتنام: جفاف 2023 في البرازيل رفع أسعار قهوة أرابيكا 55% في أغسطس 2024، بينما قفزت أسعار روبوستا 100% في يوليو بعد موجة حر قياسية ضربت فيتنام وآسيا.

• الهند: أسعار البصل والبطاطس ارتفعت بأكثر من 80% في الربع الثاني من 2024 بعد موجة حر استثنائية في مايو.

• اليابان: أسعار الأرز زادت 48% في سبتمبر 2024 عقب صيف هو الأشد حرارة منذ بدء تسجيل البيانات عام 1946.

كوريا الجنوبية: سعر الملفوف ارتفع 70% في سبتمبر 2024 بعد صيف سجل أعلى متوسط حرارة منذ نصف قرن.

باكستان: الفيضانات التاريخية في أغسطس 2022 رفعت أسعار الغذاء الريفية 50% بعد أمطار موسمية تجاوزت المتوسط بنسبة 547%.

• المكسيك: أسعار الفواكه والخضروات ارتفعت 20% في يناير 2024 بعد واحد من أشد موجات الجفاف منذ عقد.

خطر الجفاف

تهديد مباشر للأمن الغذائي والصحة

توضح الدراسة أن تكلفة الطعام الصحي في المتوسط أعلى بمرتين من الأطعمة الأقل فائدة من حيث السعرات، ما يدفع الأسر ذات الدخل المحدود إلى تقليص استهلاك الفواكه والخضروات والتحول نحو أطعمة أرخص وأقل تغذية.

هذا يزيد من خطر سوء التغذية والأمراض المزمنة المرتبطة بالنظام الغذائي، مثل أمراض القلب التاجية، والسكري من النوع الثاني، وأنواع عدة من السرطان، فضلًا عن التأثيرات السلبية على الصحة النفسية.

ويقول كوتز: “يلاحظ الناس أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية يأتي في المرتبة الثانية على قائمة التأثيرات المناخية التي يشعرون بها في حياتهم، بعد الحرارة الشديدة نفسها.

للأسف، غالبًا ما تضطر الأسر الفقيرة إلى اللجوء إلى أنظمة غذائية أقل جودة صحية، وهو ما يرتبط بآثار مدمرة على الصحة العامة.”

قمة الغذاء العالمية

تأتي هذه النتائج قبل انعقاد قمة الأمم المتحدة لنظم الأغذية يوم 27 يوليو الجاري، والتي تستضيفها إثيوبيا وإيطاليا – وهما بلدان تأثرا مباشرة بصدمات أسعار الغذاء.

ومن المقرر أن يناقش قادة العالم سبل مواجهة التهديدات التي تتعرض لها نظم الغذاء العالمية.

ويحذر العلماء من أن استمرار المسار الحالي الذي يقود إلى ارتفاع الحرارة العالمية بنحو 3 درجات مئوية سيكون “مدمرًا”، بعد أن تجاوز العالم بالفعل 1.3 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، وسُجل عام 2024 كأشد الأعوام حرارة في التاريخ متجاوزًا 2023.

ورغم أن ظاهرة النينيو في 2023-2024 ساهمت في تضخيم بعض الظواهر المتطرفة، فإن تواترها المتزايد يتماشى مع التأثيرات المتوقعة لتغير المناخ الناتج عن الأنشطة البشرية.

تؤكد الدراسة، التي أنجزها فريق متعدد التخصصات من BSC ومعهد بوتسدام لأبحاث المناخ وECIU وجامعة أبردين والبنك المركزي الأوروبي ومؤسسة الغذاء، أن الطقس المتطرف أصبح عاملًا مباشرًا في تشكيل أسواق الغذاء العالمية، وأن الوصول إلى انبعاثات صفرية صافية هو السبيل الوحيد لتفادي تضخم مناخي يهدد الأمن الغذائي والصحة العامة والاقتصاد الدولي.

ضغط أكثر على ميزانيات الأسر

ويحذر الخبراء من أن هذا الواقع سيضغط أكثر على ميزانيات الأسر ذات الدخل المحدود، حيث يشكل الغذاء نسبة كبيرة من إنفاقها اليومي.

ومع ارتفاع أسعار المنتجات الصحية مثل الخضراوات والفواكه – والتي تُعد أغلى بمقدار الضعف مقارنة بالأطعمة الأقل فائدة – فإن الفئات الفقيرة غالبًا ما تلجأ إلى تقليل استهلاكها من الأغذية الصحية.

وهو ما يفاقم مشكلات صحية كالأمراض المزمنة وسوء التغذية وأمراض القلب والسكري وبعض أنواع السرطان، فضلًا عن تأثيرات سلبية على الصحة النفسية.

ويخلص الباحثون إلى أن “تضخم المناخ” يمثل اتجاهًا هيكليًا يتصاعد مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة، ولن يتوقف ما لم تُتخذ إجراءات جذرية لخفض الانبعاثات الكربونية.

فخفض غازات الدفيئة يبقى الحل الأساسي لتخفيف الأزمة، وإلا فإن مائدة البشر ستظل رهينة تقلبات المناخ القاسية لعقود قادمة.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading