موجات الحر والفيضانات تعطل العمل.. 44% غيّروا أنماط عملهم بسبب الطقس المتطرف

40% من إجازات المرض المرتبطة بالطقس بسبب الحر.. العمال في مواجهة مناخ أكثر قسوة

لم تعد تداعيات تغير المناخ تقتصر على ارتفاع درجات الحرارة أو زيادة مخاطر الفيضانات والعواصف، بل أصبحت تمتد بصورة مباشرة إلى أماكن العمل، مهددة صحة العاملين ورفاهيتهم وإنتاجيتهم، فضلًا عن التسبب في خسائر اقتصادية متزايدة.

وشهدت المملكة المتحدة عدة موجات حر خلال صيف 2026، وأصبح الإجهاد الحراري أحد أبرز أسباب الإجازات المرضية المرتبطة بالطقس، إذ يمكن لدرجات الحرارة المرتفعة للغاية أن تتسبب في طفح جلدي وتقلصات وإرهاق حراري، وقد تصل في الحالات الشديدة إلى ضربة الشمس.

لكن الحرارة ليست الخطر الوحيد، فمسح حديث شمل 1288 عاملًا في سبعة قطاعات معرضة للتأثر بالمناخ كشف أن الطقس المتطرف المرتبط بتغير المناخ يؤثر في صحة العاملين ورفاهيتهم وإنتاجيتهم حتى خلال الأشهر الباردة، من خلال الفيضانات والجفاف والعواصف والثلوج والجليد، إضافة إلى الظروف المرتبطة بتلوث الهواء.

وتشير النتائج إلى أن أماكن العمل في بريطانيا لم تعد بمنأى عن تداعيات التغير المناخي، بينما لا تزال إجراءات التكيف وحماية العاملين أقل من مستوى المخاطر المتزايدة.

56% من العمال تعرضوا لطقس متطرف

أظهر المسح، الذي شمل عاملين في قطاعات الزراعة والبناء والتعليم وخدمات الطوارئ والترفيه والرياضة والنقل والصحة والرعاية الاجتماعية، أن 56% من المشاركين تعرضوا لحدث واحد على الأقل من أحداث الطقس المتطرف أثناء العمل خلال الأشهر الـ12 السابقة.

وتفاوتت طبيعة المخاطر بين القطاعات المختلفة، إلا أن العاملين في الزراعة وخدمات الطوارئ والنقل والخدمات اللوجستية سجلوا أعلى مستويات التعرض لمختلف أنواع مخاطر الطقس.

ولم يقتصر التأثير على ظروف العمل المادية، بل امتد إلى الصحة النفسية والرفاهية.

فمن بين العمال الذين تعرضوا للظواهر الجوية المتطرفة، قال 72% إن موجات الحرارة الشديدة أثرت سلبًا في رفاهيتهم، بينما أشار 44% إلى تأثير الجفاف سلبًا في حالتهم النفسية والبدنية.

وتكشف هذه الأرقام عن جانب أقل ظهورًا من أزمة المناخ، يتمثل في تأثيرها المباشر على حياة العاملين وقدرتهم على أداء وظائفهم بصورة طبيعية.

موجات الحر

الحرارة تتصدر أسباب الغياب المرتبط بالطقس

تعد الحرارة المرتفعة الخطر المناخي الأكثر وضوحًا على العاملين، فمن بين العمال الذين حصلوا على إجازات مرضية بسبب عوامل مرتبطة بالطقس، قال 40% إن الحرارة كانت أحد الأسباب.

ولا يمثل الإجهاد الحراري مجرد شعور بعدم الراحة، إذ يمكن أن يؤدي التعرض المطول للحرارة المرتفعة إلى مجموعة من الأعراض، تبدأ بالطفح الجلدي والتقلصات والإرهاق، وقد تتطور إلى حالات خطيرة مثل ضربة الشمس.

وتزداد المخاطر بالنسبة إلى العاملين الذين يؤدون وظائفهم في الهواء الطلق، مثل عمال البناء والزراعة والنقل، إضافة إلى العاملين في قطاعات تتطلب مجهودًا بدنيًا أو التعرض المباشر للظروف الجوية.

موجات الحر في بريطانيا

بريطانيا بلا حد أقصى قانوني لحرارة العمل

رغم تزايد موجات الحر، لا يوجد حاليًا في بريطانيا قانون يحدد درجة الحرارة القصوى المسموح عندها بمواصلة العمل.

وكانت هيئة الصحة والسلامة التنفيذية البريطانية قد أصدرت خلال يونيو الماضي تنبيهًا صحيًا بشأن الحرارة، دعت فيه أصحاب العمل إلى اتخاذ إجراءات لحماية العاملين من آثار الحر.

لكن التنبيه لم يحدد بصورة واضحة درجة الحرارة التي تصبح عندها ظروف العمل «شديدة الحرارة» بحيث تستوجب إجراءات إلزامية محددة.

وتطالب النقابات العمالية في بريطانيا بوضع حد أقصى لدرجة الحرارة في أماكن العمل، بما يتوافق مع إرشادات دولية، بحيث يتعين على أصحاب العمل اتخاذ إجراءات عندما تتجاوز الحرارة 24 درجة مئوية ويشعر العاملون بعدم الراحة.

ويطرح ذلك تساؤلًا متزايدًا حول مدى استعداد قوانين العمل الحالية للتعامل مع واقع مناخي مختلف عما كان عليه في العقود السابقة.

المناخ البريطاني أصبح أكثر دفئًا ورطوبة

لم تأتِ هذه المخاطر من فراغ، إذ شهد المناخ البريطاني تغيرات ملحوظة خلال العقود الأخيرة.

وكان العقد الممتد من 2015 إلى 2024 أكثر دفئًا بنسبة ملحوظة وأكثر رطوبة بنحو 10% مقارنة بالفترة المرجعية من 1961 إلى 1990، بينما جاءت السنوات الثلاث الأخيرة ضمن السنوات الخمس الأكثر دفئًا على الإطلاق.

وفي يوليو 2022، تجاوزت درجات الحرارة في بريطانيا حاجز 40 درجة مئوية للمرة الأولى منذ منتصف القرن التاسع عشر.

وتشير هذه التحولات إلى أن الظروف المناخية التي كان يُنظر إليها في السابق باعتبارها استثنائية قد تصبح أكثر تكرارًا، وهو ما يفرض إعادة التفكير في تصميم أماكن العمل وساعات العمل وقواعد السلامة المهنية.

الطقس المتطرف يغير يوم العمل

لا يتوقف تأثير تغير المناخ عند إصابة العاملين أو غيابهم عن العمل، بل يمكن أن يغير تنظيم يوم العمل نفسه.

وأظهر المسح أن 44% من العاملين المتأثرين بالطقس المتطرف اضطروا إلى تغيير أنماط عملهم بسبب الأحداث الجوية.

ومن بين هؤلاء، اضطر 50% إلى تقليل ساعات العمل، بينما قال 18% إنهم توقفوا عن العمل بعدما علق أصحاب العمل عملياتهم، في حين أفاد 14% بأنهم اضطروا إلى أخذ إجازة من العمل.

وتعني هذه الأرقام أن تغير المناخ بدأ يؤثر مباشرة في ساعات العمل واستمرارية العمليات، وليس فقط في صحة الموظفين.

وبالنسبة إلى الشركات، فإن توقف العمل أو تقليل ساعات الإنتاج يمكن أن يتحول إلى تكلفة اقتصادية مباشرة، خصوصًا في القطاعات التي تعتمد على العمل الميداني أو البنية التحتية الحساسة للطقس.

الشركات غير مستعدة بما يكفي

رغم تزايد المخاطر، يبدو أن معظم أصحاب العمل لم يطوروا بعد خططًا كافية للتعامل مع الطقس المتطرف.

فوفقًا لنتائج المسح، قال العاملون إن 26% فقط من أصحاب العمل لديهم خطة للتكيف مع تغير المناخ أو التعامل مع الظروف الجوية المتطرفة.

كما أفاد 30% فقط من العاملين بأنهم تلقوا تدريبًا على كيفية التعامل مع تأثيرات الطقس في أماكن العمل.

وكان العاملون في خدمات الطوارئ من أكثر الفئات التي شعرت بأن أصحاب العمل لا يفعلون ما يكفي للتعامل مع آثار الطقس المتطرف.

وهذه النتيجة تثير مخاوف خاصة، لأن العاملين في خدمات الطوارئ أنفسهم قد يكونون في الخطوط الأمامية أثناء موجات الحر والفيضانات والعواصف والكوارث الطبيعية، في الوقت الذي يُطلب منهم فيه الاستجابة لمساعدة الآخرين.

الخسائر الاقتصادية تتجاوز الإجازات المرضية

لا تقتصر التكلفة الاقتصادية لتغير المناخ على الأضرار المباشرة التي تلحق بالبنية التحتية أو الممتلكات، فانخفاض الإنتاجية، وغياب العاملين، وتراجع كفاءة الأداء، وتعطل العمليات، كلها تمثل خسائر اقتصادية غير مباشرة.

وتشير تقديرات متعلقة بمخاطر الطقس الناتجة عن تغير المناخ، بما في ذلك أضرار الفيضانات وفشل البنية التحتية وتراجع الإنتاجية، إلى إمكانية انخفاض قيمة الناتج المحلي الإجمالي البريطاني بنسبة تتراوح بين 3% و7%.

وعلى الرغم من عدم وجود تقدير شامل حتى الآن للتكلفة الاقتصادية الكاملة لتأثير تغير المناخ على العمال في بريطانيا، فإن هذه الأرقام تعطي مؤشرًا على حجم التداعيات المحتملة.

فكل يوم عمل يضيع بسبب موجة حر أو فيضان أو عاصفة، وكل ساعة إنتاجية تُفقد بسبب ظروف العمل غير الآمنة، تمثل تكلفة إضافية على الاقتصاد.

التكيف مع المناخ يجب أن يشمل العمال

رغم أن بريطانيا تعمل على تقييم المخاطر المناخية ووضع سياسات للتكيف، فإن قضية العاملين لم تحظَ بالاهتمام الكافي في النقاش العام حول التكيف مع تغير المناخ.

فالعمال يتكيفون بالفعل مع التغيرات المناخية، لكن جزءًا كبيرًا من هذا التكيف يحدث بصورة غير رسمية، ومن دون الدعم أو التدريب أو القواعد التنظيمية اللازمة.

وقد يلجأ العامل إلى تغيير ساعات عمله أو تقليل المجهود البدني أو البحث عن مكان أكثر برودة أو تأجيل بعض المهام خلال موجات الحر، بينما قد تتخذ الشركات إجراءات مؤقتة تختلف من مكان إلى آخر.

لكن الاعتماد على هذه الحلول الفردية لا يمكن أن يكون بديلًا عن وجود قواعد واضحة تضمن حماية العاملين.

لماذا أصبحت قواعد العمل المناخي أكثر إلحاحًا؟

يرى الباحثون أن وضع حد أقصى لدرجة الحرارة في أماكن العمل أصبح أمرًا عاجلًا، إلى جانب إنشاء معايير وأطر تنظيمية واضحة تلزم أصحاب العمل باتخاذ إجراءات لحماية صحة العاملين ورفاهيتهم.

وقد تشمل هذه الإجراءات تعديل ساعات العمل خلال موجات الحر، توفير فترات راحة إضافية، تحسين التهوية والتبريد، توفير مياه الشرب، تعديل الملابس ومعدات الحماية عند الحاجة، وإعادة تنظيم المهام التي تتطلب مجهودًا بدنيًا خلال ساعات الذروة الحرارية.

كما ينبغي أن تمتد خطط التكيف إلى المخاطر الأخرى، مثل الفيضانات والعواصف والجفاف وتلوث الهواء والثلوج والجليد، بحسب طبيعة كل قطاع وموقع العمل.

الطقس المتطرف قد يغير نظرة المجتمع إلى سياسات المناخ

هناك جانب إيجابي محتمل لهذه الأزمة؛ إذ تشير دراسات إلى أن دعم الجمهور للسياسات المناخية يزداد عندما يتم الربط بصورة واضحة بين أحداث الطقس المتطرف والتغير المناخي والتكاليف التي تترتب عليها.

فبدلًا من أن يبقى تغير المناخ مفهومًا مجردًا يرتبط بعام 2050 أو بمؤتمرات دولية بعيدة عن الحياة اليومية، يمكن أن يصبح مرتبطًا مباشرة بسلامة العامل وصحته ودخله واستقرار وظيفته.

وقد يساعد ذلك في تحويل قضية التكيف مع تغير المناخ من موضوع بيئي إلى قضية اقتصادية واجتماعية وصحية تتعلق بمصالح ملايين العاملين.

الحاجة إلى تحول في بيئة العمل

تكشف تجربة بريطانيا أن تغير المناخ بدأ يفرض نفسه على سوق العمل بصورة لا يمكن تجاهلها.

فالحرارة المرتفعة لم تعد مجرد ظاهرة صيفية مزعجة، والفيضانات والعواصف والجفاف لم تعد مخاطر نادرة بالنسبة إلى قطاعات واسعة من العاملين.

ومع استمرار تغير المناخ، قد يصبح تعديل ساعات العمل وتصميم أماكن العمل وتوفير الحماية الصحية والتدريب على مخاطر الطقس جزءًا أساسيًا من قواعد العمل في المستقبل.

والتحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في حماية العاملين خلال موجة حر أو فيضان، وإنما في بناء سوق عمل قادر على الاستمرار في عالم تتغير فيه الظروف المناخية بصورة متسارعة.

فإذا كان تغير المناخ يغيّر الطقس، فإنه يغيّر أيضًا طريقة العمل. وحماية العمال لم تعد قضية رفاهية أو استجابة مؤقتة لموجة حر، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من التكيف مع مستقبل مناخي أكثر تطرفًا.

Exit mobile version