في ظل البحث المتزايد عن بدائل مستدامة للجلود التقليدية والصناعية، اتجه علماء إلى مصدر غير متوقع: شبكة الخيوط الليفية التي تنمو أسفل الفطر، والمعروفة باسم الميسيليوم (Mycelium).
وتمكن الباحثون من تطوير طريقة قابلة للتوسع لإنتاج نسيج متين يشبه الجلد من ألياف الفطر، دون الاعتماد على الحيوانات أو المواد البلاستيكية القائمة على الوقود الأحفوري.
ولإثبات إمكانية استخدام المادة في منتجات حقيقية، تمكن الفريق من تصنيع حقيبة يد نموذجية باستخدام النسيج الفطري وخياطتها بطريقة مشابهة للجلود التقليدية.
وقد نشرت الدراسة في دورية ACS Applied Bio Materials، وقاد الدراسة مانويل أرياس-بارانتس، وجيزا سيلفاي، وزملاؤهما من مركز الأبحاث التقنية «VTT» في فنلندا.
لماذا يبحث العلماء عن بديل للجلد؟
يتمتع الجلد التقليدي بالمتانة والمرونة، لكنه يرتبط بصناعة الثروة الحيوانية التي تستهلك مساحات كبيرة من الأراضي والمياه، وتسهم في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
أما البدائل النباتية للجلد، التي توصف غالبًا بأنها «جلود نباتية» أو «جلود نباتية صناعية»، فلا تحل المشكلة البيئية بالكامل؛ إذ يعتمد كثير منها على مواد بلاستيكية مشتقة من النفط، وهي مواد يصعب إعادة تدويرها والتخلص منها.
وبذلك تظل الصناعة أمام معادلة صعبة: جلد حيواني يرتبط بتأثيرات بيئية كبيرة، أو بدائل صناعية تعتمد على البلاستيك.
وهنا يظهر الميسيليوم كخيار ثالث يحاول الجمع بين المتانة المطلوبة في المنتجات الجلدية وقابلية التحلل الطبيعي.
وقال مانويل أرياس-بارانتس إن كثيرًا من المستهلكين يبحثون عن بدائل للمواد المشتقة من الوقود الأحفوري والمواد الحيوانية، إلا أن البدائل القابلة للتوسع على نطاق صناعي لا تزال محدودة.
وأضاف أن العمل الجديد نجح في التغلب على أحد العوائق المهمة أمام الإنتاج واسع النطاق، من خلال تطوير طريقة تسمح بإنتاج أقمشة قائمة على الميسيليوم بكميات أكبر وبتكلفة يمكن خفضها.
زراعة الفطر بطريقة مختلفة
ليست فكرة استخدام الميسيليوم في المواد المستدامة جديدة تمامًا، إذ تعتمد بعض المنتجات الموجودة حاليًا على السماح للفطريات بالنمو فوق صوانٍ مسطحة.
ومع نمو الفطر، تتشابك أليافه الدقيقة مع بعضها البعض لتكوين طبقة متماسكة يمكن معالجتها وتحويلها إلى مادة شبيهة بالجلد.
لكن هذه الطريقة تواجه مشكلة رئيسية، وهي صعوبة التوسع في الإنتاج؛ إذ يحتاج كل لوح إلى صينية خاصة وفترة زمنية حتى ينمو الفطر ويشكل الطبقة المطلوبة، لذلك اتجه فريق البحث إلى طريقة مختلفة تمامًا.
وبدلًا من زراعة الفطر على أسطح مسطحة، غمر الباحثون فطر Trichoderma reesei في سائل غني بالعناصر الغذائية، ثم عملوا على زراعته داخل خزانات تشبه الخزانات المستخدمة في صناعة المشروبات والتخمير.
وفي هذه البيئة، لا ينمو الفطر على هيئة ورقة أو لوح، وإنما يتجمع في صورة كتلة سميكة تشبه اللب.
وهذا التغيير في طريقة الزراعة أتاح للباحثين التعامل مع الميسيليوم كمادة خام يمكن معالجتها بشكل أكثر مرونة.
من لب الفطر إلى نسيج يشبه الجلد
بعد حصاد الكتلة الفطرية، غسل الباحثون المادة وخلطوها مع مادتين إضافيتين هما السوربيتول والسليلوز.
والسوربيتول عبارة عن كحول سكري طبيعي يستخدم على نطاق واسع في الأغذية ومستحضرات التجميل، ويعمل في هذه العملية كمادة ملدنة تساعد على منع المنتج النهائي من أن يصبح صلبًا أو هشًا.
أما السليلوز، فهو مادة هيكلية تمنح جدران الخلايا النباتية قوتها، وقد استخدمه الباحثون لتدعيم الألياف الفطرية وزيادة قوة المادة النهائية، وأدى الجمع بين المكونات الثلاثة إلى تحسين مرونة النسيج ومتانته.
بعد ذلك، نشر الباحثون الخليط على هيئة طبقات رقيقة وجففوه، ليحصلوا على نسيج غير منسوج يشبه الجلد ويمكن التعامل معه وقصه وخياطته بطريقة مشابهة للمنسوجات التقليدية.
تحكم أكبر في خصائص النسيج
من أهم مزايا الطريقة الجديدة أنها تمنح الباحثين تحكمًا أكبر في خصائص المادة مقارنة بالطريقة التقليدية القائمة على نمو الفطر مباشرة لتكوين صفائح.
فقد أصبح بالإمكان تعديل خصائص النسيج، وإضافة الألوان والملمس المطلوبين، بل وكذلك وضع طبقة من نسيج الميسيليوم مباشرة فوق القطن.
أما في طرق إنتاج الصفائح التقليدية، فإن الفطر يشكل شبكة متماسكة أثناء نموه، ما يحد من قدرة الباحثين على التحكم في شكل المادة وخصائصها خلال المراحل المختلفة من التصنيع.
وهذا التحكم قد يكون مهمًا عند تصميم مواد مخصصة لصناعة الملابس والحقائب والأحذية وغيرها من المنتجات التي تتطلب مواصفات محددة من حيث المرونة والمتانة والسمك.
الاستعانة بتقنيات صناعة الورق
بعد نجاح التجارب على مستوى المختبر، واجه الباحثون التحدي الأصعب: هل يمكن تحويل هذه الطريقة إلى عملية إنتاج واسعة النطاق؟
وللإجابة عن هذا السؤال، طور الفريق نظامًا يعتمد على مجموعة من الأسطوانات المشابهة لتلك المستخدمة في صناعة الورق.
وباستخدام هذا النظام، تمكن الباحثون من إنتاج شرائح مستمرة من نسيج الميسيليوم يبلغ عرضها نحو 8 بوصات، وطولها نحو 26 قدمًا، أي ما يقرب من 8 أمتار.
ويمثل ذلك تقدمًا مهمًا مقارنة بالعينات الصغيرة التي يتم إنتاجها يدويًا عادة في المختبرات أثناء اختبار المواد الحيوية الجديدة.
كما أن استخدام معدات تشبه تلك الموجودة بالفعل في صناعات أخرى يفتح الباب أمام إمكانية تطوير الإنتاج على نطاق أكبر دون الحاجة إلى إنشاء منظومة صناعية جديدة بالكامل.
حقيبة من الفطر لاختبار الاستخدام الحقيقي
لم يكتف الباحثون باختبار خصائص المادة داخل المختبر، بل أرادوا معرفة ما إذا كان يمكن استخدامها بالفعل في منتج عملي.
ولهذا صنعوا نموذجًا لحقيبة يد باستخدام نسيج الميسيليوم، وخاطوا أجزائها بطريقة مشابهة لطريقة تصنيع المنتجات الجلدية التقليدية.
وأظهرت التجربة أن المادة يمكن قصها والتعامل معها وخياطتها، ما يشير إلى إمكانية استخدامها في منتجات استهلاكية حقيقية.
لكن الباحثين يؤكدون أن المادة لم تصل بعد إلى مرحلة جاهزة لطرحها في الأسواق.
هل يستطيع «جلد الفطر» منافسة الجلد التقليدي؟
أظهرت الاختبارات المعملية أن نسيج الميسيليوم الذي تم إنتاجه باستخدام الطريقة الجديدة حقق قوة شد مماثلة للجلد التقليدي في الاختبارات التي أجريت عليه.
والأهم من ذلك أن المادة تتمتع بقابلية للتحلل الحيوي، على عكس العديد من البدائل البلاستيكية المستخدمة حاليًا.
فقد تحللت المادة في الماء خلال نحو 28 يومًا، بينما تفككت بالكامل في ظروف التسميد الصناعي خلال نحو ستة أسابيع.
وتمنح هذه الخاصية المادة ميزة بيئية محتملة، خصوصًا في ظل التحديات التي تواجه العالم في التعامل مع المنتجات والمواد البلاستيكية بعد انتهاء عمرها الافتراضي.
لكن هناك عقبة لا تزال بحاجة إلى الحل قبل الوصول إلى المنتجات التجارية، وهي زيادة مقاومة النسيج للتمزق.
فحتى لو كانت المادة مستدامة وقابلة للتحلل، فإن حقيبة أو سترة تتمزق بسهولة لن تكون قادرة على تحمل الاستخدام اليومي.
البنية التحتية الحالية قد تسرع الوصول إلى الأسواق
يرى الباحثون أن إحدى أهم نقاط القوة في التقنية الجديدة لا تتمثل في المادة نفسها فقط، وإنما في طريقة تصنيعها.
فالعملية تعتمد إلى حد كبير على معدات وتقنيات مستخدمة بالفعل في صناعات التكنولوجيا الحيوية والطباعة وصناعة الورق.
وهذا يعني أن الانتقال إلى إنتاج أكبر قد لا يتطلب بناء بنية تحتية صناعية جديدة بالكامل من الصفر.
وقد تكون الاستفادة من خطوط الإنتاج والمعدات الموجودة بالفعل عاملًا حاسمًا في تحديد ما إذا كان نسيج الميسيليوم سينتقل من نموذج مختبري مثير للاهتمام إلى منتج تجاري قادر على منافسة الجلد التقليدي والبدائل البلاستيكية.
الفطر يدخل سباق المواد المستدامة
لا يزال نسيج الميسيليوم في مرحلة التطوير، لكن الطريقة الجديدة تقدم تصورًا مختلفًا لصناعة مواد تشبه الجلد، يجمع بين الاستفادة من الكائنات الحية الدقيقة وإمكانية التصنيع المستمر.
فبدلًا من الاعتماد على جلود الحيوانات أو البوليمرات البلاستيكية المشتقة من النفط، يحاول الباحثون تحويل شبكة فطرية إلى مادة مرنة ومتينة وقابلة للتحلل.
وإذا تمكنت الفرق البحثية من تحسين مقاومتها للتمزق وخفض تكلفة إنتاجها وتوسيع نطاق التصنيع، فقد تصبح المواد القائمة على الميسيليوم منافسًا حقيقيًا في صناعة الأزياء والحقائب والأحذية وغيرها من المنتجات التي تعتمد على الجلد.
