لم تعد مخاطر تغير المناخ منفصلة عن الصراعات الجيوسياسية وأزمات الطاقة والتجارة العالمية؛ فالتوترات الدولية قد تعطل إمدادات الوقود والمعادن الحيوية، بينما يزيد الاحترار العالمي والضغوط على الموارد من احتمالات اضطراب الإنتاج وسلاسل الإمداد، بما يهدد الشركات والاستثمارات وقدرة المقترضين على سداد ديونهم.
وفي هذا السياق، يحذر ثلاثة خبراء في السياسات المالية من أن تجاهل الترابط بين المخاطر المناخية والجيوسياسية قد يترك المؤسسات المالية أقل استعدادًا لصدمات متداخلة، تبدأ باضطراب إمدادات الطاقة أو ارتفاع أسعار المواد الخام، ثم تنتقل إلى تكاليف الإنتاج والتضخم والائتمان والاستقرار المالي.
ويرى فرانك فان دونيه وإيفا فيرميولين وسيم هاوبن، في تحليل نشره موقع «جرين سنترال بانكينج» في الأول من أكتوبر 2026، أن البنوك لا تحتاج بالضرورة إلى بناء أنظمة جديدة بالكامل؛ إذ يمكنها توسيع أدوات إدارة المخاطر المناخية الموجودة لديها لتشمل الصراعات الجيوسياسية، من خلال اختبارات الضغط وتحليل السيناريوهات ورسم خرائط الاعتماد على سلاسل الإمداد.
ثلاثة أرباع سكان العالم يعيشون في دول مستوردة صافيًا للوقود الأحفوري
يمثل الاعتماد على واردات الوقود الأحفوري نقطة التقاء واضحة بين مخاطر المناخ والجغرافيا السياسية. فبحسب البيانات التي يستشهد بها التحليل، يعيش نحو ثلاثة أرباع سكان العالم في دول تستورد من الوقود الأحفوري أكثر مما تصدر.
ويعني هذا الاعتماد أن اضطراب الإمدادات أو ارتفاع أسعار النفط والغاز قد ينتقل سريعًا إلى الاقتصادات المستوردة، عبر زيادة تكاليف الطاقة والنقل والإنتاج، ثم الضغط على الشركات والأسر والموازنات العامة.
وتواجه الشركات كثيفة الاعتماد على الوقود الأحفوري مخاطر إضافية، تشمل ارتفاع تكاليف التحول إلى اقتصاد منخفض الانبعاثات، وتغير القواعد التنظيمية وأسعار الكربون، وتطور التقنيات البديلة، إلى جانب احتمالات تعطل الإمدادات بسبب النزاعات أو القيود التجارية.
وبالنسبة إلى البنوك، لا تتوقف المخاطر عند ارتفاع تكلفة الطاقة؛ فقد تتراجع ربحية الشركات المقترضة، وتتدهور قدرتها على الوفاء بالتزاماتها، ما يزيد مخاطر التعثر ويؤثر في جودة المحافظ الائتمانية.
الطاقة النظيفة تقلل بعض المخاطر.. لكنها تخلق تحديات جديدة
يمكن لتوسيع استخدام الطاقة المتجددة وتحسين كفاءة الطاقة أن يقللا الاعتماد على واردات الوقود الأحفوري، ويحدا من التعرض لبعض صدمات الأسعار والإمدادات الخارجية.
لكن التحول الأخضر لا يلغي مخاطر التركّز الجغرافي؛ إذ تعتمد البطاريات ومشروعات الطاقة المتجددة والبنية التحتية الكهربائية على معادن ومواد أساسية، من بينها الليثيوم والنحاس والعناصر الأرضية النادرة.
وعندما تتركز عمليات استخراج هذه المواد أو معالجتها في عدد محدود من الدول، تصبح سلاسل الإمداد معرضة للقيود التجارية والتوترات السياسية واضطرابات الإنتاج والنقل.
وهكذا قد ينتقل جزء من الاعتماد الاستراتيجي من النفط والغاز إلى المعادن والتقنيات اللازمة لبناء منظومة الطاقة الجديدة، ما يجعل تنويع مصادر الإمداد وإعادة التدوير ورفع كفاءة استخدام الموارد عناصر مهمة في تعزيز أمن الطاقة.
ولا يعني ذلك أن الطاقة النظيفة تزيد المخاطر بالضرورة؛ بل إن مكاسبها في تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري ينبغي أن تترافق مع إدارة واعية لمخاطر سلاسل الإمداد الجديدة.
الحروب التجارية تربك حسابات الاستثمار الأخضر
تحتاج مشروعات الطاقة والبنية التحتية والصناعة إلى أفق زمني طويل حتى تسترد تكاليفها وتحقق عوائدها. ولهذا تؤثر التغيرات المفاجئة في السياسات التجارية والبيئية في قرارات الاستثمار والتمويل.
ويوضح التحليل أن تصاعد التنافس الدولي والسياسات الحمائية قد يدفع بعض الحكومات إلى إعطاء الأولوية للمصالح الصناعية والأمنية قصيرة الأجل على حساب مسارات التحول المناخي طويلة الأجل.
وقد يؤدي تغيير الحوافز أو فرض قيود تجارية أو تعديل القواعد المنظمة للانبعاثات إلى رفع تكاليف المشروعات أو تأخيرها، فضلًا عن خلق حالة من عدم اليقين بشأن متطلبات الاستثمار المستقبلية.
وتزداد الصعوبة أمام المؤسسات المالية العاملة في أكثر من دولة، عندما تختلف القواعد البيئية ومتطلبات الإفصاح والتزامات خفض الانبعاثات من سوق إلى أخرى.
وتنعكس هذه التطورات على تقييم المخاطر الائتمانية، لأن قدرة الشركات على سداد القروض لا تعتمد على وضعها المالي الحالي فقط، بل أيضًا على قدرتها على التكيف مع تغير السياسات والأسواق وتكاليف الإنتاج.
كيف يمكن للبنوك الاستعداد لصدمات المناخ والجغرافيا السياسية؟
يقترح الخبراء توسيع استخدام أدوات إدارة المخاطر المناخية لتشمل السيناريوهات الجيوسياسية، بدلًا من التعامل مع كل خطر بصورة منفصلة.
أولًا: اختبارات الضغط المالي. يمكن للبنوك اختبار قدرة محافظها الائتمانية على تحمل سيناريوهات مثل ارتفاع أسعار الطاقة، أو تعطل ممرات الشحن، أو فرض قيود على صادرات المعادن الحيوية، أو تسارع التحول الأخضر بصورة غير منظمة.
ثانيًا: رسم خرائط سلاسل الإمداد. يساعد تحديد الموردين الرئيسيين والمواد التي تعتمد عليها الشركات المقترضة في اكتشاف نقاط الضعف، خصوصًا عندما يأتي مكون حيوي من دولة معرضة للصراعات أو لاضطرابات المناخ.
ثالثًا: تحليل السيناريوهات المستقبلية. لا يكفي الاعتماد على بيانات الماضي وحدها، لأن الصدمات المتداخلة قد تحدث بطرق لا تعكسها الاتجاهات التاريخية. لذلك ينبغي دراسة مسارات محتملة تختلف في مستوى التعاون الدولي وسرعة التطور التكنولوجي واتجاه السياسات المناخية.
رابعًا: اختبار قدرة الشركات على التكيف. يمكن تقييم مدى اعتماد الشركات على الوقود الأحفوري، وقدرتها على تنويع الموردين، وتحسين كفاءة الطاقة، والتحول إلى بدائل أقل تعرضًا للصدمات.
خامسًا: الاستعداد للخسائر الكبيرة. يشير التحليل إلى أهمية اختبارات الضغط العكسية، التي تبدأ بتحديد سيناريو قد يؤدي إلى تآكل رأس المال أو إضعاف الوضع المالي للمؤسسة، ثم تبحث في الأحداث التي يمكن أن تقود إلى هذه النتيجة.
البنك المركزي الأوروبي يوسع الاهتمام بالمخاطر الجيوسياسية
بحسب التحليل، أدمج البنك المركزي الأوروبي المخاطر الجيوسياسية في منهجه الرقابي، وطلب من البنوك إجراء اختبارات ضغط عكسية لتحديد السيناريوهات التي قد تستنزف رأس المال بصورة كبيرة.
ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا بأن المخاطر لا تأتي دائمًا من مصدر واحد؛ فقد تتزامن أزمة الطاقة مع تغيرات في السياسات التجارية أو كارثة مناخية أو اضطراب في سلاسل الإمداد، لتتضاعف آثارها على الشركات والأسواق والمؤسسات المالية.
ويمكن أن يساعد الجمع بين التحليل المالي والبيئي والجيوسياسي على تحديد نقاط الضعف قبل أن تتحول إلى خسائر فعلية، بدلًا من الاكتفاء بالتعامل مع تداعيات الأزمة بعد وقوعها.
ماذا يعني ذلك للاقتصادات العربية؟
تختلف درجة التعرض للمخاطر بين الدول العربية، تبعًا لهيكل الاقتصاد ومصادر الطاقة وحجم الواردات وقدرة المؤسسات على إدارة الأزمات. فالدول المستوردة للطاقة قد تكون أكثر حساسية لارتفاع أسعار الوقود واضطرابات الشحن، بينما تواجه الدول المصدرة تحديات مرتبطة بتقلب الطلب العالمي وسياسات التحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري.
وتواجه المنطقة أيضًا تحديات تتعلق بندرة المياه وارتفاع درجات الحرارة وتأثيرات المناخ في الزراعة والإنتاج والبنية التحتية، وهي عوامل يمكن أن تتقاطع مع المخاطر التجارية والمالية.
ومن ثم، فإن تعزيز أمن الطاقة لا يقتصر على زيادة الإمدادات، بل يشمل تنويع مصادر الطاقة، ورفع الكفاءة، وتوسيع مصادر الكهرباء النظيفة، وتحسين مرونة سلاسل الإمداد، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر وإدارة المخاطر.
كما يمكن للمؤسسات المالية الاستفادة من اختبارات الضغط وتحليل السيناريوهات لتقدير تأثير صدمات الطاقة والمناخ والتجارة على القطاعات الاقتصادية المختلفة، مع مراعاة الفروق بين كل دولة وأخرى.
الاستدامة أصبحت جزءًا من إدارة المخاطر المالية
تتمثل الرسالة الأساسية للتحليل في أن إدارة المخاطر المناخية والجيوسياسية لا ينبغي أن تعمل في مسارين منفصلين. فالاضطراب السياسي قد يبطئ التحول الأخضر، بينما يمكن لأزمات المناخ والموارد أن تزيد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تغذي عدم الاستقرار.
ولا تهدف اختبارات الضغط إلى التنبؤ الدقيق بالأزمة المقبلة، بل إلى تحديد مواطن الضعف والاستعداد لعدة احتمالات، بما يساعد المؤسسات المالية على اتخاذ قرارات أكثر مرونة.
ومع تزايد الترابط بين الطاقة والتجارة والمناخ والتمويل، تصبح الاستدامة أكثر من التزام بيئي؛ إنها أداة لفهم المخاطر الاقتصادية طويلة الأجل، وتعزيز قدرة البنوك والشركات والاقتصادات على الصمود أمام عالم أكثر تقلبًا.
