أهم الموضوعاتأخبارالاقتصاد الأخضر

من القاهرة إلى عمّان والرباط.. كيف واجهت الدول غير النفطية أزمة الطاقة؟ صدمة مزدوجة

من الدعم إلى رفع الأسعار.. استراتيجيات عربية لاحتواء أزمة الطاقة.. من يتحمل الكلفة؟

ليست الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مجرد حدث جيوسياسي عابر، بل تمثل نقطة تحوّل حادة في تسعير الطاقة عالميًا، مع انتقال سريع من “سعر برميل” إلى “سعر مخاطر”. فالتوتر حول مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية، لم يرفع أسعار الخام فحسب، بل زاد أيضًا كلفة التأمين والشحن، مما أدى إلى تضخم الكلفة الفعلية للطاقة بالنسبة للدول المستوردة.

وفي هذا السياق، يشير تحليل صندوق النقد الدولي إلى أن الصدمات الجيوسياسية المرتبطة بالطاقة تختلف عن الصدمات التقليدية، إذ تمتد آثارها إلى قنوات التمويل والتجارة في آن واحد، مما يجعل الاقتصادات المستوردة أكثر عرضة لتقلبات حادة في ميزان المدفوعات والاستقرار النقدي.

غلق المحال والمولات مبكرا لترشيد الطاقة

انفجار فاتورة الاستيراد تحت ضغط الصدمة

مع اتساع نطاق التصعيد، واجهت الدول العربية غير المنتجة للنفط ارتفاعًا مباشرًا في فاتورة وارداتها الطاقية، ليس فقط بفعل صعود الأسعار العالمية، بل أيضًا نتيجة تضخم كلفة الشحن والتأمين المرتبطة بالمخاطر.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن هذه الصدمة انعكست سريعًا في اتساع العجز التجاري وارتفاع كلفة دعم الطاقة كنسبة من الناتج، خاصة في اقتصادات تعتمد بشكل كبير على الواردات.

ولا تتوقف آثار هذه الصدمة عند الكلفة المباشرة، إذ توضح تقارير البنك الدولي أن اضطرابات الطاقة المرتبطة بالتوترات الإقليمية تولّد ضغوطًا مزدوجة تشمل ارتفاع فاتورة الاستيراد وتراجع ثقة المستثمرين، مما يؤدي إلى زيادة كلفة التمويل والضغط على العملات المحلية.

وفي قراءة لسلوك السوق، قال فاتح بيرول، المدير التنفيذي لـوكالة الطاقة الدولية، إن الاضطرابات في الشرق الأوسط تضيف علاوة مخاطر مستمرة إلى أسعار الطاقة، وليست مجرد ارتفاعات مؤقتة.

رفع الدعم عن الوقود الأحفوري يوفر فرصة لمعالجة المناخ
رفع أسعار الطاقة وإجراءات الترشيد

الحكومات بين امتصاص الصدمة وتمريرها

أمام هذه الضغوط، تحركت الحكومات العربية وفق ثلاث مقاربات رئيسية تعكس اختلاف قدراتها المالية:

  • في مصر، اتجهت الحكومة إلى مزيج من السياسات شمل رفع أسعار الوقود والكهرباء، إلى جانب إجراءات تقشفية مثل تقليص ساعات عمل المحال وخفض الإنارة العامة، لإعادة توزيع الكلفة بين الدولة والمستهلك.
  • في الأردن، تم اعتماد نهج أكثر توازنًا عبر تمرير جزئي لأسعار الوقود، مع الإبقاء على دعم موجه لأسطوانات الغاز والكيروسين، لتخفيف أثر الأزمة على المواطنين.
  • في المغرب، لجأت الحكومة إلى دعم موجه لقطاع النقل عبر إعادة دعم الوقود لمهنيي النقل، بهدف احتواء ارتفاع الأسعار والحفاظ على استقرار التكاليف.
بلغ متوسط سعر البنزين عالميًا في 30 مارس/آذار الماضي 1.44 دولارًا للتر

انتقال الأزمة إلى المستوى المعيشي

مع انتقال الكلفة من الموازنات إلى الأسعار، بدأت آثار الأزمة تظهر بوضوح على المستوى المعيشي، حيث انعكست كلفة الطاقة على النقل والإنتاج وأسعار الغذاء والخدمات، مما أدى إلى تآكل القدرة الشرائية.

  • في مصر، ظهر التأثير عبر رفع أسعار الطاقة وإجراءات الترشيد، ما ضغط على الأنشطة الاقتصادية خاصة المرتبطة بالاقتصاد الليلي.
  • في الأردن، برز قطاع النقل كقناة رئيسية لنقل الصدمة إلى باقي الاقتصاد.
  • في تونس، اختارت الحكومة تثبيت الأسعار، ما أدى إلى تحميل الموازنة أعباء إضافية.
  • أما في لبنان، فقد تحولت الأزمة إلى نقص في الخدمات الأساسية، خصوصًا الكهرباء.
محطة بنزين سيارات
محطة بنزين سيارات

إعادة توزيع الكلفة

تكشف المقارنة بين الدول أن جوهر الأزمة لا يكمن في وجود الكلفة، بل في كيفية توزيعها، إذ تتباين الخيارات بين:

  • تمرير الكلفة إلى المستهلك
  • امتصاصها عبر الموازنة
  • تأجيلها عبر الدعم المؤقت

وفي هذا السياق، أشار جهاد أزعور إلى أن هذه السياسات تعكس مفاضلة واضحة بين الاستقرار المالي والاجتماعي.

الدول الأكثر هشاشة تحت الضغط

تُظهر التطورات أن الدول الأكثر هشاشة هي تلك التي تجمع بين الاعتماد الكبير على الاستيراد وضعف الحيز المالي، مثل تونس ولبنان، حيث قد تؤدي الصدمة إلى تدهور الخدمات وزيادة المخاطر الاجتماعية.

اقتصاد تحت إعادة تسعير مستمر

في المحصلة، تعيد الأزمة الحالية تعريف كلفة الطاقة بشكل هيكلي، مع ترسخ المخاطر الجيوسياسية كعنصر دائم في التسعير.

وحذّر فاتح بيرول من أن العالم يواجه “صدمة ثلاثية” تشمل النفط والغاز والغذاء، مشيرًا إلى أن الدول النامية ستكون الأكثر تضررًا، مع ارتفاع التضخم وزيادة أعباء الديون.

كما أوضح أن الحل الحقيقي لاحتواء الأزمة يتمثل في إعادة فتح مضيق هرمز، مؤكدًا أن استمرار إغلاقه سيبقي الضغوط على الأسواق العالمية لفترة طويلة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading