أوروبا تفقد ما يعادل 600 ملعب كرة قدم من الأراضي الزراعية والطبيعية يوميًا
من الغابات إلى الإسفلت.. 5 سنوات تكشف تسارع زحف العمران على طبيعة أوروبا
كشفت تحقيقات مشتركة لصحيفة الغارديان وعدد من شركائها الإعلاميين والعلميين أن أوروبا تخسر يوميًا ما يعادل 600 ملعب كرة قدم من الأراضي الزراعية والطبيعية، التي كانت تؤدي أدوارًا حيوية في تخزين الكربون، وإيواء الحياة البرية، وضمان الأمن الغذائي.
اعتمد التحقيق، المعروف باسم من الأخضر إلى الرمادي، على تحليل صور أقمار صناعية بين عامي 2018 و2023، بالتعاون مع علماء من المعهد النرويجي لأبحاث الطبيعة (NINA) .
وخلص إلى أن مساحات هائلة من الأراضي الخضراء في أوروبا تُبتلع بوتيرة متسارعة لصالح الطرق والمباني ومشروعات الترفيه والسكن الفاخر، في تحول مقلق يشبه ما يحدث في غابات الأمازون.
منتجعات فاخرة على أراضٍ محمية
في البرتغال، يجري بناء منتجع ضخم يشمل ملعب غولف على مساحة 75 هكتارًا من أراضي “ناتورا 2000″، التي يُفترض أنها محمية بموجب القوانين الأوروبية. ورغم اعتراض منظمات بيئية، وافقت السلطات المحلية على المشروع بحجة “الفوائد الاقتصادية”.
المنتجع، الذي يستهلك ما يصل إلى 800 ألف لتر من المياه يوميًا، يوصف بأنه “الوجه الجديد للفخامة الأوروبية”، فيما اعتبر محامون بيئيون أن مثل هذه المشاريع لا ترقى إلى “مصلحة عامة عليا” تسمح بتجاوز الحماية القانونية.

تدمير موائل الطيور في تركيا
أما في تركيا، فقد اختفت منطقة “تشالتيلديري” الرطبة في إزمير، والتي كانت محطة رئيسية للطيور المهاجرة وموطنًا للفلامنغو والبجع والأسماك، بعد تحويلها إلى قواعد خرسانية لبناء مرسى فاخر لليخوت.
السلطات المحلية ألغت وضع المنطقة كـ”أرض رطبة محمية” عام 2017، رغم أنها كانت تخزن الكربون وتشكل خط دفاع طبيعي ضد الفيضانات.
الشركة المنفذة للمشروع بررت الخطوة بأنها ستوفر “آلاف الوظائف” وتفتح الباب لبناء عشرات اليخوت الفاخرة سنويًا.
نصف مليون شجرة ضحية لتوسعة “تسلا”
في ألمانيا، أُزيل نصف مليون شجرة قرب برلين لإفساح المجال أمام توسعة مصنع “تسلا” بهدف مضاعفة إنتاج السيارات الكهربائية ليصل إلى مليون سيارة سنويًا.
المشروع حصل على موافقة حكومية، رغم الجدل الواسع حول أثره البيئي.
مشاريع طاقة على حساب الغابات
حتى مشروعات الطاقة المتجددة لم تكن بعيدة عن الانتقادات. ففي شمال اليونان، أقيمت مزارع رياح في جبال فيرميو، وهي منطقة مصنفة كـ”برية بلا طرق” بموجب القانون اليوناني.
ورغم اعتراضات قانونية، أكدت الشركة المالكة أنها التزمت بجميع الأطر البيئية والقضائية.
تركيا تتصدر قائمة الخسائر
أظهر التحقيق أن تركيا تصدرت الدول الأوروبية الأكثر فقدانًا للأراضي الطبيعية والزراعية، بمساحة بلغت 1860 كيلومترًا مربعًا خلال خمس سنوات، أي أكثر من خمس إجمالي الخسائر. تلتها بولندا (1000 كم²)، فرنسا (950 كم²)، ألمانيا (720 كم²)، ثم المملكة المتحدة (604 كم²).
أزمة بطيئة لكنها متواصلة
تقول وكالة البيئة الأوروبية (EEA) إن منهجية التحقيق أظهرت حجم الخسائر الصغيرة والمتفرقة، التي غالبًا ما تُستثنى من الإحصاءات الرسمية، وهو ما جعل الأرقام أكبر بمرة ونصف من التقديرات المعتادة.
وصف الخبراء الظاهرة بأنها “أزمة بطيئة الاحتراق”، تتراكم آثارها عامًا بعد عام.
“نحن نُسمنت مستقبلنا”
النائبة الأوروبية الخضراء لينا شيلينغ وصفت النتائج بأنها “خيانة لتعهدات أوروبا للأجيال القادمة”، مؤكدة أن “كل غابة تُقطع، وكل حقل يُهدم من أجل أرباح قصيرة الأجل، يعني أننا نُسمنت مستقبلنا بأيدينا”.
وأضافت: “إذا واصلنا التعامل مع الطبيعة كأنها مورد يمكن استهلاكه، فلن نخسر أهدافنا المناخية فحسب، بل غذاءنا وصحتنا والمكان الذي يجعل أوروبا جديرة بالحياة”.





