أهم الموضوعاتأخبارابتكارات ومبادرات

من الخشب إلى الذكاء الاصطناعي.. هكذا تتغير صناعة الأسمنت نحو الاستدامة

هل تنجح التكنولوجيا والابتكار في إزالة الكربون من صناعة الأسمنت؟

تُعد صناعة الأسمنت من أكبر مصادر انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في العالم، إذ تُسهم بنسبة تتراوح بين 7 و8% من الانبعاثات العالمية، أي ما يعادل نحو 2.6 جيجا طن سنويًا، ما يجعل خفض الانبعاثات أمرًا لا مفر منه. ومع ذلك، لطالما اعتُبرت هذه الصناعة من بين أصعب القطاعات في مجال إزالة الكربون.

يتطلب إنتاج الأسمنت درجات حرارة تتجاوز 1400 درجة مئوية، وغالبًا ما تُولد هذه الحرارة باستخدام الوقود الأحفوري، والهدف منها هو إطلاق ثاني أكسيد الكربون من الحجر الجيري لإنتاج الكلنكر، الذي يُطحن لاحقًا لصناعة الأسمنت. ونتيجة لذلك، تأتي أكثر من نصف انبعاثات الأسمنت من عملية إنتاج الكلنكر.

ويزيد من تعقيد الوضع أن الطلب على الأسمنت مرشح للنمو بشكل كبير، خصوصًا في دول الجنوب العالمي. إلا أن هذا القطاع، الذي كان يُصنف حتى وقت قريب ضمن “القطاعات التي يصعب السيطرة عليها”، بدأ يشهد خطوات في الاتجاه الصحيح.

عندما أجرت شركة رأس المال الاستثماري “2150”، المتخصصة في الاستثمار في الشركات المعنية بالاستدامة في البيئة المبنية، تحليلًا لسوق الأسمنت عام 2020، لم يكن هناك الكثير من الابتكار في هذا المجال، بحسب كريستيان هيرنانديز، الشريك المؤسس. لكنه أشار إلى أنه عند تحديث خريطة المواد مؤخرًا، وُجد أكثر من 60 شركة تعمل على تطوير خرسانة منخفضة الكربون، وبدأ التمويل بالتوفر خلال العامين الأخيرين لتوسيع نطاق هذه الابتكارات.

مخطط مفاهيمي لعملية رسم خريطة لإمكانات إعادة التحريج

ضرورة معالجة مشكلة الأسمنت

وتوضح إيف بوب، محللة التكنولوجيا في شركة IDTechEx، أن العديد من الشركات، سواء كانت منتجة أو مستخدمة للأسمنت، باتت تمتلك الآن أهدافًا واضحة لتحقيق صافي انبعاثات صفري، ومن بينها شركات كبرى مثل هولسيم وهايدلبرج ماتيريالز. “ما يعني ضرورة معالجة مشكلة الأسمنت باعتباره من أكبر المساهمين في الانبعاثات العالمية”، كما تقول.

ورغم ظهور عدة أدوات لإزالة الكربون، إلا أن القليل منها يُعد اقتصاديًا حتى الآن، وفقًا لراشيل هوارد، مديرة برامج إزالة الكربون الصناعي في شراكة “Mission Possible”. ومن بين هذه الأدوات تحسين الكفاءة من جانب الطلب، مثل إطالة عمر المباني، وإعادة استخدام الخرسانة، والتصميم الذكي، وهي إجراءات قادرة على تقليل الانبعاثات بنسبة تصل إلى 22%.

ويؤكد هيرنانديز أن أحد أكثر الحلول فاعلية يتمثل ببساطة في بناء المباني من الخشب بدلًا من الأسمنت. وقد استثمرت شركته في مختبرات “ليكو” في لوكسمبورج، والتي تعتمد على الذكاء الاصطناعي والروبوتات لتصميم هياكل شبكية خشبية تُستخدم في إنشاء مبانٍ خشبية مهما بلغ حجمها، لتحل محل الخرسانة والفولاذ (الذي يُعد بدوره من المواد الأعلى انبعاثًا للكربون)، مما يساعد على تجنب مئات الأطنان من ثاني أكسيد الكربون في كل مشروع سكني.

انبعاثات صناعة الأسمنت

المواد الأسمنتية التكميلية

كذلك ظهرت شركات مثل “هايمدال” و”سي تشينج” تطور حجر جيري سلبي الكربون مُستخرج من ثاني أكسيد الكربون الموجود في مياه البحر. وتلجأ شركات أخرى، مثل “روندو” و”أنتورا”، إلى تخزين الطاقة الحرارية لتعزيز استخدام الطاقة المتجددة في إنتاج الأسمنت. بينما تعتمد شركات مثل “بيومسون” و”بروميثيوس ماتيريالز” على البكتيريا لإنتاج نوع جديد من الأسمنت الحيوي.

ويمكن خفض ربع انبعاثات القطاع تقريبًا من خلال تقنيات خفض انبعاثات العمليات واستبدال الكلنكر بمواد أكثر استدامة تُعرف باسم المواد الأسمنتية التكميلية (SCMs)، والتي تأتي غالبًا من نفايات صناعية مثل الرماد المتطاير الناتج عن محطات الطاقة التي تعمل بالفحم، وخبث أفران الصهر الحبيبي المطحون (GGBS) من صناعة الصلب.

لكن ورغم توافر كميات كبيرة من هذه المواد، المعروفة باسم البوزولانات الصناعية، فإنها لا تُعد حلاً طويل الأمد، خصوصًا في أوروبا، حيث يتم التخلص تدريجيًا من الفحم وأفران الصهر لتقليل الانبعاثات.

وتبرز في الأفق خيارات طويلة الأجل مثل البوزولانات الطبيعية، وهي متوفرة في مناطق بركانية مثل وسط فرنسا. إلى جانب مواد أخرى متاحة عالميًا، مثل الخرسانة المعاد تدويرها والطين المحروق، إلا أن الاستثمار في الطين يتطلب أفران حرق ومحاجر خاصة، مما يزيد من تكاليف الإنتاج.

وتشير هوارد إلى أن أكثر من نصف الانبعاثات سيتم تقليصها عبر مزيج من تغييرات في الوقود، وإزالة الكربون من مصادر الطاقة، وتقنيات احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه (CCUS).

مجموعات البيانات المستخدمة في خرائط إعادة التحريج

استثمارات ضخمة وسلسلة لوجستية متكاملة

وتتفاوت أنواع الوقود البديل لأفران الأسمنت بين نفايات زراعية مثل قشور الأرز أو البن، ونفايات صناعية مثل الإطارات المستعملة.

وفي أوروبا، يشكل الوقود البديل نحو 60% من استهلاك أفران الأسمنت، وتصل بعض المنشآت إلى الاعتماد الكامل عليه تقريبًا.

ورغم أن تقنيات احتجاز الكربون وتخزينه لا تزال مرتفعة التكلفة وتفتقر إلى البنية التحتية الكافية، فإنها تُعد ضرورية لإزالة الكربون بالكامل من صناعة الأسمنت.

وتشير الرابطة العالمية للأسمنت إلى أن هذه التقنية تتطلب استثمارات ضخمة وسلسلة لوجستية متكاملة للنقل والتخزين.

وتقوم بعض الشركات مثل “كاربون كيور” الكندية بحقن ثاني أكسيد الكربون داخل الخرسانة، حيث يتم تمعدنه ليزيد من قوة المادة، ويخفض الانبعاثات بنسبة تصل إلى 5%.

وتسعى شركة “Mission Zero Technologies” البريطانية إلى توفير ثاني أكسيد الكربون الذي يمكن دمجه مع نفايات صناعية أخرى لتكوين بدائل للحجر الجيري أو لإعادة كربنة الخرسانة المهدورة، مما يؤدي إلى إنتاج مواد خام أقوى وأطول عمرًا.

الاتفاق (التقاطع) بين سيناريوهات إعادة التحريج ومجموعات السيناريوهات في هذا التحليل، مع خرائط الأمثلة

استخدام الذكاء الاصطناعي وأدوات رقمية متطورة

وفي سياق آخر، بدأت شركات مثل “كاربون ري” باستخدام الذكاء الاصطناعي وأدوات رقمية متطورة بالتعاون مع شركة ABB، لتحسين الكفاءة وتقليل الانبعاثات. وفي مصنع هايدلبرغ في جمهورية التشيك، أدت هذه الأدوات بالفعل إلى خفض استهلاك الوقود بنسبة 4% والانبعاثات بنسبة 2%.

وتقول بوديل ريكي، مديرة أعمال الأسمنت العالمية في ABB، إن الأدوات الرقمية ستنتشر بسرعة بعد أن يرى المصنعون آثارها الإيجابية على المنافسين من حيث الجودة وخفض الانبعاثات.

وترى شراكة Mission Possible أن نجاح إزالة الكربون يتطلب تعاونًا على مستوى سلسلة القيمة، إلى جانب تدخل حكومي فاعل. ومثال على ذلك، منشأة بريفيك في النرويج، أول مصنع أسمنت في العالم يستخدم تقنية CCUS بالكامل، ضمن مشروع “لونجشيب” المدعوم من الحكومة.

وتشير التقديرات إلى ضرورة وجود مشترين مبكرين للأسمنت منخفض الكربون لدعم السوق. وتعد الحكومات ومطورو الطاقة المتجددة من أبرز الجهات القادرة على لعب هذا الدور، من خلال تضمين هذه المنتجات ضمن سياسات المشتريات الخاصة بهم، ودفع علاوات بيئية تشجيعية.

كما تشكل مبادرات القطاع الخاص عاملاً حاسمًا، مثل مبادرة “ConcreteZero” التابعة لمجموعة المناخ، وتحالف رواد الأعمال، الذي يلتزم بطلبات سنوية تصل إلى 16 مليار دولار على تقنيات المناخ الناشئة بحلول 2030.

ريثام بنورفولك، والذي يمكنه استعادة ما يصل إلى 250 طنًا من ثاني أكسيد الكربو

أول عملية في العالم لإنتاج أسمنت منخفض الكربون باستخدام أفران القوس الكهربائي

وفي هذا السياق، طورت شركة “كامبريدج إلكتريك سيمنت” البريطانية أول عملية في العالم لإنتاج أسمنت منخفض الكربون باستخدام أفران القوس الكهربائي ذاتها المستخدمة في إعادة تدوير الفولاذ، ويُتوقع أن يبدأ الإنتاج التجاري هذا العام.

وتبرز أهمية التنظيم أيضًا، إذ بدأت دول مثل فرنسا بتطبيق قوانين تُلزم بخفض تدريجي لانبعاثات المواد البنائية اعتبارًا من عام 2030، مما يدفع المصنعين والمستهلكين معًا نحو التحول.

وترى بوب من IDTechEx أن أهم ما يميز تقنيات التقاط الكربون هو توافقها مع البنية التحتية الحالية، دون الحاجة إلى تغيير طريقة الإنتاج بالكامل، وهو عامل حاسم في قطاع يتميز بالمحافظة وطول عمر منشآته.

ورغم أن رحلة الاستدامة لصناعة الأسمنت لا تزال في بدايتها، فإن قطاعًا كان يُنظر إليه باعتباره “مستعصيًا على التغيير”، بات يشهد اليوم ابتكارات واعدة على طول سلسلة القيمة، ما قد يؤدي إلى تحول جذري في أثره البيئي خلال الأعوام القادمة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading