وجهات نظر

د. منال خيري: الموازنة الخضراء.. أداة مالية لتحقيق التنمية المستدامة

أستاذ مناهج الاقتصاد - جامعة حلوان

تشير الموازنة الخضراء إلى استخدام أدوات السياسات المالية لدمج الاعتبارات المناخية والبيئية في عملية إعداد الموازنات العامة، بما يعزز فهم تأثيرات السياسات المالية على البيئة والمناخ، ويضمن توافق الإنفاق العام مع الأهداف البيئية.

وتسعى هذه المقاربة إلى إعادة توجيه الموارد المالية نحو أولويات مستدامة، بدلًا من التركيز الحصري على الأبعاد الاقتصادية التقليدية.

تسهم الموازنة الخضراء في تحقيق التنمية المستدامة من خلال تعزيز الشفافية في الإنفاق العام، وتوجيه الأموال نحو مشروعات ذات تأثير بيئي إيجابي، وتحفيز استثمار القطاع الخاص في القطاعات الخضراء.

كما تساعد على بناء اقتصادات أكثر مرونة وعدالة، قادرة على مواجهة الصدمات البيئية والمالية، بما يضمن تحقيق أهداف اتفاقية باريس للمناخ، وأجندة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة بحلول عام 2030.

الفرق بين الموازنة التقليدية والموازنة الخضراء

تركّز الموازنة التقليدية على تخصيص الموارد المالية استنادًا إلى مخصصات السنوات السابقة، بحيث تُعدّ كل موازنة امتدادًا تلقائيًّا لما سبقها، مع إدخال بعض التعديلات الطفيفة.

وتُبنى على أسس ثابتة ومعايير كمية، ما يجعلها أداة مناسبة للرقابة قصيرة الأجل على التكاليف، لكنها لا تضع في اعتبارها تحليل النتائج أو تقييم الأثر الفعلي للإنفاق.

في المقابل، تعتمد الموازنة الخضراء على نهج استراتيجي يربط بين الإنفاق العام وتحقيق أهداف بيئية واجتماعية واقتصادية محددة، فهي تُقيّم فعالية البرامج والمشروعات من خلال مؤشرات أداء تقيس النتائج، وليس فقط حجم الإنفاق، وتُستخدم كأداة لتوجيه السياسات نحو تحقيق التنمية المستدامة، لا سيما في ظل الأزمات المناخية والاقتصادية.

رغم أن تنفيذ الموازنة الخضراء يتطلب موارد مؤسسية أكبر وتغييرات في الثقافة الإدارية، فإنها توفر معلومات أعمق لصنّاع القرار، وتساعد على صياغة سياسات مالية أكثر توازنًا بين متطلبات النمو الاقتصادي والحفاظ على البيئة، ما يشكل نقلة نوعية في إدارة المال العام مقارنة بالنموذج التقليدي القائم على الإنفاق دون تقييم مستدام.

أهمية الموازنة الخضراء في تحقيق أهداف التنمية المستدامة:

1. دمج الأهداف البيئية في السياسات المالية: تهدف إلى إدخال الاعتبارات المناخية والبيئية في الضرائب، والإنفاق، والدعم الحكومي، لمواءمة الموازنات العامة مع الأهداف البيئية طويلة الأجل.

2. تحسين اتساق السياسات: تعالج التناقضات بين السياسات الاقتصادية والبيئية من خلال أدوات تحليلية وتقييمات منهجية للتأثيرات البيئية.

3. تعزيز الشفافية والمساءلة: توفر إطارًا لمساءلة الحكومات بشأن التقدم المحرز في الأهداف البيئية؛ مما يزيد وضوح العلاقة بين النفقات العامة والأثر البيئي.

4. توجيه القرارات الاستثمارية نحو الاستدامة: من خلال أدوات مثل التصنيف البيئي لتوجيه الموارد نحو مشروعات منخفضة الكربون وصديقة للبيئة.

5. تقييم التكاليف والفوائد البيئية: تمكّن من تحليل التكاليف والفوائد البيئية للسياسات لدعم اتخاذ قرارات مستنيرة.

6. زيادة قدرة الحكومات على إدارة المخاطر البيئية: تحدد المخاطر البيئية والمالية المرتبطة بالتغير المناخي، ما يساعد على صياغة استجابات مرنة.

7. دعم التعاون الدولي: تعزز التزامات الدول باتفاقية باريس وأهداف التنمية المستدامة والاتفاقيات البيئية الدولية.

أدوات وتقنيات الموازنة الخضراء:

تعتمد الموازنة الخضراء على مجموعة من الأدوات والتقنيات لتقييم الأثر البيئي للقرارات في الموازنة، وتحديد أولويات الإنفاق البيئي.

من بين الأدوات والتقنيات الرئيسية ما يلي:

أولًا: تقييم الأثر البيئي

يُعد تقييم الأثر البيئي (EIA) عملية منهجية لتحديد وتقييم الآثار البيئية المحتملة لمشروع أو سياسة. ويشمل هذا التقييم ما يلي:

الفحص: تحديد المشروعات أو السياسات التي تتطلب إجراء تقييم بيئي.

تحديد النطاق (Scoping): هي خطوة أساسية في تقييم الأثر البيئي تهدف إلى تحديد القضايا البيئية الأكثر أهمية التي يجب التركيز عليها، وتحديد حدود الدراسة ونوع التأثيرات المحتملة، وذلك لضمان أن يكون التقييم موجّهًا وفعّالًا، ويركز على الجوانب البيئية ذات الصلة بالمشروع أو السياسة المقترحة.

تقييم الأثر: تقييم الآثار البيئية المحتملة للمشروع أو السياسة.

التخفيف والمراقبة: تحديد التدابير اللازمة لتخفيف الآثار البيئية السلبية، ومراقبة مدى فعاليتها.

ثانيًا: تحليل التكلفة والعائد

يُعد تحليل التكلفة والعائد (CBA) تقنية تُستخدم لتقييم الكفاءة الاقتصادية لمشروع، أو سياسة.

ويتضمن ما يلي:

– تحديد التكاليف والعوائد: تحديد التكاليف والعوائد المرتبطة بالمشروع أو السياسة.

– تقدير القيم المالية: تحويل هذه التكاليف والعوائد إلى قيم نقدية.

– المقارنة: مقارنة التكاليف بالعوائد لتحديد صافي الفائدة من المشروع أو السياسة.

ثالثًا: أطر ومؤشرات الموازنة الخضراء

توفر أطر الموازنة الخضراء ومؤشراتها نهجًا منظمًا لتقييم الأثر البيئي للقرارات في الموازنة.

ومن أبرز هذه الأطر والمؤشرات:

– إطار الموازنة الخضراء لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) : وهو إطار يستخدم لتقييم الأثر البيئي للقرارات المالية.

– إرشادات الاتحاد الأوروبي للموازنة الخضراء: وهي إرشادات تهدف إلى دمج الاعتبارات البيئية ضمن عملية إعداد الموازنة.

– مؤشر الموازنة الخضراء: مؤشر يُستخدم لتتبع التقدم نحو تحقيق الأهداف البيئية.

وفي ضوء ما تقدم، لكي تنجح الموازنة الخضراء على المستوى العالمي، يجب أن تُثبت قيمتها، خاصة في الدول النامية التي تعاني محدودية الموارد والخبرات.

وتشمل الخطوات الأساسية ترتيب أولويات المبادرات الخضراء وتحديد تسلسلها، وبناء القدرات المحلية، وضمان المصداقية.

وتُعد الحاجة إلى بيانات موثوقة وتقييمات دقيقة أمرًا بالغ الأهمية، كما شددت على ذلك محكمة المدققين الأوروبية.

ويمكن لأدوات، مثل “مراجعة الإنفاق العام والمساءلة المالية في المناخ” (Climate PEFA) أن تسهم في إبراز الفجوات وتوجيه التحسينات في كيفية إدارة الدول لجهودها المالية البيئية والإفصاح عنها.

المصادر :

ICAEW Insights (2025) .Green budgeting: driving sustainable growth through smart planning .22 April
Sarah Lee (2025) . Green Budgeting 101.A Comprehensive Guide to Sustainable Public Policy . Llama-4-Maverick-17B-128E-Instruct-FP8 ,May27

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading