أخبارالتنوع البيولوجيتغير المناخ

ملوثات كيميائية من الهواتف والتلفزيونات تصل إلى تربة القطبين الشمالي والجنوبي وهضبة التبت

تلوث إلكتروني عابر للقارات.. مواد كيميائية من الشاشات تصل إلى القطبين وهضبة التبت

دراسة تكشف رصد 42 مركبًا كيميائيًا مرتبطًا بصناعة الشاشات في مناطق نائية.. و33 مركبًا سجلت مستويات أعلى في العينات الأحدث، وسط تحذيرات من انتقال الملوثات لمسافات بعيدة

لم تعد الملوثات المرتبطة بصناعة الأجهزة الإلكترونية حبيسة المصانع والمدن ومواقع النفايات؛ إذ كشفت دراسة علمية حديثة عن وجود مركبات كيميائية تُستخدم في تصنيع شاشات الهواتف الذكية والتلفزيونات في تربة مناطق نائية بالقطب الشمالي والقارة القطبية الجنوبية وهضبة التبت، بما يشير إلى قدرة هذه المواد على الانتقال إلى بيئات بعيدة عن مصادر انبعاثها المباشرة.

ورصد الباحثون 42 مركبًا من أصل 54 مركبًا استهدفها التحليل، في دراسة شملت 55 عينة تربة جُمعت خلال ست بعثات علمية صينية بين عامي 2010 و2022. وأظهرت المقارنة أن مستويات 33 مركبًا كانت أعلى في العينات الأحدث مقارنة بالعينات السابقة من المناطق نفسها.

وتثير النتائج تساؤلات بشأن مصير المواد الكيميائية المستخدمة في صناعة الشاشات، ومدى استمرارها في البيئة، وقدرتها على الانتقال عبر الهواء إلى النظم البيئية القطبية والجبلية التي تبدو بعيدة عن النشاط الصناعي المباشر.

حتى المناطق النائية لم تسلم.. مركبات من شاشات الهواتف والتلفزيونات ترصد في تربة القطبين
حتى المناطق النائية لم تسلم.. مركبات من شاشات الهواتف والتلفزيونات ترصد في تربة القطبين

55 عينة تكشف انتشار ملوثات الشاشات

قاد الدراسة باحثون من جامعة جيانجهان الصينية، بالتعاون مع علماء من مؤسسات بحثية صينية وسويدية، وركزت على نوعين من المواد المرتبطة بتكنولوجيا الشاشات: مونومرات البلورات السائلة المستخدمة في شاشات LCD، والمواد العضوية الباعثة للضوء المستخدمة في شاشات OLED.

وجُمعت العينات من ثلاث مناطق رئيسية: هضبة تشينغهاي–التبت، والقطب الشمالي بالقرب من محطة النهر الأصفر الصينية في سفالبارد، والقارة القطبية الجنوبية بالقرب من محطة سور الصين العظيم الصينية.

وشملت العينات تربة جُمعت في زيارات منفصلة؛ ففي هضبة التبت أُخذت العينات عامي 2010 و2021، وفي القطب الشمالي عامي 2011 و2016، بينما جُمعت عينات القارة القطبية الجنوبية عامي 2011 و2022.

وحُللت الطبقة السطحية من التربة، بعمق يقارب خمسة سنتيمترات، بعد إزالة النباتات والحصى، ثم حُفظت العينات مجمدة حتى وصولها إلى المختبر.

مستويات ضئيلة.. لكنها تكشف مشكلة بيئية عابرة للحدود

بلغ إجمالي تركيز المركبات المرصودة في بعض العينات نحو 3.13 بيكوغرام لكل جرام من التربة الجافة، وهو ما يعادل نحو ثلاثة أجزاء في التريليون من حيث الكتلة، وليس ثلاثة أجزاء في المليار.

وسجلت هضبة التبت أعلى متوسط تركيز بين المناطق الثلاث، بنحو 911 بيكوغرامًا لكل جرام، أي قرابة ضعف المتوسطين المسجلين في القطبين الشمالي والجنوبي.

كما رصد الباحثون مركبًا يحتوي على الفلور شكّل ما بين 64% و82% من إجمالي المركبات في بعض عينات الهضبة.

ورغم ضآلة هذه الكميات، فإن أهميتها العلمية تكمن في رصدها داخل بيئات بعيدة عن المصادر الصناعية المباشرة، وفي احتمال استمرار بعض هذه المركبات وانتقالها لمسافات طويلة.

لكن وجودها لا يعني وحده ثبوت حدوث ضرر بيئي عند المستويات المقاسة؛ إذ لا تزال آثارها الفعلية في الكائنات الدقيقة والتربة بحاجة إلى اختبارات متخصصة.

من شاشات الهواتف إلى القطبين.. ملوثات إلكترونية تصل إلى أبعد بقاع الأرض
من شاشات الهواتف إلى القطبين.. ملوثات إلكترونية تصل إلى أبعد بقاع الأرض

الهواء قد يكون الطريق إلى المناطق النائية

لفهم كيفية وصول هذه المواد إلى المواقع البعيدة، قارن الباحثون تركيزاتها في التربة القريبة من محطات الأبحاث والمناطق الأبعد عنها، كما درسوا الاختلافات بين مواقع هضبة التبت.

ولم تظهر فروق واضحة بين التربة المحيطة بمحطات الأبحاث والتربة الأبعد، كما لم يظهر اختلاف حاسم بين عينات مدينة لاسا وجبل شيرجيلا.

وتدعم هذه النتائج احتمال أن يكون الانتقال عبر الهواء أحد المسارات الرئيسية لوصول المركبات، بدلًا من اقتصار التلوث على المصادر المحلية. ومع ذلك، لم تستبعد الدراسة تمامًا مساهمة بعض الأنشطة القريبة من محطات الأبحاث.

واقترح الباحثون أيضًا أن الرياح الموسمية القادمة من جنوب آسيا قد تساعد على نقل بعض الملوثات إلى المنحدرات الجنوبية لهضبة التبت، لكنهم لم يقيسوا تركيزات المركبات في الهواء لتأكيد هذا المسار بصورة مباشرة.

كما أظهرت العينات أن التربة الغنية بالمواد العضوية قد تحتفظ بكميات أكبر من بعض المركبات الطاردة للماء، وهو ما يشير إلى أن خصائص التربة نفسها قد تؤثر في تراكم هذه المواد وتوزيعها.

هل تشكل هذه المواد خطرًا على البيئة؟

أجرى الفريق تقييمًا أوليًا للمخاطر باستخدام مستويات متوقعة لا يُفترض أن تسبب ضررًا، واستنادًا إلى نماذج حاسوبية وليست إلى قياسات مباشرة للسمية داخل التربة.

وأظهرت النتائج أن مؤشرات المخاطر المحسوبة في هضبة التبت كانت أعلى بنحو 10 إلى 100 مرة من نظيراتها في المناطق القطبية، إلا أن معظم المؤشرات ظلت أقل من 0.1، وهو نطاق صنفته منهجية الدراسة ضمن مستوى المخاطر المنخفض.

لكن الباحثين شددوا على أن هذا التقييم أولي؛ لأن مستويات عدم الضرر استندت إلى تنبؤات تتعلق بالكائنات المائية، وليس إلى اختبارات مباشرة لتأثير هذه المركبات على الكائنات التي تعيش في التربة.

كما استخدم الفريق أدوات حاسوبية لفحص 26 مركبًا، وحدد ثمانية مركبات تستحق أولوية أكبر في اختبارات السمية المستقبلية، بسبب خصائصها الكيميائية المتوقعة واحتمال تأثيرها في الخلايا وصحة التربة.

ولا تعني هذه النتائج أن المركبات الثمانية ثبت أنها سامة في البيئة الطبيعية، بل إنها مرشحة لإجراء اختبارات مخبرية أكثر دقة.

حتى المناطق النائية لم تسلم.. مركبات من شاشات الهواتف والتلفزيونات ترصد في تربة القطبين
حتى المناطق النائية لم تسلم.. مركبات من شاشات الهواتف والتلفزيونات ترصد في تربة القطبين

هل يمكن أن تصبح ملوثات عالمية جديدة؟

تكتسب النتائج أهمية إضافية في ضوء المعايير التي تستند إليها اتفاقية ستوكهولم بشأن الملوثات العضوية الثابتة، والتي تشمل قدرة المواد على الاستمرار في البيئة والانتقال لمسافات طويلة، إلى جانب معايير أخرى لتحديد المواد التي قد تستدعي إجراءات دولية للحد منها.

غير أن الدراسة لا تثبت أن جميع المركبات المكتشفة تستوفي شروط إدراجها ضمن الاتفاقية، ولا تعني أن قرارًا بحظرها أصبح وشيكًا. لكنها تطرح ضرورة دراسة خصائصها البيئية بصورة أكثر شمولًا، خصوصًا مع استمرار إنتاج المواد المستخدمة في تقنيات الشاشات الحديثة.

وتشير النتائج كذلك إلى أهمية تحسين إدارة النفايات الإلكترونية، ورصد المواد الكيميائية التي قد تتحرر خلال التصنيع والاستخدام والتخلص من الأجهزة، إلى جانب تطوير بيانات أكثر دقة عن كميات الإنتاج والانبعاثات ومصادرها.

هل يمكن أن تصبح ملوثات عالمية جديدة؟
هل يمكن أن تصبح ملوثات عالمية جديدة؟

ما الذي لا نعرفه حتى الآن؟

رغم أهمية الدراسة، فإنها لا تقدم سجلًا زمنيًا متصلًا للتلوث؛ إذ جُمعت العينات في مناسبتين فقط لكل منطقة، وفي سنوات مختلفة. لذلك فإن ارتفاع مستويات معظم المركبات في العينات الأحدث يشير إلى اختلاف بين فترتي أخذ العينات، لكنه لا يكفي وحده لتحديد معدل الزيادة السنوي أو إثبات مسار تصاعدي مستمر.

كما لم تحدد الدراسة المصانع أو مواقع النفايات الإلكترونية التي انطلقت منها المركبات، ولم تتتبع انتقالها عبر الهواء والماء بصورة مباشرة. واقتصر تحليل المواد المرتبطة بشاشات OLED على أربعة مركبات، مع وجود احتمالات لعدم الدقة في تقدير بعض النتائج المختبرية.

ويرى الباحثون أن الخطوة التالية تتمثل في إجراء قياسات للهواء في المناطق النائية، وتطوير نماذج لحركة الملوثات بين الهواء والماء والتربة، وإجراء اختبارات مباشرة لسمية المركبات وتأثيرها في الكائنات الحية.

تلوث إلكتروني عابر للقارات.. مواد كيميائية من الشاشات تصل إلى القطبين وهضبة التبت
تلوث إلكتروني عابر للقارات.. مواد كيميائية من الشاشات تصل إلى القطبين وهضبة التبت

ونُشرت الدراسة في دورية Environmental Science and Ecotechnology،  وتكشف النتائج أن التلوث الكيميائي المرتبط بالتكنولوجيا الحديثة قد يتجاوز حدود المدن والمناطق الصناعية ليصل إلى نظم بيئية نائية، لكن تحديد حجم الخطر الفعلي يتطلب الانتقال من رصد وجود هذه المواد إلى قياس تأثيراتها ومصادرها ومسارات انتقالها بدقة.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة