في واحدة من أكثر مناطق مصر ثراءً بالأسرار الأثرية، خرجت مقبرة ظلت مختبئة تحت الأرض والركام لآلاف السنين إلى النور، لتضيف فصلًا جديدًا إلى قصة جبانة طيبة، التي لا تزال تكشف بين الحين والآخر عن تفاصيل جديدة من حياة المصريين القدماء.
المقبرة المكتشفة تعود إلى عصر الرعامسة، قبل نحو 3200 عام، وعُثر عليها في منطقة الشيخ عبد القرنة السفلى بالبر الغربي لنهر النيل في الأقصر، خلال أعمال بعثة أثرية هولندية من جامعة ليدن، برئاسة الدكتورة كارينا فان دن هوفن.
لكن المفاجأة لم تكن في عمر المقبرة وحده؛ فالمناظر والنقوش الموجودة داخلها كشفت اسم صاحبها: «باسر»، كما أظهرت عددًا من المشاهد الدينية التي تصوره وهو يؤدي طقوس العبادة أمام مقاصير مجموعة من الآلهة المصرية القديمة، إلى جانب مشاهد تجمعه بزوجته أمام مذبح للقرابين.
مقبرة مخفية تحت الأرض
تتميز المقبرة بتخطيط يكشف الكثير عن طبيعة العمارة الجنائزية في طيبة خلال عصر الدولة الحديثة، وتتكون من فناء خارجي، ومقصورة على شكل حرف T مقلوب منحوتة في الصخر، وحجرات دفن مخفية أسفل سطح الأرض.
ويشير هذا التخطيط إلى أنها تنتمي إلى النمط التقليدي لمقابر الأفراد في جبانة طيبة خلال عصر الدولة الحديثة، عندما أصبحت المقابر الخاصة جزءًا مهمًا من المشهد الجنائزي في المنطقة.
وتكمن أهمية الاكتشاف في أن أجزاء من المقبرة، خصوصًا الفناء، بقيت في حالة حفظ جيدة نسبيًا، ما يمنح علماء الآثار فرصة لدراسة ليس فقط ما بداخل حجرات الدفن، ولكن أيضًا الطريقة التي صُمم بها المكان واستخدم في الطقوس الجنائزية.
فناء المقبرة يكشف تفاصيل غير متوقعة
يضم الفناء الخارجي عددًا من العناصر المعمارية اللافتة، ومن بينها منصة من الطوب اللبن تحتوي على تجويف مركزي كان مخصصًا لوضع لوحة جنائزية «ستيلة»، إضافة إلى درج يؤدي إلى مدخل المقبرة، تحيط به من الجانبين منحدرات.
وقد تبدو هذه التفاصيل للوهلة الأولى مجرد عناصر معمارية، لكنها بالنسبة لعلماء الآثار تمثل أدلة مهمة على كيفية تنظيم الفضاء الجنائزي واستخدامه.
فالمقبرة لم تكن مجرد مكان لدفن الموتى، وإنما كانت فضاءً تمارس فيه طقوس واحتفالات مرتبطة بانتقال المتوفى إلى العالم الآخر وفق المعتقدات المصرية القديمة.

من هو «باسر»؟
حتى الآن، تكشف النقوش عن اسم صاحب المقبرة، «باسر»، لكنها لا تقدم بالضرورة جميع الإجابات المتعلقة بهويته ومكانته الاجتماعية.
ولهذا تواصل البعثة الهولندية أعمال التوثيق والدراسة، بهدف تحديد هوية الأشخاص المدفونين في المقبرة بصورة أكثر دقة، وفهم موقعهم ضمن المجتمع المصري القديم.
وهنا تكمن قيمة الاكتشاف؛ فالمقبرة لا تقدم مجرد أسماء وصورًا على الجدران، وإنما يمكن أن تساعد دراسة النقوش والعمارة والمواد المكتشفة داخلها في إعادة بناء جانب من حياة أصحابها وعلاقاتهم بالمؤسسات الدينية والمجتمع المحيط بهم.
لماذا يُعد عصر الرعامسة مهمًا؟
ترجع المقبرة إلى عصر الرعامسة، الذي يشمل الأسرتين التاسعة عشرة والعشرين، وهي فترة شهدت حكم عدد من أشهر ملوك مصر القديمة، من بينهم رمسيس الثاني ورمسيس الثالث.
وكانت طيبة في ذلك الوقت مركزًا دينيًا بالغ الأهمية، خصوصًا مع المكانة الهائلة لعبادة الإله آمون.
ولهذا فإن وجود مناظر دينية داخل مقبرة «باسر» ليس تفصيلًا عابرًا؛ فالصور والنقوش الجنائزية كانت تؤدي دورًا أساسيًا في التعبير عن معتقدات المصريين بشأن الموت والبعث والعالم الآخر.
المقبرة الجديدة ليست السر الوحيد في المنطقة
الأكثر إثارة أن اكتشاف مقبرة «باسر» يأتي في منطقة شهدت خلال الفترة الأخيرة سلسلة من الاكتشافات الأثرية التي تكشف مدى كثافة الاستخدام الجنائزي للموقع عبر فترات زمنية متعاقبة.
ففي منطقة قريبة من المقبرة، عثرت بعثة أثرية خلال أعمال بدأت في نوفمبر 2025 على مجموعة من 10 توابيت خشبية مخبأة داخل بئر للدفن في المنطقة الواقعة بين مقبرتي «روي» و«باكي».
وكان «روي» كاتبًا ملكيًا من الأسرة الثامنة عشرة، ما يعكس القيمة التاريخية للموقع وتعدد طبقاته الزمنية.
واللافت أن التوابيت لم تنتمِ جميعها إلى فترة واحدة؛ إذ تشير الدراسات الأولية إلى أن أربعة منها تعود إلى الأسرة الثامنة عشرة، بينما يعود بعضها الآخر إلى عصر الرعامسة، في حين ترجع توابيت أخرى إلى العصر المتأخر في مصر القديمة، الذي امتد تقريبًا من 664 إلى 332 قبل الميلاد.
وهكذا تحولت مساحة واحدة من جبانة طيبة إلى ما يشبه أرشيفًا أثريًا مفتوحًا يمتد عبر قرون طويلة من التاريخ المصري.
أكثر من 30 قطة محنطة.. لغز آخر تحت الركام
لكن المفاجأة الأكثر غرابة جاءت من عالم مختلف تمامًا، فبين طبقات الركام إلى الجنوب من مقبرة «باكي»، اكتشف علماء الآثار أكثر من 30 قطة محنطة، بعضها من القطط البرية وبعضها من القطط المنزلية.
ويكشف وجود هذه الحيوانات المحنطة جانبًا آخر من العلاقة المعقدة بين المصريين القدماء والحيوانات، التي لم تكن مجرد كائنات تعيش إلى جوار البشر، بل ارتبط بعضها بالمعتقدات الدينية والطقوس الجنائزية.
وتبرز القطط بصورة خاصة في الحضارة المصرية القديمة بسبب ارتباطها بالإلهة باستت، التي اتخذت هيئة امرأة برأس قطة أو ظهرت في صورة قطة، وارتبطت بالحماية والأمومة والمنزل.
ولهذا فإن العثور على مومياوات قطط في منطقة جنائزية ليس مجرد اكتشاف لحيوانات مدفونة، وإنما قد يكون جزءًا من منظومة دينية وجنائزية أوسع.
لماذا ظلت المقبرة مخفية كل هذه السنوات؟
ربما تكون هذه هي المفارقة الأهم في الاكتشاف، فجبانة طيبة من أشهر المواقع الأثرية في العالم، وشهدت أعمال تنقيب واسعة على مدى عقود، ومع ذلك لا تزال الأرض تخفي مقابر ومنشآت لم تكن معروفة من قبل.
وتوضح المعلومات الخاصة بالموقع أن بعض المناطق كانت قد غُطيت بطبقات من الركام الناتجة عن أعمال بعثات أثرية سابقة، وهو ما ساهم في حجب بعض الآثار عن الأنظار.
وهذا يعني أن اكتشاف الآثار لا يعتمد دائمًا على البحث في أماكن لم يقترب منها أحد؛ ففي بعض الحالات، يمكن أن تكون القطعة الأثرية أو المقبرة موجودة بالفعل أسفل طبقات من مخلفات أعمال التنقيب القديمة.
اكتشاف جديد.. وأسئلة أكثر
لا تزال دراسة مقبرة «باسر» في مراحلها الأولى، ولذلك قد تحمل الأعمال المقبلة إجابات عن أسئلة مهمة.
من كان «باسر»؟ وما وظيفته؟ وما مكانته الاجتماعية؟ ومن كانت زوجته؟ وهل توجد مدافن أخرى مرتبطة بعائلته؟
كما يمكن أن تكشف دراسة النقوش والألوان والعمارة عن طبيعة الطقوس التي كانت تُمارس في المقبرة، بينما قد تساعد المواد الأثرية والتحاليل العلمية في تحديد المزيد من التفاصيل المتعلقة بالأشخاص المدفونين فيها.
ولهذا لا يمثل الاكتشاف نهاية القصة، وإنما بداية فصل جديد، فبعد أكثر من ثلاثة آلاف عام، لم تعد مقبرة «باسر» مجرد حجرة صامتة في صخور طيبة؛ إنها رسالة تركها مجتمع كامل خلفه، تنتظر من يقرأ رموزها.
وفي الأقصر، حيث اعتاد الناس أن يعتقدوا أن الأرض استنفدت معظم أسرارها، تثبت الحفائر مرة أخرى أن مصر القديمة لم تقل كلمتها الأخيرة بعد.





