مفاجأة جيولوجية.. صدع السويس ما زال يتحرك منذ 28 مليون عام حتى اليوم
أدلة جيومورفولوجية تؤكد استمرار الانجراف بين إفريقيا وآسيا عبر خليج السويس
كتب مصطفى شعبان
كشفت دراسة جيولوجية حديثة عن مفاجأة علمية قد تغيّر فهم الباحثين لطبيعة النشاط التكتوني في منطقة شرق أفريقيا وغرب آسيا.
فقد أثبتت الدراسة، المنشورة في دورية Geophysical Research Letters، ضمن مجموعة أبحاث المناظر الطبيعية والأحواض (LBRG)، قسم علوم الأرض والهندسة، إمبريال كوليدج، لندن، أن صدع السويس في مصر، الذي لطالما اعتُبر صدعًا “خاملا” أو غير نشط منذ ملايين السنين، ما زال يشهد حركة رفع وتمدد مستمرة في الوقت الحاضر، وإن كانت بمعدلات شديدة البطء لا تتجاوز أجزاء من المليمتر سنويًا.
ومن خلال تحليل شكل الصدع والأنهار التي تعبره، بالإضافة إلى موقع وارتفاع الشعاب المرجانية القديمة فوق مستوى سطح البحر، وجد الباحثون نجد أن صدع السويس لا يزال يتمزق بنشاط، ويرتبط هذا التمدد القشري بارتفاع رأسي كبير نسبيًا للأرض.
وأوضح الباحثون في دراستهم إنه قد تكون معدلات التمدد الحالية أبطأ مما كانت عليه سابقًا في الصدع، ولكنها لا تزال مماثلة لمناطق التمدد النشط، مثل حوض وسلسلة جبال باسين في الولايات المتحدة الأمريكية.

ويتحدى هذا النشاط غير المتوقع الرأي التقليدي القائل بأن الصدوع ببساطة “تفشل” وتصبح خاملة، وبدلاً من ذلك، يستمر صدع السويس في التمدد بمعدلات منخفضة، على الرغم من أن معظم حركة الصفائح ومعظم تحول التشوه ينتقل إلى أماكن أخرى.
وتشير النتائج التي توصل إليها الباحثون ( كريستوفر ايدن لي جاكسون الأستاذ في إمبريال كوليدج لندن، وجينو دي جيلدر، بجامعة جرونوبل ألب، فرنسا، وديفيد فرنانديز بلانكو من مختبر الدولة الرئيسي لعلوم أعماق البحار والتكنولوجيا الذكية، بالأكاديمية الصينية للعلوم) إلى أن العلماء بحاجة إلى دراسة أفضل لكيفية تطور الصدوع القارية “الميتة” المفترضة في جميع أنحاء العالم، لأنها قد لا تزال تتمدد.

إحياء ملف جيولوجي ظنّ العلماء أنه أُغلق
وتوضح الدراسة أنه على مدى عقود، افترض الجيولوجيون أن النشاط التكتوني الذي أدى إلى تشكّل خليج السويس قبل 28 مليون سنة قد توقف نهائيًا قبل خمسة ملايين عام، وأن المنطقة دخلت فترة سكون جيولوجي طويلة.
هذا الاعتقاد كان مبنيًا على غياب الزلازل الكبيرة والطاقة التكتونية الواضحة، إلى جانب التوجّه العام للصفائح الذي انحرف نحو نظام صدع البحر الميت.
لكن الدراسة الجديدة أعادت تقييم هذا الافتراض من خلال إجراء تحليل دقيق لنحو 300 كم من تضاريس الصدع، اعتمادًا على نماذج الارتفاع الرقمية المتقدمة، وما توفره من قدرة على رصد الفوالق الدقيقة وتدرّجات الانحدار التي لا يمكن للعين المجردة ملاحظتها بسهولة.

دلائل سطحية… لكنها قوية
وجد الباحثون “درجات” و”كسورًا” واضحة على أسطح الصخور الرسوبية الفتية، وهي سمات لا يمكن تفسيرها بعمليات الحتّ والتعرية وحدها، بل تُعدّ مؤشرًا مباشرًا على حركة مستمرة للفوالق، مثل هذه السمات عادة تتشكّل عندما ترفع الفوالق أجزاء من القشرة الأرضية تدريجيًا، وهو ما يؤكد استمرار الضخ التكتوني في المنطقة.
الشعاب المرجانية القديمة… سجل طبيعي لحركة الأرض
اعتمد الفريق كذلك على قياس الارتفاع الحالي لـ مصاطب الشعاب المرجانية التي تشكلت في الفترات الدافئة خلال العصور الجليدية.
هذه الشعاب، التي وجدت عند 25 موقعًا على طول جوانب الخليج، كان يُفترض أن تكون على مستوى سطح البحر، لكنها اليوم ترتفع بمتوسط 18.5 مترًا فوقه.

هذا الارتفاع غير المنتظم، والذي يختلف من موقع لآخر، يعدّ دليلاً قويًا على الرفع التكتوني التفاضلي، أي أن أجزاء معينة من الأرض ترتفع بوتيرة مختلفة، حسب نشاط الفوالق الواقعة تحتها.

لماذا فشل الصدع في التحوّل إلى محيط؟
عادة ما تقود الصدوع القارية الممتدة إلى نشوء محيطات جديدة، كما حدث في البحر الأحمر، لكن صدع خليج السويس يُصنف كـ”صدع فاشل” لسبب رئيسي:
تغيّر اتجاه حركة الصفائح التكتونية قبل ملايين السنين، حيث أصبحت القوى المسؤولة عن التمدد تتجه نحو الشمال الشرقي، مولّدة نظام البحر الميت التحويلي.
هذا التبدّل أنهى مرحلة التمدد السريع في خليج السويس، لكنه لم يُنهِ الحركة كليًا، بل تركها مستمرة بوتيرة أبطأ كثيرًا.

معدلات التمدد والرفع: أبطأ لكنها حقيقية
من خلال التحليل الطبوغرافي والجيوكرونولوجي، حدد الباحثون معدلات الرفع والامتداد الحالية في أجزاء مختلفة من الصدع:
– معدل الرفع الرأسي: يصل إلى 0.13 مليمتر سنويًا
– معدل التمدد الأفقي: يصل إلى 0.55 مليمتر سنويًا
وبالرغم من أن هذه الأرقام بالغة الضآلة بمقاييس الإنسان، فإنها ذات أهمية كبرى جيولوجيًا، لأنها تشير إلى أن المنطقة ليست خاملة كما كان يُعتقد، وأن القوى الداخلية للأرض لا تزال تعمل بصمت تحت السطح.
آثار علمية وجيولوجية مهمة
تشير الدراسة إلى أن صدع السويس قد يكون جزءًا من شبكة تكتونية معقدة تمتد من البحر الأحمر إلى نظام البحر الميت، وأن حركته البطيئة قد تلعب دورًا في:
– تشكيل المنحدرات البارزة على جانبي الخليج
– إعادة توزيع الضغوط التكتونية في مصر وشبه جزيرة سيناء
– التأثير على المخاطر الزلزالية متوسطة ومنخفضة الدرجة
كما تفتح النتائج الباب أمام إعادة تقييم الصدوع القديمة الأخرى التي افترض العلماء أنها ماتت جيولوجيًا، إذ قد تكون بعضها ما زالت نشطة بشكل خافت وغير ملحوظ.
نحو نماذج أفضل للتنبؤ الزلزالي
يوضح الباحثون أن فهم النشاط الخافت في الصدوع “الفاشلة” يساعد على تحسين نماذج تطور القشرة الأرضية، ويعزز من قدرة العلماء على تقييم المخاطر الزلزالية في المناطق التي يُعتقد أنها آمنة نسبيًا.
ويؤكد الفريق العلمي أن دراسات إضافية، باستخدام تقنيات مثل تحديد عمر الأسطح المكشوفة وتحليل البيانات الزلزالية الدقيقة، ستكون ضرورية لتحديد صورة أدق لنشاط الصدع في المستقبل.





